شهد الاقتصاد المصري خلال شهر نوفمبر تحولًا مهمًا في أداء مؤشر مديري المشتريات، بعدما سجل المؤشر أعلى مستوى له منذ أكتوبر 2020، أي منذ نحو خمس سنوات، وهو ما يعكس انتقال القطاع الخاص غير النفطي من مرحلة الانكماش المطوّل إلى منطقة التوسع الحقيقي.
ويكتسب هذا الارتفاع دلالة خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي مرّت بها مصر خلال السنوات الأخيرة، ليأتي تقرير S&P Global معلنًا ارتفاع المؤشر إلى 51.1 نقطة مقارنة بـ 49.2 نقطة في أكتوبر، في إشارة واضحة إلى تحسن ملموس في بيئة الأعمال.
وكما هو معروف، فإن مستوى الـ50 نقطة يمثل الحد الفاصل بين الانكماش والتوسع، وتجاوزه يُعد مؤشرًا مباشرًا على تحسن نشاط القطاع الخاص وتطور ظروف التشغيل والإنتاج.
عوامل ساعدت على تحسن مؤشر مديري المشتريات
وفقًا للتقرير، فإنّ التحسن في مؤشر مديري المشتريات يُمثل أول قراءة إيجابية للقطاعات غير المنتجة للنفط منذ فبراير الماضي، ما يعزز أهمية الارتفاع الحالي في سياق تقييم اتجاهات الاقتصاد المصري. ويعود هذا الأداء الإيجابي إلى عدة عوامل؛ أبرزها الزيادة الواضحة في النشاط والمبيعات، حيث رصد التقرير نموًا ملحوظًا في حجم الأعمال الجديدة، إضافة إلى تحسن نسبي في الطلب سواء داخل السوق المحلية أو عبر عمليات التصدير.
وأوضح التقرير أن تسجيل المؤشر مستوى 51.1 نقطة يرتبط تاريخيًا بمعدلات نمو قد تتجاوز 5% في الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي، حسب نماذج الارتباط التي تعتمدها مؤسسة S&P Global في تحليلها لأداء المؤشر وصلته بالنمو الاقتصادي الفعلي.
ورغم أنّ توقُّعات الشركات بشأن النشاط المستقبلي ظلت إيجابية خلال نوفمبر، فإنَّ مستوى التفاؤل تراجع مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر على وجود قدر من الحذر في تقييم مستقبل النشاط الاقتصادي.
لكنَّ هذا الحذر لا ينفي استمرار وجود ثقة عامة لدى مجتمع الأعمال بشأن قدرة السوق على الحفاظ على وتيرة التحسن، وأشارت بعض الشركات المشاركة في مؤشر مديري المشتريات إلى أن ارتفاع مستويات الطلب خلال الفترة الأخيرة كان من أبرز العوامل التي عززت الثقة في الأشهر المقبلة، سواء على مستوى الإنتاج المتوقع أو المبيعات المرجحة.
تحولات جذرية في المزاج الاقتصادي العام
في سياق قراءة المؤشر وأبعاده، أكَّد الدكتور وليد عادل، الخبير الاقتصادي والمصرفي، أن هذه القراءة الجديدة تمثل تحولًا جوهريًا في أداء القطاع الخاص غير النفطي، خاصة أن انتقال المؤشر إلى 51.1 نقطة يعكس دخول القطاع مرحلة التوسع بعد فترة طويلة من الانكماش. وأضاف أن هذه القراءة، التي تُعد الأعلى منذ أكتوبر 2020، تأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري حالة إعادة توازن ملحوظة، خصوصًا مع بدء تعافي الطلب المحلي وظهور مؤشرات تحسن على صعيد الطلب الخارجي.
وأوضح وليد عادل أن تجاوز مستوى الخمسين نقطة لا يمثل فقط تطورًا رقميًا، بل يعكس تغيّرًا فعليًا في المزاج الاقتصادي العام، يشير إلى أن قطاعًا واسعًا من الشركات بات يعمل بوتيرة أفضل من الشهر السابق، وأن التحسن الحالي ليس مجرد انتعاش عابر، بل يعبر عن مؤشرات واقعية ترتبط بتحسن الطلب وتراجع الضغوط على تكاليف الإنتاج.
وأشار عادل إلى أن البيانات الحالية قد تفتح المجال أمام توقعات أكثر تفاؤلاً بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأخير من العام، حيث ترتبط القراءات التي تتجاوز مستوى الـ50 نقطة عادة بتحقيق معدلات نمو تفوق 5%، وبناء على ذلك، قد يكون الربع الرابع من 2025 من أفضل الفترات أداءً خلال السنوات الأخيرة إذا استمرت الاتجاهات الحالية على نفس الوتيرة.
القطاعات الاقتصادية الثلاثة الأكثر تأثرًا بمؤشر مديري المشتريات
ولفت إلى أن القطاعات الاقتصادية الثلاثة الأكثر تأثرًا بالمؤشر -وهي الصناعة والخدمات والإنشاءات- شهدت جميعها تحسنًا واضحًا، سواء على صعيد الإنتاج أو الطلبيات الجديدة، وهو ما يعكس تحسنًا شاملًا في النشاط الاقتصادي، بينما ظل قطاع التجارة بنوعيه، الجملة والتجزئة، أكثر عرضة للضغوط نتيجة حذر المستهلكين وتراجع القوة الشرائية.
ويعتبر الخبير أن هذا الاختلاف بين القطاعات أمر طبيعي في دورة التعافي الاقتصادي، إذ تستجيب قطاعات الإنتاج والخدمات للمؤشرات الإيجابية قبل أن تنتقل آثار التحسن إلى حركة البيع بالتجزئة، التي ترتبط مباشرة بمدى تحسن دخول المواطنين وثقتهم في الأوضاع الاقتصادية المستقبلية.
اقرأ أيضًا: التمويل الاستهلاكي في مصر ومخاوف فقاعة الديون
زيادة مرتقبة في الإنتاج
أوضح الخبير أن المؤشرات الفرعية لمؤشر مديري المشتريات تعزز من قوة القراءة الأساسية، حيث سجلت الطلبيات الجديدة نموًا واضحًا يشير إلى زيادة مرتقبة في الإنتاج خلال الفترة المقبلة، لكن الشركات حافظت على مستويات التوظيف الحالية دون زيادة، مفضلة التريث إلى حين التأكد من استدامة النمو.
كما شهدت وتيرة ارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج تراجعًا ملحوظًا لتصل إلى أدنى مستوياتها خلال ثمانية أشهر، وهو ما يعكس تحسنًا في تكلفة الواردات بعد استقرار سعر الجنيه، الأمر الذي يدعم قدرة الشركات على التخطيط والإنتاج، ويقلل في الوقت نفسه من الضغوط التضخمية على المستهلكين.
تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي
أكد الدكتور وليد عادل أن هذا التحسن يمتد ليشمل الاقتصاد الكلي، حيث يفتح المجال أمام تحقيق نمو أقوى خلال الربع الرابع، ويخفف ضغوط تكاليف الإنتاج، ويمهّد الطريق أمام البنك المركزي لإعادة تقييم سياسته النقدية التشديدية في حال استمرار هذا الاتجاه.
وأضاف أن التحسن في المؤشر يعزز ثقة المستثمرين في السوق المصرية، ويشجع الشركات على استئناف خطط التوسع المؤجلة، وهو ما ينعكس تدريجيًا على سوق العمل، الذي يستجيب عادة ببطء في المراحل الأولى من دورة التعافي.
وأشار إلى أن كل قطاع اقتصادي سيستفيد بدرجة مختلفة من التحسن المسجل، فالقطاع الصناعي سيشهد زيادة في تشغيل خطوط الإنتاج وارتفاع الطلب على مواد البناء والبلاستيك وقطع الغيار وغيرها من المدخلات. أما القطاع الخدمي -بما يشمل الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاستشارات- فسيسجل نشاطًا أعلى نتيجة زيادة حجم الأعمال والإنتاج.
وفي قطاع الإنشاءات، ستدعم عودة العقود وتنشيط المشروعات حركة المقاولات، وإن ظل عنصر التمويل عاملًا مؤثرًا في وتيرة التنفيذ، وفي المقابل سيبقى القطاع التجاري رهينة لتحسن القوة الشرائية وثقة المستهلكين، ما يعني أن تعافيه سيكون تدريجيًا، لكنه قد يكون سريعًا إذا ما تحسن الدخل الحقيقي للمواطن.
اقرأ أيضًا: هل يقود إعفاء السلع المصرية من الجمارك طفرة في الصادرات إلى الصين؟
انعكاسات التحسن على السياسات الاقتصادية
تحدث عادل كذلك عن انعكاسات التحسن على السياسات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن تراجع الضغوط على تكاليف الإنتاج قد يدفع البنك المركزي إلى تخفيف نبرة التشديد النقدي مستقبلًا، وإن كان ذلك سيحدث بمحاذير دقيقة، كما أن زيادة الاحتياجات التمويلية للشركات في ظل ارتفاع الإنتاج ستنعش نشاط الائتمان في القطاع المصرفي خلال الفترة المقبلة.
وأكد أنَّ التحسن في أداء القطاع الصناعي يعطي الدولة فرصة لتعزيز سياسات التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات في مدخلات الإنتاج، بما يقوي القاعدة الإنتاجية ويرفع القدرة التنافسية.
واختتم الدكتور وليد عادل مؤكداً أن قراءة 51.1 نقطة تمثل “إشارة قوية على دخول القطاع الخاص المصري مرحلة توسع حقيقية بعد شهور طويلة من الضغوط”، مشددًا على أن هذا التحسن يجب النظر إليه كبداية لمسار جديد يتطلب استمرار دعم بيئة الأعمال، وتوسيع الطاقة الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وترسيخ ثقة الشركات والمستهلكين، حتى يتجه الاقتصاد المصري نحو دورة نمو أكثر قوة واستدامة، هي الأولى من نوعها منذ عام 2021 تقريبًا.
قد يهمّك أيضًا: ماذا تعني المراجعتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد للاقتصاد المصري؟