لقاء ترامب وشي.. هل ينجح الزعيمان في إعادة التوازن للأسواق العالمية؟
في ظل الأجواء المشحونة بين واشنطن وبكين، يترقب العالم لقاءً يوصف بأنه نقطة انعطاف حقيقية في مسار الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، فالاجتماع المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ لا ينظر إليه فقط كجلسة تفاوض اقتصادي، بل كمناظرة سياسية بين نموذجين متنافسين على قيادة النظام العالمي الجديد.
وبحسب ما أكده الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشوربجي، فإن هذا اللقاء “يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجانبين على التوصل إلى تفاهم متوازن يُنهي سنوات من التصعيد التجاري المتبادل”، مضيفًا أن التفاهمات المرتقبة بين واشنطن وبكين “قد تضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي المشروط، حيث يسعى كل طرف إلى حماية مصالحه دون فقدان هيبته السياسية أو تفوقه التكنولوجي”.
لقاء ترامب وشي.. هدنة اقتصادية مشروطة
تتجه الولايات المتحدة، وفق ما نقلته وول ستريت جورنال، إلى خفض الرسوم الجمركية المفروضة على الصين بنسبة 10%، مقابل التزام بكين بتشديد الرقابة على تصدير المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع مخدر الفنتانيل، وهو الملف الذي تعتبره واشنطن “قضية أمن قومي” بسبب مسؤوليته عن مئات آلاف الوفيات سنويًا في الولايات المتحدة.
وأشار الشوربجي إلى أن “الربط بين ملف المخدرات والملف التجاري يعكس عقلية تفاوضية أمريكية جديدة، تمزج بين الاقتصاد والأمن الداخلي في معادلة واحدة”، لافتًا إلى أن “الصين تتعامل مع هذا الربط ببراغماتية، إذ ترى فيه فرصة لتخفيف الضغط الجمركي دون تقديم تنازلات جوهرية تمس مكانتها الصناعية”.
ومن المتوقع أن يؤدي الخفض الجديد في الرسوم إلى تقليص متوسط التعريفة الجمركية على الواردات الصينية إلى نحو 45% بدلًا من 55%، وهو ما يراه الشوربجي “إشارة إلى بداية انفراجة تدريجية في جدار الحرب الاقتصادية الممتدة منذ 2018”.
الصين تفاوض من موقع الندّ
من منظور بكين، يكتسب هذا اللقاء بعدًا رمزيًا عميقًا، إذ يخطط الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى تأكيد مكانة بلاده كقوة مكافئة للولايات المتحدة، فالحرب التجارية التي بدأها ترامب تحولت -من وجهة نظر الصين- من تحدٍ اقتصادي إلى فرصة لإبراز قدرتها على الصمود والابتكار.
وقال الدكتور الشوربجي إن “الصين أدركت أن واشنطن لم تعد القوة المهيمنة اقتصاديًا كما كانت قبل عقدٍ من الزمن”، موضحًا أن بكين “استخدمت الحرب التجارية لإعادة هيكلة اقتصادها الداخلي وتسريع الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والصناعة، وهو ما جعلها أكثر استعدادًا لإدارة الأزمات بدلاً من الانصياع لها”.
وقد نجحت الصين بالفعل في تحويل نقاط الضغط إلى أوراق نفوذ، أبرزها سيطرتها شبه المطلقة على سوق المعادن النادرة التي تدخل في صناعة التقنيات الحديثة، من الهواتف الذكية إلى المقاتلات المتقدمة، هذه الورقة استخدمتها بكين بمهارة للرد على القيود الأمريكية المفروضة على صادرات التكنولوجيا العالية.
اقرأ أيضًا: غولدمان ساكس يتوقع ارتفاع سوق الأسهم الصينية 30٪ حتى 2027
إطار عمل شامل بين القوتين
تشمل بنود الإطار التجاري الجديد، الذي تم التوصل إليه بعد محادثات مكثفة في ماليزيا، اتفاقًا مبدئيًا لتأجيل تطبيق القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة لمدة عام، مقابل تراجع واشنطن عن تهديدها بفرض رسوم بنسبة 100% على السلع الصينية. كما يتضمن الإطار استئناف الصين شراء فول الصويا الأمريكي بكميات كبيرة، وهو ما يعيد الحياة إلى القطاع الزراعي الأمريكي الذي تضرر خلال السنوات الماضية.
وأوضح الشوربجي أنَّ “الصفقة المطروحة لا تعتبر هدنة عابرة، بل محاولة لتأسيس توازن جديد في العلاقات الاقتصادية بين القوتين”، مضيفًا أن “الولايات المتحدة تسعى لتقليل التصعيد من أجل خفض التضخم الداخلي واستعادة ثقة الأسواق، في حين ترغب الصين في استقرار مناخها التجاري لتجنب مزيد من التباطؤ في النمو”.
هدوء صيني وثقة متزايدة
رغم الضغوط الأمريكية المتصاعدة، تبدي الصين هدوءًا استراتيجيًا في إدارة المفاوضات؛ فوفقًا للشوربجي، “تتعامل بكين بثقة متناهية، مستندة إلى تفوقها في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا الخضراء وسلاسل الإمداد الصناعية، إضافة إلى توسعها في الشراكات مع روسيا ودول بريكس لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية”.
وأضاف: “الصين لم تعد تخطط فقط لحماية أسواقها، بل لتكريس نفسها كقوة قادرة على صياغة القواعد الجديدة للتجارة العالمية”، مشيرًا إلى أن بكين “تستخدم هذه المفاوضات لتأكيد أنها شريك نِديّ وليس تابعًا، وأنها ستتفاوض على قاعدة المصالح المتبادلة لا الإملاءات”.
دبلوماسية الزعيمين.. وامتحان الكيمياء السياسية
على الرغم من الإشارات الإيجابية من الجانبين، يرى الشوربجي أن “نجاح اللقاء يعتمد إلى حدٍّ كبير على الديناميكية الشخصية بين الزعيمين”، فترامب معروف بأسلوبه القائم على الصفقات المفاجئة، بينما يتبنى شي نهجًا أكثر تحفظًا وعمقًا استراتيجيًا.
وأضاف: “إذا تمكن الزعيمان من إيجاد لغة مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل، فقد نشهد أكبر انفراجة في العلاقات الأمريكية الصينية منذ قمة 2019، أما إذا غلبت لغة التحدي فستعود الأسواق إلى نقطة الصفر”.
وزير الخارجية الصيني وانغ يي أكد هذه الروح حين قال في بيان رسمي إنَّ “شي وترامب قائدان عالميان تربطهما علاقة قائمة على الاحترام والمنفعة المتبادلة”، مشيرًا إلى أنَّ “التمسك بالمساواة هو أساس أي تقدم في العلاقات الثنائية”.
تأثيرات اقتصادية عالمية للقاء ترامب وشي
أثارت أنباء التقارب بين واشنطن وبكين موجة تفاؤل في الأسواق العالمية؛ فقد ارتفعت مؤشرات الأسهم الأمريكية والآسيوية إلى مستويات قياسية، وتراجع الذهب كملاذ آمن مع صعود الدولار. ويرى الشوربجي أن “الاتفاق المرتقب، إذا تم إقراره رسميًا، سيكون بمثابة نقطة تحول كبرى للأسواق الدولية، لأنه سيعيد ضبط سلاسل الإمداد التي تضررت بسبب التوترات بين القوتين”.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته، قائلًا: “العالم اليوم لا يحتاج إلى حرب تجارية جديدة، بل إلى تفاهم اقتصادي مستدام بين واشنطن وبكين، فاستقرار العلاقات بينهما ليس مصلحة أمريكية أو صينية فحسب، بل هو ضرورة لحماية النظام المالي العالمي من أزمة قادمة قد تكون أشد قسوة من كل ما شهدناه منذ 2008”.
ويبقى لقاء ترامب وشي أكثر من مجرد تفاوض اقتصادي؛ إنه اختبار لمستقبل القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين؛ حيث تهدف الصين لتثبيت مكانتها كقطب موازٍ، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على زعامة بدأت ملامحها تتراجع في عالمٍ يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
إقرأ أيضاً : ماذا يعني تخفيض تصنيف أمريكا الائتماني؟