لماذا تدعو واشنطن لتأمين مضيق هرمز؟ تداعيات الأزمة على النفط

يتزايد الجدل الدولي حول مستقبل الصراع الدائر في المنطقة، خاصة في ظل التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة تأمين مضيق هرمز عبر  مشاركة الدول المستفيدة من مرور النفط عبره في عملية حمايته، مع استعداد الولايات المتحدة لتقديم الدعم اللازم لذلك.

ويطرح هذا التصريح تساؤلات عديدة حول ما إذا كان يمثل تمهيداً لتشكيل تحالف دولي جديد في مواجهة إيران، خصوصاً أن حماية هذا الممر البحري الحيوي قد تعني في مرحلة ما احتمال الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران.

عزل إيران سياسيًا واقتصاديًا

من جهته، أكد الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة مشاركة الدول المستفيدة من مرور النفط عبر مضيق هرمز في تأمينه تعكس توجهًا سياسيًا يهدف بالأساس إلى زيادة الضغوط الدولية على إيران ومحاولة عزلها سياسيًا واقتصاديًا، أكثر من كونها دعوة فعلية لتشكيل تحالف عسكري واسع ضدها.

وأوضح عناني أنَّ دعوة الولايات المتحدة للدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق للمشاركة في عملية حمايته قد تبدو في ظاهرها خطوة لحماية أمن الطاقة العالمي، لكنها في الواقع تحمل رسائل سياسية واضحة، فهذه الدعوة تهدف إلى دفع الدول الكبرى المستفيدة من إمدادات النفط في المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر في تأمين الممرات البحرية، وفي الوقت نفسه تقليل هامش المناورة السياسية والاقتصادية أمام إيران.

وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أنَّ الدول الأكثر اعتماداً على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز ليست الدول الأوروبية بالدرجة الأولى، بل دول شرق وجنوب شرق آسيا، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب الهند وسنغافورة، وهي اقتصادات تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج، ولذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي سيؤثر بشكل مباشر على اقتصادات تلك الدول وعلى استقرار أسواق الطاقة العالمية.

اقرأ أيضًا: سيناريو غزو جزيرة خرج.. كيف يخطط ترمب لخنق اقتصاد طهران؟

تشكيل تحالف عسكري واسع لحماية المضيق

قال عناني إنَّ الحديث عن تشكيل تحالف عسكري واسع لحماية المضيق قد يواجه صعوبات كبيرة، لأن كثيراً من الدول لا ترى أن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران يمثل خياراً مناسباً في هذه المرحلة، خاصة في ظل المخاوف من توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أو حتى دولية أوسع.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة كانت تاريخياً تضع أمن الممرات البحرية وتأمين طرق التجارة والطاقة ضمن أولوياتها الاستراتيجية، لكن الوضع الحالي يختلف عن المراحل السابقة، فالتوتر في المنطقة لم ينشأ نتيجة تهديد مباشر لحركة النفط في البداية، بل جاء نتيجة التصعيد العسكري الذي أدى لاحقاً إلى تهديد الاستقرار في الخليج والممرات البحرية الحيوية.

وأوضح عناني أن ما يجري اليوم يعكس حالة من التداخل بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية للصراع، حيث أصبحت الطاقة والممرات البحرية أدوات رئيسة في الصراع الدولي على النفوذ.

كما أشار إلى أنَّ بعض التحليلات ترى أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل رؤية أوسع لإدارة التوازنات الدولية المرتبطة بالطاقة والاقتصاد العالمي، وأن سياساتها في هذا الملف لا تقتصر على التعامل مع إيران فقط، بل ترتبط بإعادة ترتيب خريطة النفوذ في أسواق الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، أشار عناني إلى أن تدويل قضية حماية مضيق هرمز قد يكون جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع لتقاسم الأعباء العسكرية والسياسية مع حلفائها، وليس بالضرورة اعترافاً بعدم قدرة الولايات المتحدة على تأمين المضيق بمفردها.

وأضاف أن الأزمة الحالية تحمل أيضًا أبعادًا اقتصادية مهمة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في الخليج قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في موازين الاقتصاد العالمي، فالدول المصدرة للطاقة قد تستفيد من ارتفاع الأسعار، في حين ستواجه الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، خاصة في أوروبا وشرق آسيا، ضغوطاً اقتصادية كبيرة.

اقرأ أيضًا: تكلفة الضربات الأمريكية على إيران تتجاوز 6 مليارات دولار في أسبوع

ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم

أشار عنابي إلى أنَّ أسعار النفط قد تشهد ارتفاعات كبيرة في حال تصاعد التوتر أو تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد ينعكس بدوره على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من الدول.

وفي الوقت ذاته، يرى عناني أن الولايات المتحدة قد لا تكون الأكثر تضرراً اقتصادياً من هذه التطورات، نظراً لأنها أصبحت في السنوات الأخيرة أحد أكبر منتجي النفط في العالم، وهو ما يمنحها قدراً أكبر من القدرة على التكيف مع تقلبات سوق الطاقة مقارنة ببعض الدول الأخرى.

وفيما يتعلق بالأهداف النهائية للحرب، قال عناني إنّ هناك جدلاً واسعاً حول ما تخطط له الولايات المتحدة بالفعل من هذا الصراع، فبينما يرى البعض أن الهدف يتمثل في إضعاف إيران أو تغيير سلوكها السياسي والعسكري، يعتقد آخرون أن الضغوط المتزايدة قد تهدف في النهاية إلى تغيير النظام الإيراني أو فرض واقع سياسي جديد في المنطقة.

كما أشار عنابي إلى أن الاستراتيجية الأمريكية قد تعتمد على استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية لإيران تدريجياً، خاصة من خلال الضغط على قطاعها النفطي الذي يمثل المصدر الرئيس لإيراداتها.

وأضاف أن إيران، في المقابل، لا تزال تمتلك أوراق ضغط مهمة، أبرزها قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز. وحتى مجرد التهديد بإغلاق المضيق قد يؤدي إلى اضطراب كبير في التجارة العالمية، لأن شركات الشحن والتأمين قد تتردد في عبور المنطقة في ظل المخاطر الأمنية المتزايدة.

هل تتضرر إيران من إغلاق مضيق هرمز؟

أوضح عنابي أن أي محاولة فعلية لإغلاق المضيق، سواء من خلال زرع ألغام بحرية أو استهداف السفن، قد تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة لأسابيع أو أشهر، وهو ما قد يرفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة للغاية قد تصل إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل.

ومع ذلك، فقد شدد على أن إيران قد تكون أيضاً من أكثر الأطراف تضرراً في حال إغلاق المضيق لفترة طويلة، لأن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير النفط عبر هذا الممر الحيوي.

واختتم خبير العلاقات الدولية تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الحالي يعكس مرحلة شديدة التعقيد في العلاقات الدولية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والسياسية، في وقت لا يزال فيه مستقبل الصراع في المنطقة مفتوحاً على عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين التصعيد الإقليمي الواسع أو الوصول إلى تسويات سياسية جديدة.

اقرأ أيضًا: هل ينجح الإفراج عن الاحتياطي النفطي في كبح ارتفاع أسعار النفط؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة