أعلنت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، تثبيت أسعار الفائدة الأساسية، حيث أبقت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 21%، وسعر الإقراض عند 22%، وسعر العملية الرئيسة عند 21.50%، بالإضافة إلى تثبيت سعر الائتمان والخصم عند 21.50%، ويأتي هذا القرار استنادًا إلى التقييم الدوري للمستجدات الخاصة بالتضخم ومسار توقعاته، سواء على المستويين المحلي أو الدولي.
وفي تعليقه على القرار، قال الخبير المصرفي الدكتور أحمد شوقي إن التثبيت يمثل توجهًا محسوبًا من البنك المركزي في ظل المرحلة الحالية، إذ يعكس رغبة في الحفاظ على استقرار نسبي للأسواق، وعدم تحريك تكلفة الاقتراض قبل التأكد من اتجاهات التضخم خلال الأشهر المقبلة. وأوضح أن قراءة القرار لا يمكن فصلها عن التطورات العالمية، حيث تشير المؤشرات إلى استمرار تعافي النشاط الاقتصادي عالميًا، لكن بوتيرة غير متوازنة، مع استمرار آثار التوترات الجيوسياسية والسياسات التجارية على حركة الأسواق.
وأشار الدكتور شوقي إلى أن هذا المناخ العالمي يفرض على البنوك المركزية اتباع سياسة نقدية حذرة، وهو ما يظهر في تردد أغلب الاقتصادات المتقدمة والناشئة في خفض أسعار الفائدة أو تغيير اتجاهها قبل استقرار مؤشرات التضخم، ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه أسعار النفط مستويات من الاستقرار النسبي، في مقابل تراجع في أسعار بعض السلع الزراعية، بينما تظل مخاطر التضخم قائمة نتيجة احتمال حدوث اضطرابات جديدة في سلاسل التوريد أو ارتفاع تكاليف النقل العالمية.
أسباب تثبيت البنك المركزي المصري سعر الفائدة
على الصعيد المحلي، أشار البنك المركزي في تقديراته الأخيرة إلى تحسُّن طفيف في معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي، والذي ارتفع إلى 5.2% خلال الربع الثالث من عام 2025 مقارنة بنسبة 5.0% في الربع السابق.
ويرى الدكتور شوقي أن هذا الارتفاع، وإن كان محدودًا، يعزز صورة التعافي النسبي في قطاعات محددة مثل الصناعات التحويلية غير البترولية، والتجارة، والسياحة، وهي قطاعات قادرة على دفع النشاط الاقتصادي في ظل استمرار الطلب المحلي وتحسن مؤشرات الأداء في بعض الأسواق.
وفي المقابل، سجّل معدل البطالة ارتفاعًا محدودًا ليصل إلى 6.4% في الربع الثالث مقارنة بنسبة 6.1% خلال الربع الثاني، وهو ما يعتبره الدكتور شوقي انعكاسًا طبيعيًا للتغيرات الهيكلية في سوق العمل، خاصة مع دخول أعداد جديدة من الباحثين عن فرص عمل، وتفاوت قدرة القطاعات المختلفة على استيعاب العمالة.
المعدل السنوي للتضخم العام
فقد سجّل التضخم العام السنوي ارتفاعًا إلى 12.5% خلال أكتوبر 2025 مقارنة بـ 11.7% في سبتمبر، كما ارتفع التضخم الأساسي إلى 12.1% مقابل 11.3% في الفترة ذاتها.
ويرى الدكتور أحمد شوقي أن هذه الزيادة تحمل دلالات مهمة، أبرزها تأثر أسعار السلع غير الغذائية -وخاصة الخدمات- بالعوامل المرتبطة بتكاليف التشغيل، في وقت شهدت فيه أسعار السلع الغذائية بعض التباطؤ النسبي، ويشير هذا إلى تحول نوعي في طبيعة الضغوط التضخمية، من ضغوط قائمة على السلع إلى ضغوط قائمة على الخدمات، وهي عادة أكثر ثباتًا وأبطأ في التراجع.
وتتوقع البيانات الرسمية أن يشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعًا إضافيًا في نهاية الربع الرابع من عام 2025 مدفوعًا بزيادة أسعار الطاقة، على أن يعاود التراجع التدريجي مع دخول النصف الثاني من عام 2026، مقتربًا من مستهدف البنك المركزي الذي يتراوح بين 7% ± 2 نقطة مئوية خلال الربع الأخير من 2026، وفي هذا الإطار أكد الدكتور أحمد شوقي أن هذه التوقعات تعتمد بشكل أساسي على قدرة الدولة على التحكم في تكاليف الإنتاج والأسعار المحلية، إلى جانب تطورات الأسواق العالمية التي قد تسهم بدورها في خفض الضغوط السعرية.
وأكد شوقي إلى أن المشهد لا يخلو من مخاطر، إذ يمكن لأي تصاعد جديد في التوترات الجيوسياسية أو ارتفاع في تكلفة الخدمات أو تغييرات غير محسوبة في السياسات المالية أن يساهم في رفع التضخم عن المسار المتوقع، وهو ما يجعل التريث والانتظار خطوة منطقية، خاصة وأن قيادة دورة التيسير النقدي يجب أن تتم بعد التأكد من اتجاهات التضخم الشهرية بصورة أوضح.
أهمية تثبيت أسعار الفائدة في الوقت الراهن
يرى الدكتور أحمد شوقي أن تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير يدعم بشكل واضح هدف البنك المركزي في احتواء الضغوط التضخمية الحالية، وزيادة استقرار توقعات الأسواق، ويعطي مساحة زمنية لمتابعة أثر القرارات السابقة على مستويات الأسعار والنشاط الاقتصادي، كما أن هذا القرار يشير إلى أن البنك المركزي لا يعتزم اتخاذ خطوات استباقية قد تؤثر سلبًا على استقرار العملة أو على جاذبية أدوات الدين الحكومية.
وأعرب شوقي عن أن لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري ستواصل تقييم البيانات الاقتصادية في كل اجتماع بناء على آخر المستجدات، وأنها لن تتردد في تعديل أسعار الفائدة سواء برفعها أو بخفضها إذا استدعت الظروف ذلك، بهدف تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النشاط الاقتصادي، مع الإبقاء على الهدف الرئيس وهو خفض التضخم إلى المستويات المخططة خلال عام 2026.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا أكبر على متابعة الاتجاهات الشهرية للتضخم، وتطورات أسواق الطاقة، والقدرة الإنتاجية للقطاعات المختلفة داخل الاقتصاد المصري، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرًا على قرارات السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن التحكم في التضخم سيظل المؤشر الحاسم في أي قرار يتعلق بسعر الفائدة خلال العامين
اقرأ أيضًا: تراجع سيادة القانون يربك مستقبل الاقتصاد الأمريكي