أعلن البنك المركزي المصري توقيع مذكرة تفاهم مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي “أفريكسيم بنك”، لإنشاء بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة الأفريقية، على أن يكون مقره في مصر، في مبادرة تعتبر من أبرز التحركات المالية القارية خلال السنوات الأخيرة، لما تحمله من دلالات تتعلق بإعادة هيكلة صناعة الذهب وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية داخل أفريقيا.
وأوضح البنك المركزي المصري أن هذه المبادرة الاستراتيجية تستهدف، في المقام الأول، تعزيز احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الاعتماد المزمن على مراكز التكرير والتداول الواقعة خارج القارة، والتي ظلت لعقود تستحوذ على الجزء الأكبر من القيمة المضافة المرتبطة بالذهب الأفريقي، كما تهدف المبادرة إلى إضفاء الطابع الرسمي والمؤسسي على منظومة صناعة الذهب وتداوله، بما يسهم في بناء سلاسل قيمة متكاملة داخل القارة، ويحقق عوائد اقتصادية أكثر استدامة للدول الأفريقية.
تفاصيل إنشاء بنك الذهب الإفريقي في مصر
بموجب مذكرة التفاهم، سيبدأ الطرفان في إعداد دراسة جدوى شاملة تتناول جميع الجوانب الفنية والتجارية والتنظيمية الخاصة بإنشاء بنك الذهب، على أن يقام داخل إحدى المناطق الحرة المخصّصة في مصر، وتشمل المنظومة المقترحة إنشاء مصفاة ذهب معتمدة دوليًا، ومرافق آمنة ومؤمنة لتخزين الذهب، إلى جانب تقديم خدمات مالية متخصصة، وأدوات تداول متقدمة مرتبطة بالمعدن النفيس، بما يحول البنك إلى منصة متكاملة لإدارة الذهب من المنبع إلى السوق.
ولا يقتصر الطموح المرتبط بالمبادرة على السوق المصرية، بل يمتد ليشمل القارة الأفريقية بأكملها، حيث تستهدف الخطة إشراك الحكومات والبنوك المركزية وشركات التعدين والمؤسسات المالية المعنية بصناعة الذهب، بما يعزز التعاون المؤسسي، ويساهم في توحيد المعايير والممارسات، ويسهل التجارة المستدامة للذهب والخدمات المرتبطة به داخل القارة، في إطار أكثر شفافية وتنظيمًا.
وفي هذا السياق، أكد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، أن هذه المبادرة تمثل نواة لتعاون أوسع على مستوى القارة الأفريقية، بمشاركة مختلف الأطراف الفاعلة في أسواق الذهب، من حكومات وبنوك مركزية ومؤسسات مالية، مشددًا على أن المشروع يعكس التزام مصر بدورها القيادي في دعم التكامل الاقتصادي الأفريقي، وتعزيز قدرة القارة على إدارة مواردها الاستراتيجية بكفاءة أكبر.
وأشار محافظ البنك المركزي إلى أن اختيار مصر مقرًا لهذا المشروع القاري، بعد استكمال الدراسات والموافقات اللازمة، يعكس الثقة الكبيرة التي توليها المؤسسات الأفريقية لقدرة الدولة المصرية على استضافة مشروعات كبرى ذات طابع إقليمي، فضلًا عن موقعها الجغرافي المتميز الذي يربط أفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا، وهو ما يعزز فرص تحولها إلى مركز إقليمي لتجارة الذهب والخدمات المالية المرتبطة به.
اقرأ أيضًا: أسعار الذهب قد تخترق حاجز 5000 دولار في 2026
هل يحمي البنك ذهب إفريقيا من التسرب خارج القارة؟
من جانبه، أوضح جورج إيلومبي، رئيس بنك التصدير والاستيراد الأفريقي، أن مذكرة التفاهم، رغم بساطتها الشكلية، تحمل في مضمونها انعكاسات اقتصادية عميقة على مستقبل القارة. وأكد أن المبادرة تعلن بوضوح أن ذهب أفريقيا يجب أن يخدم شعوبها، لا أن تستمر القيمة المضافة في التسرب إلى خارج القارة عبر حلقات التكرير والتسعير والتخزين الدولية.
وأضاف إيلومبي أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أفريكسيم بنك لاستغلال الموارد الطبيعية الأفريقية بطريقة أكثر عدالة وكفاءة، بما يعود بالنفع المباشر على مواطني القارة، مشيرًا إلى أن إنشاء بنك أفريقي للذهب يمكن أن يحقق تحولًا جذريًا في أساليب استخراج الذهب وتكريره وإدارته وتقييمه وتخزينه وتداوله، مع هدف أساسي يتمثل في الحفاظ على القيمة الاقتصادية للذهب داخل أفريقيا.
وأوضح أن بناء مخزون ذهبي فعّال، على غرار ما قامت به اقتصادات كبرى أخرى، من شأنه دعم قدرة القارة على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، وتقليل هشاشتها أمام التقلبات الاقتصادية العالمية، فضلًا عن تعزيز استقرار العملات الأفريقية وقابليتها للتحويل، وخلق ثروة حقيقية داخل القارة، تدعم مسارات التنمية المستدامة.
وفي الإطار ذاته، يرى الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن إنشاء بنك متخصص للذهب في مصر يمثل خطوة بالغة الأهمية، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، معتبرًا أن هذه المبادرة يمكن أن تحقق تحولًا نوعيًا في كيفية إدارة الثروات المعدنية، وتعظيم الاستفادة منها بما يخدم الاقتصاد القومي على المديين المتوسط والطويل.
وأوضح سلامة أن دور بنك الذهب لا يقتصر على حفظ وتداول المعدن النفيس، بل يتجاوز ذلك ليكون أداة مالية ذكية قادرة على استيعاب جزء كبير من المدخرات غير الرسمية، لافتًا إلى أن شريحة واسعة من المواطنين تفضل الاحتفاظ بمدخراتها في صورة ذهب، باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي، وأكد أن إدخال هذه المدخرات ضمن إطار مصرفي منظم من شأنه دمجها في الدورة الاقتصادية الرسمية، بدلًا من بقائها خارج المنظومة المصرفية.
أبرز المكاسب المتوقعة لإنشاء بنك للذهب
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن من أبرز المكاسب المتوقعة لإنشاء بنك للذهب تقليل الضغط على الدولار، من خلال الحد من الاعتماد عليه كأداة ادخار واستثمار، وهو ما ينعكس إيجابيًا على سوق النقد الأجنبي. كما أن تجميع الذهب محليًا وإدارته بصورة مؤسسية ومنظمة يسهم في دعم الاحتياطي الاستراتيجي للدولة، سواء بشكل مباشر عبر الاحتفاظ بالذهب، أو بشكل غير مباشر من خلال تعزيز الثقة في الاقتصاد.
وأضاف أن بنك الذهب يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في طرح أدوات استثمارية جديدة، مثل شهادات ادخار مغطاة بالذهب، بما يوفر بدائل آمنة للمواطنين، ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة السيولة، دون اللجوء إلى حلول تقليدية مرتفعة التكلفة.
وفيما يتعلق بالاستقرار المالي، يرى سلامة أن وجود بنك متخصص للذهب يعزز من متانة النظام المالي، ويرسل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب بشأن تنوع أدوات السياسة النقدية والمالية في مصر. كما يمكن أن يفتح المجال أمام تنمية صناعات مرتبطة بالذهب، مثل التصنيع والتكرير والتصدير، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وقد شدد الخبير الاقتصادي على أن نجاح تجربة بنك الذهب يتطلب توافر إطار تشريعي ورقابي محكم، يضمن الشفافية وحسن الإدارة، مع ضرورة التنسيق الكامل بين البنك المركزي وكافة الجهات المعنية، بما يكفل تحقيق أهداف المشروع دون الإضرار بسوق الذهب أو التأثير سلبًا على مدخرات الأفراد.
منصة موحدة لتسعير وتداول الذهب
من جهته، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن إعلان مصر إنشاء أول بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة الأفريقية يمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في خريطة صناعة وتجارة الذهب عالميًا، وليس مجرد إضافة مصرفية جديدة، وهو يرى أن هذه الخطوة تُعيد رسم موازين النفوذ داخل سوق الذهب الأفريقي والدولي، وتمنح القارة فرصة تاريخية لاستعادة السيطرة على أحد أهم مواردها الاستراتيجية.
وأوضح عبد الهادي أن الشراكة مع أفريكسيم بنك تعكس رؤية واضحة تستهدف بناء منظومة أفريقية متكاملة لإدارة الذهب، تبدأ من الاستخراج مرورًا بالتكرير والتسعير والتخزين، وصولًا إلى التداول، بدلًا من استمرار الاعتماد على مراكز خارج القارة كانت تستحوذ على الجزء الأكبر من القيمة المضافة.
وفي هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن جوهر فكرة بنك الذهب يتمثل في تمكين أفريقيا من السيطرة على ثروتها الذهبية، موضحًا أن تصدير الذهب الأفريقي في صورته الخام أو شبه الخام لسنوات طويلة حرم القارة من عوائد اقتصادية ضخمة، وأبقى تسعير الذهب وإدارته خارج الإطار الأفريقي، وهو ما تهدف المبادرة الجديدة إلى تغييره جذريًا.
وأضاف أن بنك الذهب لن يعمل كبنك تقليدي، بل كمنظومة متكاملة تضم مصفاة معتمدة دوليًا، ومرافق آمنة لتخزين الذهب، إلى جانب تقديم خدمات مالية وأدوات تداول متطورة، بما يسمح بأن تتم عمليات التصفية والتسعير والتداول من داخل القارة الأفريقية نفسها.
قد يهمّك أيضًا: خفض الدين العام في مصر.. ما هي خطة الحكومة وما فرص نجاحها؟
دلالة اختيار مصر
أكد عبد الهادي أنَّ اختيار مصر مقرًا لهذا المشروع القاري يعكس امتلاكها المقومات اللازمة للقيام بدور المركز الإقليمي لتجارة الذهب في أفريقيا، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو البنية التحتية المصرفية أو الخبرة التنظيمية، مشيرًا إلى أن إقامة بنك الذهب داخل منطقة حرة يمنح المشروع مرونة كبيرة في حركة التجارة والاستثمار، ويشجع شركات التعدين والبنوك والمؤسسات المالية الأفريقية على الانضمام إلى المنظومة الجديدة.
واختتم عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن إنشاء بنك الذهب الأفريقي يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة إدارة الموارد الطبيعية داخل القارة، ويؤسس لمرحلة جديدة يتم فيها تحويل الذهب من مجرد مورد خام إلى أداة تنموية حقيقية، بما يعزز مكانة مصر كقوة اقتصادية محورية، وقاطرة للتكامل المالي والتجاري في أفريقيا.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة