ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، ليتخطى حاجز 50 جنيهًا للمرة الأولى منذ 10 أشهر، وهذا الارتفاع لا يرتبط فقط بعوامل العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي، بل يعكس أيضًا محاولات لإعادة ضبط توازنات السوق والحد من المكاسب السريعة التي تحققها الأموال الساخنة عند خروجها من السوق المحلية.
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري في الوقت الراهن يحمل دلالات اقتصادية مهمة، خاصة فيما يتعلق بحركة رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل، المعروفة بما يُسمى بـ”الأموال الساخنة”.
الحد من خروج الأموال الساخنة
أوضح الجرم أن ارتفاع سعر الدولار في هذه المرحلة يساهم بشكل كبير في الحد من خروج هذه النوعية من الاستثمارات من السوق المحلية، مشيراً إلى أن تحركات سعر الصرف تلعب دوراً مهماً في إعادة ضبط التوازن داخل سوق الصرف وتقليل فرص تحقيق مكاسب سريعة وغير طبيعية للمستثمرين الأجانب عند خروجهم من السوق.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الأموال الساخنة عادة ما تتجه إلى الأسواق التي توفر لها فرص تحقيق أرباح سريعة من فروق أسعار الفائدة أو فروق سعر الصرف، لافتاً إلى أن أي تعديل في سعر العملة المحلية يغير من حسابات هذه الاستثمارات ويجعل عملية الخروج أقل جاذبية مقارنة بالفترات التي يتم فيها تثبيت سعر الصرف لفترات طويلة.
وأشار الجرم إلى أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في هذا التوقيت تحديداً يساهم في تقييد خروج هذه الأموال بشكل ملحوظ، لأنه يقلل من الأرباح المحتملة التي قد يسعى المستثمر الأجنبي لتحقيقها عند تحويل استثماراته إلى عملات أجنبية، وهو ما يخفف من الضغوط على سوق النقد الأجنبي.
وأكد أن إدارة سعر الصرف بشكل مرن في مثل هذه الظروف يساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع تحركات رؤوس الأموال بشكل أكثر توازناً، بدلاً من ترك المجال لتحقيق مكاسب غير متوازنة قد تتحقق نتيجة تثبيت سعر العملة لفترات طويلة.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن تحركات سعر الصرف في المرحلة الحالية تمثل أداة مهمة لضبط إيقاع السوق المالية وتقليل التقلبات المرتبطة بحركة الأموال الساخنة، بما يدعم استقرار سوق الصرف ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
تأثير الحرب الإيرانية على الجنيه المصري
من جانبه، أكد الدكتور عمرو سلامة ، أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة والحرب الدائرة في المنطقة بدأت بالفعل تلقي بظلالها على الاقتصاد المصري، مشيراً إلى أن بعض آثار الأزمة ظهرت بالفعل، لكن التداعيات الكاملة قد تظهر بصورة أوضح إذا استمر الصراع لفترة أطول.
وأوضح سلامة أن من أبرز المؤشرات التي ظهرت حتى الآن خروج نحو 3.7 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، المعروفة بالأموال الساخنة، منذ بداية الأزمة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سوق الصرف، حيث ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه بنحو جنيهين تقريباً في فترة قصيرة.
وأضاف أن التوقعات تشير إلى إمكانية وصول الدولار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة، حيث تخطى حالياً مستوى 50 جنيهاً، وقد يتجه إلى 52 جنيهاً أو حتى 55 جنيهاً إذا استمرت الضغوط الحالية على الاقتصاد.
اقرأ المزيد: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري
أدوات البنك المركزي المصري لإدارة سعر الصرف
أشار سلامة إلى أن ارتفاع سعر الدولار جاء أيضاً نتيجة سياسات اتخذها البنك المركزي بهدف الحد من المكاسب الكبيرة التي تحققها الأموال الساخنة عند خروجها من السوق، موضحاً أن هذه السياسة تهدف إلى تقليل أرباح المستثمرين الأجانب الذين يستفيدون من الفروق في أسعار الفائدة أو سعر الصرف.
ولفت سلامة إلى أن هذه الإجراءات قد تكون لها آثار جانبية على الاقتصاد المحلي، حيث ستؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، لأن التجار والمستوردين يتوقعون زيادة الدولار في الفترة المقبلة، وبالتالي يبدأون في تسعير السلع وفق توقعات مستقبلية لسعر الصرف وليس السعر الحالي فقط.
وأوضح أن هذه الظاهرة حدثت في أزمات سابقة مثل أعوام 2016 و2020 و2022، عندما أدت تقلبات سعر الدولار إلى إعادة تسعير السلع بأسعار أعلى تحسباً لارتفاعات مستقبلية.
وأشار إلى أن المستوردين عادة ما يعتمدون في تسعير السلع على توقعاتهم لسعر الدولار، فمثلاً إذا كان التاجر يستورد سلعة بسعر ألف دولار وكان الدولار سابقاً عند مستوى 47 جنيهاً، فإن سعرها في السوق كان يقارب 47 ألف جنيه، لكن إذا ارتفع الدولار إلى 50 أو 52 جنيهاً فإن تكلفة إعادة الاستيراد ستزيد، ما يدفع التاجر إلى رفع السعر مسبقاً لتجنب الخسارة.
وأضاف أن هذه التوقعات تدفع السوق إلى حالة من المضاربة على الدولار، حيث يصبح هناك سعران للعملة: السعر الرسمي في البنوك، والسعر المتوقع أو التقديري الذي يستخدمه التجار عند تسعير السلع.
وحذر من أنه في حال استمرار الأزمة لفترة أطول قد تعود ظاهرة الأسواق الموازية أو السوق السوداء للعملة، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية، ويزيد من الضغوط على الاقتصاد.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة
احتياطي النقد الأجنبي في مصر
أشار سلامة إلى أن البنك المركزي يمتلك احتياطياً من النقد الأجنبي يقدر بنحو 52.746 مليار دولار، وهو ما يمنحه القدرة على التدخل لدعم استقرار الجنيه، لكنه أوضح أن استخدام الاحتياطي للدفاع عن العملة لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف جزء كبير منه خلال عدة أشهر.
وأشار إلى أن اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الاستيراد يجعل أي تغير في سعر الدولار ينعكس فوراً على أسعار السلع، لأن نسبة كبيرة من المنتجات في السوق تعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة.
وأوضح أن مصر تستورد أيضاً نسبة كبيرة من احتياجاتها من القمح، حيث يتم استيراد ما يقرب من أربعة أخماس استهلاك الخبز، وهو ما يعني أن أي ارتفاع في الدولار ينعكس مباشرة على تكلفة الغذاء.
تحويلات المصريين وقناة السويس في عين العاصفة
أشار سلامة إلى أن استمرار الحرب في المنطقة قد يؤدي إلى خروج المزيد من الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، وهو ما قد يضع ضغوطاً إضافية على العملة المحلية، فضلًا عن التأثير على تحويلات المصريين العاملين في الخارج، خاصة في دول الخليج التي تعد مصدراً رئيساً لهذه التحويلات، والتي تقدر بنحو 42 مليار دولار سنوياً؛ حيث قد تضطر دول الخليج إلى اتخاذ سياسات اقتصادية أكثر تحفظاً إذا تصاعدت الحرب.
وأشار أيضاً إلى أن تصاعد الصراع قد يؤدي إلى تعطيل حركة التجارة أو إغلاق بعض الممرات البحرية الحيوية مثل قناة السويس، وهو ما قد يؤثر على إيرادات الدولة من العملة الأجنبية.
وفي ختام حديثه، أكد سلامة أن الحروب في التاريخ الحديث نادراً ما تحقق مكاسب اقتصادية حقيقية، بل غالباً ما تؤدي إلى خسائر ضخمة للدول والشعوب، مستشهداً بالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والتي كلفتها ما يقرب من 8 تريليونات دولار، رغم أنّها لم تحقق استقراراً اقتصادياً حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يعاني العديد من المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم القدرة على تحمل نفقات السكن.
اقرأ أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط