لماذا تراجعت أسعار الذهب عالميًا رغم التوترات الجيوسياسية؟

أظهرت بيانات تقرير “اتجاهات الطلب على الذهب”، الصادر عن مجلس الذهب العالمي، تراجع أسعار الذهب خلال الأسبوع الماضي، مسجلًا ثاني خسارة أسبوعية على التوالي، بعدما فقد المعدن جزءًا من المكاسب التي حقّقها في بداية الأسبوع.

وقال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب: “رغم أن موجة التراجع لم تكن بنفس حدة موجة البيع التي شهدتها الأسواق في نهاية يناير، فإنها كانت ملحوظة، خاصة مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع الدولار الأمريكي وصعود عوائد السندات.

ومع ذلك، تمكّن الذهب من الحفاظ على التداول فوق مستويات مرتفعة نسبيًا، في ظل الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وهو ما دفع الدولار الأمريكي وعوائد السندات إلى الصعود.

وأوضح الخبير أنّ ذلك جاء بعد تصريحات المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي التي أشار فيها إلى أن إغلاق مضيق هرمز قد يظل خيارًا استراتيجيًا في مواجهة الخصوم، محذرًا من احتمال فتح جبهات إضافية إذا تصاعد الصراع بما يمس المصالح الوطنية.

وقد انعكست هذه التصريحات سريعًا على الأسواق المالية، حيث ارتفعت أسعار النفط مجددًا، وهو ما عزز الضغوط الصعودية على الدولار وعوائد السندات، وبفعل هذه التطورات وجد الذهب نفسه عالقًا بين قوتين متعارضتين؛ فالتوترات الجيوسياسية توفر دعمًا نسبيًا للمعدن كملاذ آمن، في حين يضغط ارتفاع العوائد وقوة الدولار على معنويات المستثمرين.

النفط يقود حركة الأسواق العالمية

وفقًا للخبير، عاد النفط الخام ليصبح المحرك الرئيس للأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة، مع توقعات باستمرار ارتفاع الأسعار في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وقد أدى الارتفاع الأخير في أسعار النفط إلى تراجع مؤشرات الأسهم العالمية في نهاية الأسبوع، بينما واصل الدولار الأمريكي تحقيق مكاسب إضافية، وهو ما خلق بيئة صعبة للذهب الذي واجه صعوبة في جذب طلب شرائي قوي رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وبين أنّ التقلب الحاد في سوق النفط لا يعد أمرًا مفاجئًا، إذ يحاول المتداولون تحديد السعر العادل للخام في ظل الظروف الحالية، حيث جرى ضخ كميات من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، كما تم تخفيف القيود على بعض الشحنات الروسية الموجودة في البحر بشكل مؤقت بهدف تهدئة المخاوف المرتبطة بالإمدادات.

وجاءت هذه الإجراءات عقب الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والهجمات الانتقامية التي شنتها طهران عبر الخليج، فقد أدت هذه التطورات إلى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي يثير مخاوف فورية بشأن أمن الطاقة العالمي، وهو ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع مع توقف حركة بعض ناقلات النفط.

تراجع أسعار الذهب.. قوة الدولار تحد من مكاسبه

امتدت تداعيات صدمة الطاقة إلى الأسواق المالية، فقد ساهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة المخاوف التضخمية، ما دفع عوائد السندات إلى الارتفاع وعزز قوة الدولار الأمريكي، مع إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات أسعار الفائدة.

وقد تراجعت التوقعات بشأن خفض الفائدة بشكل ملحوظ، ما أدى إلى ضغوط إضافية على العوائد، كما تشير التوقعات إلى أن اجتماعات البنوك المركزية الكبرى خلال الأسبوع المقبل لن تتبنى سياسات تيسيرية بشكل واضح.

وبالنسبة للذهب، تمثل هذه البيئة تحديًا واضحًا، إذ إن ارتفاع العوائد يقلل من جاذبية الأصول غير المدرّة للدخل مثل الذهب والفضة، التي لا توفر عائدًا دوريًا وتتحمل تكاليف التخزين، ومع أنّ الذهب أظهر مرونة ملحوظة خلال الأشهر الماضية رغم ارتفاع العوائد فإن الضغوط أصبحت أكثر وضوحًا خلال الأسبوعين الأخيرين.

ومع ذلك، أسهمت تدفقات الملاذ الآمن في الحد من تراجع الأسعار بشكل حاد، حيث ظل المعدن مدعومًا نسبيًا بالتوترات الجيوسياسية، حتى مع هيمنة العوامل الاقتصادية الكلية على حركة الأسواق في المدى القصير.

مخاوف من ركود تضخمي في الاقتصاد الأمريكي

في الوقت نفسه، أظهرت البيانات الاقتصادية الأمريكية تباطؤًا في وتيرة النمو خلال النصف الثاني من عام 2025، حيث جرى خفض تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع مقارنة بالتقديرات السابقة، فيما استقر مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية، عند مستويات مرتفعة نسبيًا على أساس سنوي.

وتعزز هذه البيانات المخاوف من احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة ركود تضخمي، خاصة في ظل التحذيرات من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى صدمات عرض طويلة الأمد تدفع التضخم للارتفاع وتضغط على وتيرة النمو الاقتصادي.

ووفقًا للتقرير، شهدت أسعار الذهب والفضة موجة تراجع خلال الأسبوعين الماضيين مع اتجاه المستثمرين نحو الاحتفاظ بالسيولة بالدولار الأمريكي في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.

ورغم أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تعزز الطلب على الأصول الآمنة، فإن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران دفعت المستثمرين إلى تفضيل الدولار باعتباره العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، وفي مثل هذه الظروف يميل المستثمرون إلى الأصول الأعلى سيولة، حتى لو جاء ذلك على حساب الذهب في الأجل القصير.

أسبوع حاسم مع اجتماعات البنوك المركزية

تترقب الأسواق خلال الأسبوع المقبل سلسلة من اجتماعات البنوك المركزية العالمية، في مقدمتها قرار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما أنّ البنك الاحتياطي الأسترالي يعقد اجتماعه في بداية الأسبوع، يليه قرار بنك كندا، بينما يجتمع بنك اليابان في اليوم نفسه.

وفي يوم الخميس، تصدر قرارات السياسة النقدية لكل من البنك الوطني السويسري وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، وسط توقعات بإبقاء معظم البنوك المركزية على سياساتها الحالية دون تغييرات كبيرة.

كما تترقب الأسواق صدور عدد من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة، من بينها بيانات الإنتاج الصناعي، ومؤشرات سوق الإسكان، وبيانات التضخم والتوظيف، والتي قد تقدم إشارات إضافية حول مسار الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إنّ هناك  تطورًا آخر قد يساهم في تفسير ضعف أداء الذهب خلال الفترة الأخيرة، يتمثل في تراجع مشتريات البنوك المركزية من المعدن الأصفر.

وأوضحت أن بيانات مجلس الذهب العالمي أظهرت أن صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب خلال شهر يناير بلغ نحو 5 أطنان فقط، مقارنة بمتوسط شهري بلغ نحو 27 طنًا خلال عام 2025.

وأضافت أن هذا التراجع يثير  القلق في الأسواق، إذ إن مشتريات البنوك المركزية كانت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم العوامل الداعمة لأسعار الذهب، وساهمت بشكل كبير في موجة الصعود التي شهدها المعدن النفيس خلال الفترات الماضية.

اقرأ أيضًا: تعطل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات الأسمدة العالمية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة