ماذا تعني المراجعتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد للاقتصاد المصري؟

يبدو أنَّ المناقشات الجارية بين بعثة صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية، في إطار المراجعتين الخامسة والسادسة، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي تسير في مسار إيجابي، يعكس درجة عالية من التفاهم حول أولويات المرحلة المقبلة.

وأشارت تقديرات مسؤولي الصندوق إلى وجود تقدير واضح لوتيرة الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الدولة، وللتطورات المحسوسة التي تشهدها بيئة الأعمال في مصر، بما يعزّز التفاؤل بخصوص نتائج المراجعتين واحتمالات اعتماد الشريحة الجديدة من التمويل.

وجاءت هذه الأجواء الإيجابية خلال الاجتماع الذي عقدته بعثة الصندوق مع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب، حيث جرى استعراض مستجدات البرنامج المشترك بين مصر والصندوق، ومتابعة التقدم المحقق في الإصلاحات المالية والمؤسسية والتجارية المرتبطة به.

ويعد اللقاء فرصة لتقييم الخطوات الفعلية التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية، ومدى توافقها مع الأهداف المتفق عليها، لا سيّما فيما يتعلق باستقرار الاقتصاد الكلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص.

تحسن مؤشرات الاقتصاد المصري

من جانبه، أكد الوزير حسن الخطيب تفاؤله بمسار المراجعتين الخامسة والسادسة، مشيراً إلى أن الاقتصاد المصري يواصل التحسن التدريجي، وأن عدداً من المؤشرات الاقتصادية جاء أفضل من التقديرات الأولية الموضوعة في إطار البرنامج. وأوضح أن هذا الأداء يعكس قوة الإجراءات الإصلاحية التي جرى تطبيقها خلال المرحلة الماضية، وقدرتها على إحداث تأثيرات ملموسة على مستوى استقرار الاقتصاد الكلي وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في السوق المصرية.

وأكد أن الحكومة تتحرك وفق رؤية إصلاحية واضحة تستهدف دعم استقرار الاقتصاد الكلي وخلق مساحة أكبر لنمو القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنمو في السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، شدد على أن تعزيز بيئة الاستثمار وتحسين كفاءة منظومة التجارة الخارجية يمثلان محورين أساسيين في الرؤية الاقتصادية للدولة، باعتبارهما من أهم العناصر القادرة على رفع معدلات النمو وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

وفي الإطار ذاته، لفت الخطيب إلى أن السياسة التجارية الحالية تستهدف تعظيم القدرة الإنتاجية وزيادة النفاذ إلى الأسواق العالمية وتعميق التكامل بين مساري التجارة والاستثمار، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصدير وسلاسل الإمداد ورفع القيمة المضافة المحلية. وأكد أن هذا التوجه يخدم رؤية الدولة طويلة المدى، ويعيد هيكلة العلاقة بين الإنتاج والتجارة بطريقة أكثر فعالية، بما يتيح للاقتصاد المصري الاستفادة من موقعه الجغرافي وموارده البشرية والبنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة.

دور التحول الرقمي وتقليل الأعباء الضريبية

استعرض الوزير التقدم المحرز في ملف التحول الرقمي، خاصة ما يتعلق بتطوير المنصات الإلكترونية الخاصة بالتراخيص والكيانات الاقتصادية، موضحاً أن هذا المسار يهدف إلى تبسيط الإجراءات وتقليل الاحتكاك البشري وزيادة مستويات الشفافية، إضافة إلى تسريع الخدمات المقدمة للمستثمرين، بما يعزز كفاءة بيئة الأعمال ويخفض الوقت والتكلفة المرتبطين ببدء أو توسيع الأنشطة الاستثمارية.

وأوضح أن الحكومة تعمل حالياً على تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الرامية إلى تقليل الأعباء غير الضريبية التي تواجه مجتمع الأعمال وتحسين بيئة الاستثمار على نحو يمنح المستثمرين رؤية أوضح للتخطيط والتوسع المستقبلي، مؤكداً أن هذه الإصلاحات تُعد جزءاً من التزام أوسع لتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات النوعية ذات القيمة المضافة العالية.

توقعات صندوق النقد: مسار إيجابي للمراجعتين الخامسة والسادسة

أثنت بعثة الصندوق على التقدم الملحوظ في ملفات الاستثمار والتجارة، معتبرة أن الرؤية الاقتصادية المصرية أصبحت أكثر وضوحاً واتساقاً مقارنة بالفترات السابقة، وأن الإجراءات المتخذة خلال العام الجاري تعكس جدية الدولة وحرصها على تعزيز الثقة لدى المؤسسات الدولية والمستثمرين، ودعم تدفق الاستثمارات ذات القيمة المضافة.

كما أكد مسؤولو الصندوق أن ما لمسوه من تقدم خلال اجتماعاتهم مع الحكومة يدعم استمرار المناقشات في إطار إيجابي، ويعزز التوقعات ببلوغ نتائج مرضية خلال المراجعتين الخامسة والسادسة، مشيرين إلى أن الزخم الحالي في تنفيذ الإصلاحات يشكل نقطة قوة يمكن البناء عليها لضمان استدامة التعافي الاقتصادي وتحسين مؤشرات الأداء الكلي خلال الفترة المقبلة.

ومع ذلك، يؤكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أن استمرار هذا المسار الإيجابي يظلّ مرهونًا بقدرة الحكومة على تعميق الإصلاحات الهيكلية وتسريع معدلات تنفيذها، لا سيما في ما يتعلق بتوسيع دور القطاع الخاص وخفض الأعباء على بيئة الأعمال، وضمان انعكاس التحسن في المؤشرات الكلية على المستويات المعيشية للمواطنين.

ويرى هؤلاء أن التحديات المرتبطة بالتضخم، وكلفة الاقتراض، وسرعة تدفق الاستثمارات الجديدة، تحتاج إلى متابعة دقيقة وإجراءات مستمرة، حتى لا يقتصر أثر الإصلاح على الجوانب المالية دون أن يمتد ليشمل القوة الشرائية وجودة الحياة للمواطن، وهو ما يمثل الاختبار الحقيقي لاستدامة التعافي الاقتصادي.

ماذا تحمل زيارة صندوق النقد الدولي للاقتصاد المصري؟

قدّم الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، قراءة تفصيلية لأبعاد هذه الزيارة وانعكاساتها على الاقتصاد المصري، مشيراً إلى أن الأسبوع الحالي يُعد واحداً من أهم المحطات على صعيد الملف الاقتصادي، مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة لإجراء المراجعتين الخامسة والسادسة معاً بعد شهور من التأجيل، وهو ما يمنح هذه الزيارة وزنًا خاصًا وتأثيرًا مباشراً على مستقبل السياسات المالية والنقدية.

وأوضح الخبير أن دمج المراجعتين الخامسة والسادية في زيارة واحدة يؤشر إلى أن مصر باتت على مسافة قريبة من إقرار الشريحة الجديدة من التمويل، والبالغة نحو 2.4 مليار دولار، في حال اعتماد المراجعتين، مؤكداً أن مصر التزمت بكامل الاستحقاقات المالية المستوجبة للصندوق خلال نوفمبر وديسمبر، وهو ما يعكس انضباطًا ماليًا يعزز مصداقية الدولة أمام المؤسسات الدولية.

وأضاف الجرم أن الوضع الاقتصادي الحالي يختلف جذريًا عن الأشهر السابقة؛ فتكلفة التمويل انخفضت من مستويات قاربت 28% إلى نحو 22%، بانخفاض بلغ 6.25 نقطة مئوية، وهو ما يحقق وفرًا للموازنة العامة يقترب من نصف تريليون جنيه، حيث يوفر كل تراجع بنسبة 1% في سعر الفائدة نحو 80 مليار جنيه سنويًا. وأشار إلى أن هذا التحسن الكبير منح الحكومة مساحة أوسع للحركة وخفّض عبء خدمة الدين على الموازنة العامة، بما يتيح توجيه موارد إضافية لقطاعات التنمية والحماية الاجتماعية.

التحسن في سعر الصرف

لفت الجرم إلى أن التحسن لا يقتصر على استقرار سعر العملة المحلية وتحسن أدائها أمام العملات الأجنبية، بل يمتد إلى توافر النقد الأجنبي داخل القطاع المصرفي، بعد فترة عانى فيها السوق من ندرة في العملة الصعبة.

واعتبر أن القطاعات المدرة للنقد الأجنبي تتحرك بقوة غير مسبوقة، إذ من المتوقع أن تتجاوز تحويلات المصريين بالخارج 40 مليار دولار، وأن ترتفع الصادرات إلى نحو 55 مليار دولار، مع تحقيق السياحة لأكثر من 18 مليون سائح وإيرادات تفوق 18 مليار دولار، وهي أرقام تعكس تغيرًا هيكليًا في أداء الاقتصاد الكلي وقدرته على توليد موارد ذاتية من النقد الأجنبي.

التدفقات الاستثمارية وأثرها على الدين الخارجي

أشاد الجرم بالتدفقات الاستثمارية الأخيرة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، موضحًا أن صافي الاستثمارات المالية غير المباشرة تجاوز 11 مليار دولار منذ بداية العام، وأن صفقة رأس الحكمة مثّلت “مفاجأة للعالم” في ظل الظروف العالمية المتقلبة، حيث ضخت 35 مليار دولار، منها 24 مليار دولار تدفقات نقدية مباشرة، وأسهمت في خفض الدين الخارجي بنحو 11 مليار دولار.

وأضاف أن التفعيل الجاري لصفقة أخرى من المنتظر أن يضخ نحو 3.5 مليار دولار إضافية ويخفض الدين بنحو 4 مليارات دولار، ما يقرب إجمالي الدين الخارجي من مستوى 161 مليار دولار، مع إمكانية تراجعه مجدداً خلال الفترة المقبلة. وأشار إلى أن هذه التدفقات ليست أموالاً ساخنة، بل استثمارات مباشرة طويلة الأجل تتوزع على قطاعات متعددة وتخلق طاقات إنتاجية وفرص عمل جديدة.

اقرأ أيضًا: التمويل الاستهلاكي في مصر ومخاوف فقاعة الديون

انتعاش قطاع السياحة واستعادة قناة السويس لعافيتها

في حديثه عن القطاعات الإنتاجية، ركز الجرم على القطاع السياحي، مؤكداً أن مصر تشهد حالة انتعاش قوية تستدعي التوسع السريع في الطاقة الفندقية، وهو ما يدفع العديد من المستثمرين المحليين والأجانب إلى دراسة مشروعات جديدة لإنشاء وتطوير وحدات فندقية، استعدادًا لمضاعفة أعداد السائحين في إطار مستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030.

كما تطرق إلى قناة السويس، موضحاً أنها كانت القطاع الوحيد المتضرر خلال السنوات الأربع الماضية نتيجة التوترات الجيوسياسية والتغيرات في طرق التجارة العالمية، قبل أن تسجل خلال نوفمبر الماضي زيادة ملحوظة في الإيرادات بنسبة 25%، معتبرًا أن الجهود السياسية والدبلوماسية التي بذلتها مصر، بما في ذلك دورها في قمة شرم الشيخ، ساعدت في تهدئة الأوضاع واستعادة قدر من الحركة الملاحية عبر القناة، بما سينعكس إيجاباً على الإيرادات واحتياطيات النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف.

وأشار الجرم إلى أن احتياطي النقد الأجنبي تجاوز 50 مليار دولار، مع طموح حكومي معلن للوصول إلى 100 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، معتبراً ذلك مؤشرًا قويًا على الثقة الدولية في الاقتصاد المصري وقدرته على الوفاء بالتزاماته.

اقرأ المزيد: الاحتياطي النقدي لمصر يتجاوز 50 مليار دولار لأول مرة في تاريخه

الإصلاحات المرتبطة بالصندوق

فيما يتعلق بالإصلاحات المطلوب استكمالها بالتوافق مع صندوق النقد الدولي، فقد شدد الجرم على أن برنامج الإصلاح هو في الأساس برنامج مصري صيغ وفقاً لأولويات وطنية واضحة، وأن الصندوق لا يفرض شروطاً سياسية بقدر ما يقدم ملاحظات فنية تتعلق بالتأكد من قدرة مصر على السداد واستدامة مسار الإصلاح.

وأوضح أن ملف دعم الطاقة كان من أبرز القضايا التي حظيت بتوافق كامل بين الجانبين، إذ تؤكد الدولة ضرورة إعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه، وبيّن أن دعم الطاقة كان يبلغ نحو 130 مليار جنيه قبل بدء خفضه تدريجيًا، إلا أنه عاد للارتفاع مجددًا بفعل تقلبات الأسعار العالمية وارتفاع متطلبات الحماية الاجتماعية.

وفي سياق موازٍ، أكد الجرم أن البنك المركزي يتمتع باستقلالية كاملة في إدارة السياسة النقدية، مشيراً إلى أن التراجع الكبير في معدلات التضخم من أكثر من 33% إلى نحو 12.5% لم يدفع المركزي إلى خفض أسعار الفائدة بنفس النسبة، بل حافظ على سياسة تشديد نقدي نسبي لضمان استمرار استقرار الأسعار واستهداف معدلات تضخم متوازنة، وهو ما يقدّره صندوق النقد ويعتبره جزءًا من انضباط السياسة النقدية في مصر.

اقرأ أيضًا: لماذا ثبت البنك المركزي المصري الفائدة؟ قراءة في خلفيات القرار وتداعياته

الطروحات الحكومية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص

أوضح الدكتور رمزي الجرم أن الدولة والصندوق متفقان تمامًا على ضرورة قيادة القطاع الخاص لعملية النمو، وأن توسع الدولة في الاستثمار العام خلال السنوات الماضية كان ضرورة وطنية في ظل غياب القطاع الخاص خلال فترة الاضطرابات بين 2011 و2016. وأشار إلى أن الدولة عادت الآن لتطبيق سياسة واضحة للتخارج التدريجي وإفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة التي تصل اليوم إلى أكثر من 70% من إجمالي الاستثمارات المنفذة.

وفيما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية، أوضح الجرم أن النقاش مع الصندوق لا يدور حول مبدأ الطرح بقدر ما يتعلق بفلسفة التنفيذ وتوقيته، مشددًا على أن الدولة لا تبيع أصولاً لمجرد البيع، بل تبحث عن مستثمر استراتيجي يمتلك الخبرة والملاءة المالية لتطوير الشركات وتوسيع نشاطها وزيادة العمالة، تفاديًا لتكرار أخطاء موجات الخصخصة السابقة التي أدت إلى إغلاق منشآت وتسريح عمالة.

وفي هذا السياق، أكد الخبير أن تقييم الأصول عملية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً، لا سيما في الشركات الكبيرة، وأن الدولة تستهدف من برنامج الطروحات تعظيم القيمة المضافة، وضمان استمرار النشاط، وزيادة مساهمة هذه الكيانات في الاقتصاد، وليس الحصول على عائد مالي سريع فقط.

تحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات

تطرق الخبير الاقتصادي إلى ملف الإصلاحات الجمركية والضريبية، مؤكداً أن القيادة السياسية تتابع هذا الملف بشكل مباشر عبر اجتماعات متكررة مع الحكومة وفريقها الاقتصادي، بهدف تحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، وأن هذه الإصلاحات ليست فقط استجابة لملاحظات صندوق النقد، بل ضرورة اقتصادية لتحسين تنافسية الاقتصاد المصري وجاذبيته للاستثمارات طويلة الأجل.

وفي ختام تحليله، تناول الجرم انعكاس اعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة وصرف الشريحة الجديدة على المواطن، موضحاً أن موافقة الصندوق ستؤدي إلى تحسين تصنيف مصر الائتماني، وخفض تكلفة الاقتراض الخارجي، وزيادة قدرة الدولة على التوسع في برامج الحماية الاجتماعية.

وأشار إلى أن الحكومة تعمل بالفعل على دراسة زيادات جديدة محتملة في الأجور والمعاشات خلال الفترة المقبلة، وأن أي وفورات إضافية في الموازنة سيتم توجيهها لدعم الشرائح الأكثر احتياجًا، بما يخفف من الآثار الجانبية للإصلاحات الاقتصادية ويحافظ في الوقت ذاته على استدامة مسار التعافي الاقتصادي.

قد يهمّك أيضًا: الفائض الأولي في الموازنة المصرية يقفز إلى 178 مليار جنيه

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة