تقرير: باسل محمود
في تطور يعكس التحولات الكبرى في الاقتصاد الصيني، أصبح تشانغ يي مينغ، مؤسس شركة “بايت دانس”، أغنى شخص في الصين بثروة تقدر بنحو 49.3 مليار دولار، وفقًا لتقرير “هورون” السنوي.
يعد صعود تشانغ دلالة على الانتقال المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي، ويشير إلى التحولات التي يمر بها مجتمع الأعمال الصيني الذي يتأرجح بين نجاحات التكنولوجيا الرقمية وتحديات قطاعي العقارات والطاقة المتجددة.
رحلة تأسيس بايت دانس
عند تأسيس “بايت دانس” في عام 2012، كان طموح تشانغ يرتكز على الابتكار؛ فقد أطلق الشركة بهدف استخدام التكنولوجيا لتحليل المحتوى وتقديمه للمستخدمين بما يتناسب مع تفضيلاتهم.
وبينما كانت الشركة في بداياتها، واجه تشانغ تحديات عديدة، بدءًا من التمويل إلى المنافسة الشديدة في السوق، إلا أنّ الفريق الناشئ تمكن من تحقيق قفزة نوعية مع إطلاق تطبيق “تيك توك“، الذي سرعان ما اكتسب شهرة عالمية وأصبح منصة لا غنى عنها للملايين حول العالم، مسهمًا في نمو عائدات الشركة بنسب مذهلة.
“تيك توك” والأثر على “بايت دانس”
شكلت الإيرادات العالمية من تطبيق “تيك توك” العمود الفقري للثروة الشخصية لتشانغ، حيث حققت الشركة نموًا بنسبة 30% لتصل إلى 110 مليارات دولار العام الماضي.
ومع أن تشانغ تنحى عن منصب الرئيس التنفيذي في عام 2021، إلا أن تأثيره على مسار الشركة ظل قويًا، مما ساعد على تعزيز مكاسبه المالية في ظل تزايد الإقبال على المحتوى الرقمي.
التحولات في قائمة الأثرياء الصينيين
شهدت قائمة الأثرياء الصينية تغييرات كبيرة هذا العام، حيث جاء تشانغ يي مينغ في المركز الأول، متفوقًا على تشونغ شانشان، إمبراطور المياه المعبأة، الذي انخفضت ثروته بنسبة 24% لتصل إلى 47.9 مليار دولار.
كما انخفض عدد المليارديرات في القائمة بشكل ملحوظ، حيث تراجع العدد بمقدار 142 مليارديرًا ليصل إلى 753، وهو ما يعكس تداعيات الظروف الاقتصادية الحالية في الصين، وأبرزها الانكماش في القطاع العقاري والتحديات التي تواجه الطاقة المتجددة.
تحديات القطاع العقاري
تأثرت ثروات رواد القطاع العقاري بشكل ملحوظ، حيث شهد هذا القطاع موجة من الأزمات بسبب السياسات الحكومية المقيدة التي تستهدف الحد من المديونية العالية وضبط الأسعار، مما أدى إلى انخفاض أسعار العقارات في عدة مدن كبرى، وأثر سلبًا على ثروات كبار المستثمرين في هذا المجال.
قد يهمك أيضًا: كيف يؤثر تباطؤ الاقتصاد الصيني على العالم؟
تحديات الطاقة المتجددة
كانت شركات الطاقة المتجددة في الصين، لا سيما الشركات المصنعة للألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم، من بين الأكثر تأثرًا بانخفاض الطلب واشتداد المنافسة. وبحسب تقرير “هورون”، فقد تراجعت ثروات مؤسسي شركات الطاقة المتجددة بما يصل إلى 80% مقارنة بذروة 2021.
على الرغم من أنّ السياسات الحكومية ساعدت على دعم هذه القطاعات في السابق، إلا أن فائض العرض وزيادة المنافسة العالمية، وخاصةً مع التهديدات بفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية، أدى إلى انخفاض حاد في قيم شركات الطاقة المتجددة.
صعود شاومي
رغم التحديات الاقتصادية، شهد قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية في الصين انتعاشًا ملحوظًا، حيث تمكنت شركات مثل “شاومي” من تحقيق نمو في الإيرادات وزيادة القيمة السوقية، وازدادت ثروة لي جون، مؤسس “شاومي” بمقدار خمسة مليارات دولار هذا العام، فأصبح واحدًا من أبرز الرابحين في القائمة.
ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنّ الابتكارات التكنولوجية وزيادة الطلب العالمي على الأجهزة الإلكترونية الذكية لعبت دورًا في تعزيز نجاح “شاومي” وغيرها من شركات الإلكترونيات الصينية.
اقرأ أيضا: الصين وأزمة الطاقة الإنتاجية.. هل يتجه الوضع نحو الأسوأ؟
الوضع الاقتصادي
وصف رئيس مجموعة “هورون”، روبرت هووجيويرف، العام الماضي بالصعب بالنسبة للاقتصاد والأسواق المالية الصينية، مشيرًا إلى أن التحديات كانت أكبر في قطاعات مثل العقارات والطاقة المتجددة.
كما أوضح هووجيويرف أنه على الرغم من تحقيق القطاع التكنولوجي لبعض النجاحات، إلا أنّه ما يزال يعاني من تقلبات كبيرة، خاصةً في ظل القيود التنظيمية التي تفرضها الحكومة الصينية والتي تؤثر على عمالقة التكنولوجيا.
آفاق الثروات المستقبلية في الصين
يبدو أن مستقبل الثروات في الصين سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الاقتصاد الصيني على مواجهة التحديات الحالية والتكيف مع المتغيرات العالمية، حيث يُتوقع أن تستمر الحكومة في دعم قطاع التكنولوجيا والابتكار، مع مراقبة مستمرة لتنظيم الأسواق وضمان استقرارها.
ومن المرجح أن تظل الشركات التي تعتمد على الاقتصاد الرقمي والابتكارات التكنولوجية، مثل “بايت دانس” و”شاومي”، من أبرز اللاعبين في قائمة الأثرياء، في حين قد يواجه قطاع العقارات والمشاريع التقليدية مزيدًا من الصعوبات.
تحول جذري في الثروات
يرمز صعود تشانغ يي مينغ إلى قمة الأثرياء، إلى التحول الجذري الذي يشهده الاقتصاد الصيني، حيث تكتسب شركات التكنولوجيا مكانة متزايدة على حساب القطاعات التقليدية مثل العقارات.
ومع التحولات الكبيرة في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الصين تتوجه نحو اقتصاد قائم على الابتكار الرقمي، مدفوعًا بنجاحات مثل “تيك توك”، لهذا فإنّ من المتوقع أن تستمر ثروات المبتكرين في النمو، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لاقتصاد قوي يعتمد على التكنولوجيا والابتكار.