منصة عائمة للغاز الطبيعي المسال لوقف أزمة الكهرباء في العراق
في إطار سعيها لتعزيز قدراتها في مجال الطاقة الكهربائية وتنويع مصادر الوقود، أعلنت بغداد عبر وزارة النفط عن بدء مفاوضات رسمية مع شركات عالمية متخصصة لإنشاء منصة عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بهدف حل أزمة الكهرباء في العراق.
المشروع الجديد الذي وُصف بالاستراتيجي، يهدف إلى تلبية الاحتياجات المتزايدة لتشغيل محطات الكهرباء وضمان استقرار الشبكة الوطنية التي تعاني عجزاً كبيراً بين الإنتاج والاستهلاك.
عروض الشركات وتأهيل المرشحين
أوضحت وزارة النفط في بيان رسمي أن هذا التوجه يأتي تنفيذاً لتوجيهات مباشرة من رئيس مجلس الوزراء، وبسبب الحاجة الملحة لتأمين الكهرباء، لافتة إلى أن تنويع مصادر استيراد الغاز أصبح خياراً لا بد منه لدعم محطات الإنتاج وضمان استمرار عملها.
وكشفت الوزارة أنها وجهت الدعوة إلى ست شركات عالمية كبرى لتقديم عروضها الفنية والتجارية الخاصة بالمشروع، وبعد تقييم دقيقة تأهلت شركتان فقط من الناحية الفنية والتجارية، حيث قدمتا عروضاً مفصلة خلال الأيام الماضية، ومن المقرر أن تحسم المنافسة في الاجتماع المقبل للجنة الخاصة بالأمر الديواني، لتحديد الفائز بالمشروع الذي سيحدد مستقبل سوق الغاز العراقي خلال العقد المقبل.
مشاريع البنية التحتية الوطنية
بالتوازي مع هذه المفاوضات، أعلنت الوزارة أن شركاتها الوطنية، ممثلة بشركة غاز الجنوب وشركة المشاريع النفطية، أنجزت عدة مشروعات بنية تحتية حيوية:
- أنبوب ناقل من خور الزبير إلى ناظم شط العرب بطول 40 كيلومتراً وقطر 42 عقدة، جاهز لاستقبال الغاز.
- أنبوب من المحمودية إلى محطة كهرباء بسماية بطول 45 كيلومتراً وقطر مماثل، تم إنجازه في فترة قياسية لنقل الغاز المستورد وتشغيل المحطة.
هذه المشاريع تؤكد جدية الحكومة في مواجهة أزمات الكهرباء المتكررة، وتوفير البنية التحتية اللازمة لدعم تشغيل المحطات.
اقرأ أيضًا: العراق يراهن على النفط لتحقيق إيرادات قياسية في خطته الخمسية
بدائل الغاز بعد توقف الإمدادات الإيرانية
تُخطط العراق لإيجاد بدائل عاجلة بعد توقف استيراد الغاز من إيران بفعل ضغوط أمريكية، ومع أنَّ الغاز الإيراني كان يمثل المصدر الرئيسي لتشغيل عدد كبير من المحطات الكهربائية، فإن التوقف المفاجئ دفع بغداد للبحث عن منافذ بديلة.
ووفقًا لما أعلنت عنه وزارة النفط، فإنَّ الأنظار تتجه الآن نحو تركمانستان كمصدر محتمل لتوريد ما يقارب 20 مليون متر مكعب يومياً، غير أن المفاوضات تواجه عقبات مالية وفنية معقدة تتعلق بآليات النقل وضمان وصول الكميات بانتظام.
وتعول الحكومة العراقية على مشروعات كبرى لتنمية قطاع الطاقة، أبرزها استثمارات شركة “توتال إنرجي” الفرنسية في جنوب العراق، والتي من المتوقع أن تنتهي بحلول عام 2028.
هذه المشروعات، التي توصف بالعملاقة، ستوفر للبلاد القدرة على تشغيل المحطات بالغاز المحلي بدلاً من الاعتماد على الاستيراد، بما يفتح الباب أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي ويقلل الكلفة الباهظة التي تتحملها الخزينة جراء الاستيراد المستمر.
وبحسب الأرقام الرسمية، ينتج العراق حالياً نحو 28 ألف ميغاواط من الكهرباء، في حين يتجاوز الاستهلاك الفعلي 50 ألف ميغاواط، ما يعني وجود فجوة تتجاوز 20 ألف ميجاواط، الأمر الذي يمثل تحدياً كبيراً للحكومة التي تجد نفسها مضطرة لإيجاد حلول عاجلة لتغطية العجز، سواء عبر الاستيراد المؤقت أو عبر الإسراع في استكمال المشاريع الاستراتيجية.
اقرأ أيضًا: تفاصيل المفاوضات الجديدة بين تركيا والعراق بعد إلغاء اتفاقية النفط 1973
أسباب أزمة الكهرباء واستراتيجية المنصة العائمة
اعتبر الدكتور علي بن عبدالله، خبير أسواق النفط، أن خطوة العراق للتفاوض بشأن المنصة العائمة تعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسات الطاقة، موضحًا أن: “العراق يواجه ضغوطاً متزايدة في ملف الكهرباء، وتوقف الغاز الإيراني أبرز هذه الضغوط، لذلك فإن المنصة العائمة تمثل خيارًا عمليًا يمنح بغداد مرونة في الاستيراد من عدة أسواق دولية بدل الاعتماد على مصدر واحد”.
وأضاف أنَّ الدعوة الموجهة لست شركات عالمية وانتهاء المنافسة بتأهل شركتين فقط “يعكس دقة المعايير الموضوعة، وأن القرار النهائي سيحدد شكل سوق الغاز في العراق خلال السنوات العشر القادمة”.
كما أوضح أنَّ العراق يعيش أزمة هيكلية في قطاع الطاقة، حيث إنّه يواجه عجزاً يقارب نصف احتياجاته من الكهرباء، وهذه الفجوة لن تسد إلا عبر ضمان إمدادات غاز مستقرة، سواء عبر الاستيراد في الأمد القصير أو عبر استكمال المشاريع الكبرى مثل مشروع توتال إنرجي الذي سيشكل ركيزة أساسية للاكتفاء الذاتي بحلول 2028.
وفي السياق ذاته، أشار الخبير إلى أنَّ المفاوضات مع تركمانستان، رغم أهميتها، ما زالت محاطة بعقبات، وهو ما يجعل المنصة العائمة خياراً أكثر أماناً لأنه يتيح للعراق استيراد الغاز من أي سوق عالمية وفقاً للأسعار والتوافر، إذ إنّ “المرونة في اختيار الموردين عنصر أساسي لأمن الطاقة”.
المشاريع الموازية لوزارة النفط
أشار الخبير إلى أنَّ المشاريع الموازية التي نفذتها وزارة النفط، مثل أنابيب خور الزبير –شط العرب والمحمودية– بسماية، تُعد بنية تحتية حيوية لاستيعاب الغاز المستورد، وأوضح أن إنجاز هذه المشاريع في فترة قياسية يظهر جدية الحكومة في تجاوز أزمات الكهرباء المتكررة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن العراق ما زال يعتمد بشكل أساسي على الخارج في تلبية احتياجاته.
وفي هذا السياق حذر الخبير النفطي من أن استمرار الاعتماد على الاستيراد دون تطوير جدي للحقول الغازية المحلية سيُبقي العراق في دائرة التبعية الطاقية لسنوات أخرى، وأضاف أن الرهان الحقيقي يكمن في استثمار الغاز المصاحب لإنتاج النفط، الذي يهدر جزء كبير منه عبر الحرق حتى اليوم، موضحاً أن استغلال هذا الغاز يمكن أن يحول العراق من مستورد إلى مصدر للغاز خلال عقد واحد فقط.
وختم الريامي تصريحاته بالتأكيد على أن العراق يقف عند مفترق طرق؛ فإما أن يستغل هذه المشاريع كجسر نحو الاكتفاء الذاتي بحلول نهاية العقد، أو يظل عالقاً في حلقة مفرغة من الاستيراد وسد العجز الطاقي بشكل مؤقت. كما لفت إلى أنَّ نجاح مشروع المنصة العائمة سيكون خطوة أولى مهمة، لكنه لن يكون الحل النهائي ما لم يقترن باستراتيجية شاملة لاستثمار الغاز المحلي وتعظيم الشراكات الدولية.
قد يهمّك أيضًا: صناعة الدواء في العراق تنهض من جديد