الصين تحذر واشنطن من تحويل التجارة إلى سلاح سياسي

حذّر رئيس الوزراء الصيني المسؤولين الأمريكيين، يوم الثلاثاء، 29 أغسطس 2023، من أن السعي إلى «تسييس» القضايا التجارية ستكون له تداعيات «كارثية» على الاقتصاد العالمي، بحسب ما نقلته وسائل إعلام رسمية صينية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تقوم فيه وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو بزيارة إلى الصين تستمر أربعة أيام، في مسعى لاحتواء التوترات المتصاعدة بين أكبر اقتصادين في العالم.

غير أن لقاء ريموندو مع رئيس الوزراء لي تشيانغ تطرّق إلى الخلافات الجوهرية بين الجانبين، ولا سيما القيود التجارية الأمريكية المفروضة على بكين، والتي تؤكد واشنطن أنها ضرورية لحماية أمنها القومي، في حين ترى الصين أنها تهدف إلى عرقلة صعودها الاقتصادي.

بكين تنتقد التوسع الأمريكي في مفاهيم الأمن القومي

نقلت وكالة أنباء الصين الرسمية «شينخوا» عن لي تشيانغ قوله إن «تسييس القضايا الاقتصادية والتجارية، والتوسع المفرط في مفهوم الأمن، يؤثران بشكل خطير في العلاقات الثنائية ويقوضان الثقة المتبادلة»، وأضاف أنَّ هذا النهج «يقوّض مصالح الشركات وشعبي البلدين على حدّ سواء، وسيخلّف آثارًا كارثية على الاقتصاد العالمي».

وتأتي هذه التصريحات في وقت تراجعت فيه العلاقات بين بكين وواشنطن إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، مع تصدّر القيود التجارية الأمريكية قائمة الملفات الخلافية بين الجانبين.

قيود الاستثمار التكنولوجي

في هذا السياق، أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال شهر أغسطس الجاري أمرًا تنفيذيًا يهدف إلى فرض قيود على استثمارات أمريكية محددة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة الحساسة داخل الصين، وهي خطوة قوبلت بانتقادات حادة من بكين التي وصفتها بأنها «مناهضة للعولمة».

وتستهدف القواعد الجديدة، التي يجري الإعداد لها منذ فترة طويلة ومن المرجّح أن تدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من العام المقبل، قطاعات استراتيجية تشمل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في إطار مساعي واشنطن للحد من تدفق رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى مجالات تعتبرها ذات أبعاد أمنية.

وخلال اللقاء، دعا لي تشيانغ الولايات المتحدة إلى مراجعة سياساتها، مؤكدًا أن «على الطرفين تعزيز التعاون الثنائي القائم على المنفعة المتبادلة، والعمل على تخفيف حدة التوتر والمواجهة، ودعم التعافي الاقتصادي العالمي بشكل مشترك، والتعامل مع التحديات العالمية بروح المسؤولية».

وفي المقابل، وبينما استغل رئيس الوزراء الصيني الاجتماع لتوجيه انتقادات مباشرة للسياسة الأمريكية، شدّدت وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو على أهمية الإبقاء على قنوات التواصل المفتوحة بين القوتين الاقتصاديتين.

اقرأ أيضًا: اقتصاد الصين يتألم والحكومة غائبة

واشنطن تؤكد رفضها لسيناريو “فك الارتباط”

أشارت ريموندو إلى عدد من القضايا التي «تثير قلقًا عالميًا»، من بينها التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، وأزمة الإدمان على مادة الفينتانيل، مؤكدة لرئيس الوزراء الصيني أن واشنطن ترغب «في العمل مع الصين كقوتين عالميتين للقيام بما هو صحيح لصالح البشرية جمعاء»، وأضافت أن «العالم يتوقع من البلدين التحرك معًا لإيجاد حلول لهذه التحديات المشتركة».

كما أكدت وزيرة التجارة الأمريكية أن بلادها لا تسعى إلى فك الارتباط الاقتصادي مع الصين، وإنما إلى الحفاظ على العلاقات التجارية الثنائية التي تُقدّر قيمتها بنحو 700 مليار دولار.

وفي بيان صادر عن وزارة التجارة الأمريكية عقب الاجتماع، ذكرت ريموندو أنها أكدت التزام واشنطن باتخاذ الإجراءات اللازمة «لحماية الأمن القومي الأمريكي»، إلى جانب «ضمان معاملة عادلة وشفافة للشركات الأمريكية، وتوفير بيئة تنافسية متكافئة للعمال والأعمال التجارية الأمريكية».

وفي وقت سابق من الثلاثاء، التقت ريموندو نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، ووصفت العلاقات الصينية-الأمريكية بأنها «من بين الأهم في العالم»، مؤكدة أن إدارتها «بشكل مسؤول أمر حاسم ليس فقط للبلدين، بل للاقتصاد العالمي ككل».

وأثارت الوزيرة خلال محادثاتها مخاوف واشنطن بشأن الممارسات التجارية الصينية التي وصفتها بغير المنصفة، مشددة على أهمية تعزيز حماية الأسرار التجارية للشركات الأمريكية العاملة في الصين، مع تأكيدها في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى «عرقلة الاقتصاد الصيني».

ومن المقرر أن تتوجه ريموندو لاحقاً إلى شنغهاي، المركز الاقتصادي الأبرز في الصين، قبل مغادرتها البلاد الأربعاء. وتأتي زيارتها ضمن سلسلة زيارات لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى إلى الصين في الآونة الأخيرة، في إطار مساعي واشنطن لإدارة علاقتها مع أكبر خصم استراتيجي لها، وإجراء محادثات مباشرة بشأن القيود التجارية والتحديات الاقتصادية المشتركة.

هل ينجح “تبادل المعلومات” في تقليل سوء الفهم؟

التقى وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو، يوم الاثنين، مع ريموند، واتفق الطرفان على تأسيس مجموعة عمل تهدف إلى تسوية النزاعات التجارية بين البلدين. كما اتفق الجانبان على إنشاء ما أطلقت عليه واشنطن «تبادل معلومات متعلقة بإنفاذ مراقبة الصادرات»، ووُصفت هذه المنصة بأنها أداة تهدف إلى الحد من سوء الفهم بشأن سياسات الأمن القومي الأمريكي.

لكن بكين قدّمت صورة أكثر حدة من الموقف الأمريكي، مشيرة إلى أن الوزير وانغ أعرب عن «مخاوف جدية» بشأن القيود التجارية التي تفرضها واشنطن على الصين. وأوضحت وزارة التجارة الصينية أن هذه القيود تشمل:

  • الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع الصينية بموجب المادة 301.
  • السياسات المتعلقة بأشباه الموصلات.
  • القيود المفروضة على الاستثمار المتبادل.
  • برامج الدعم التمييزي.
  • العقوبات على الشركات الصينية.

وفي حين تُبرر الولايات المتحدة هذه السياسات بالقول إنها ضرورية «للتخلص من المخاطر» في سلاسل التوريد الخاصة بها، يُحذّر وانغ من أن هذه السياسات «تتعارض مع قواعد السوق ومبدأ المنافسة المنصفة، ولن تؤدي إلا للإضرار بأمن واستقرار سلاسل التوريد والصناعة العالمية»، مسلطًا الضوء على التوتر المستمر بين الجانبين في ملف التجارة والاستثمارات الاستراتيجية.

اقرأ أيضًا: التبادل التجاري بين روسيا والصين.. 300 مليار دولار بحلول 2030

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة