بعد ما يقرب من 90 يومًا على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت عمليًا إلى إغلاق مضيق هرمز، لم يعد السؤال الدائر مقتصراً على موعد إعادة فتح هذا الممر المائي، فقد بدأ احتمال أكثر إثارة للقلق يتبلور حول ماذا لو لم يُفتح المضيق بالكامل؟ أو لم يُفتح لفترة أطول بكثير مما لا تزال الأسواق تفترضه؟
لا يزال هذا الاحتمال خارج توقعات معظم المتعاملين والمحللين، لكن كلما طال أمد الاضطراب، أصبح من الصعب تجاهل الضرر الاقتصادي الذي قد يُلحقه إغلاق ممتد بتدفقات الطاقة العالمية، وأسعار النفط، والنمو الاقتصادي.
دروس قصة “الأسطول الأصفر”
المقارنة المطروحة ليست مطابقة، لكنّها لافتة، فعندما أُغلقت قناة السويس عام 1967 بعد اندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل، علقت 15 سفينة داخلها وألقت مراسيها في انتظار انتهاء الأعمال القتالية، ورغم أنّ الصراع نفسه لم يستمر سوى 6 أيام تقريبًا إلا أنّ القناة بقيت مغلقة 8 سنوات، وعندما سُمح للسفن أخيراً بالمغادرة في عام 1975 لم تكن سوى سفينتين منها صالحتين للإبحار، أما البقية فتدهورت بشدة إلى درجة أنها أصبحت تُعرف باسم “الأسطول الأصفر” بسبب الرمال والصدأ.
في الوقت الراهن، لا تزال الرؤية السائدة في دوائر السلع والأسواق المالية أقل حدة بكثير من هذا السيناريو، فالافتراض العام هو أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه الشهر المقبل، أو في يوليو على أقصى تقدير، ولا يستند هذا الاعتقاد إلى أدلة مرئية بقدر ما يستند إلى قناعة بأن البديل مدمّر اقتصادياً إلى درجة لا تسمح باستمراره.
قدرة واشنطن وطهران على تحمل الألم الاقتصادي
عمليًا، تعتمد الأسواق على مقولة الاقتصادي الأمريكي هربرت شتاين، الذي قال إن “ما لا يمكن أن يستمر إلى الأبد سيتوقف في النهاية”، وبتطبيق هذه المقالولة على مضيق هرمز سنجد أن إغلاقه لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لأن العواقب الاقتصادية ستكون غير محتملة، وبالتالي لا بد أن يُعاد فتحه.
لكن نقطة الضعف في هذه الحجة تكمن في أن إغلاق مضيق هرمز لم ينتج عنه تداعيات اقتصادية مؤلمة وسلبية لواشنطن وطهران لدفعهما إلى تسوية، فبالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب ظلت الحرب حتى الآن رخيصة نسبياً وفق المؤشرات التي تهمه أكثر، فمؤشر “إس آند بي 500” يحوم قرب مستوى قياسي، بل إنه ارتفع بنحو 10% منذ بدء الصراع، كما ارتفعت أسعار البنزين، لكنها لا تزال دون ذروتها في عام 2022. علاوة على ذلك، لا يزال أن الاقتصاد الأمريكي ينمو بوتيرة جيدة، مع تقديرات لنمو الربع الثاني تفوق 4%، وفي ظل هذه الظروف لا تواجه واشنطن بعد ضغطاً اقتصادياً حاداً يجبرها على تقديم تنازل سريع.
في المقابل، تتعرض إيران لضغوط، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة الاستسلام؛ فالبطالة ترتفع، وتضخم الغذاء شديد، والعملة في حالة هبوط حر، كما بدأ النظام في خفض إنتاج النفط لأن الحصار البحري الأمريكي حال دون التصدير، ومع ذلك أظهرت طهران مراراً قدرة على تحمل هذه التداعيات، وهذه القدرة تعني أن طهران لم تُدفع بعد إلى التخلي عن خطوطها الحمراء في التفاوض مع واشنطن.
ماذا عن جهود الوساطة الباكستانية؟
مع كل هذه الضغوط، تستمر المحادثات بين واشنطن وطهران عبر وساطة باكستانية، وقد أشار مسؤولون إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تحركات إيجابية في عملية التفاوض، ولكنها كانت تسير بشكل محدود، فقد وصف أحد الدبلوماسيين احتمالات التوصل إلى اتفاق فوري بأنها “50-50″، بينما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن هناك “تقدماً طفيفاً”، مضيفاً أنه لا يريد المبالغة في الأمر.
لكن حتى إذا ظهر اتفاق، ماذا لو لم يكن الاتفاق سوى مذكرة تفاهم، لا تضمن تسوية كاملة؟ حينها قد لا يكون ذلك كافياً لاستعادة حرية الحركة عبر المضيق عملياً.
إحدى أوضح الإشارات التي تقول إن أمد الاضطرابات قد يطول، هو تسريع أبوظبي خطط إنشاء خط أنابيب ثانٍ مصمم لتجاوز مضيق هرمز، وذلك بهدف إدخاله الخدمة في عام 2027، وهذا أكثر من مجرد تخطيط احترازي، بل أيضاً إشارة إلى أن أحد أكبر منتجي النفط في الخليج يرى احتمالاً واقعياً بأن مضيق هرمز قد يبقى معرضاً للخطر لفترة أطول بكثير مما تتوقعه الأسواق حالياً.
اقرأ أيضًا: دول الخليج تدرس خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز
المخزونات الكبيرة.. صمام أمان الأسواق
السبب في أنّ إغلاق مضيق هرمز لم يتحول إلى أزمة طاقة عنيفة بشكل أكثر مما هي عليه الآن هو أن الأسواق العالمية دخلت الحرب وفي حوزتها مخزونات كبيرة من الخام وبعض المنتجات البترولية، فقد تعطلت تدفقات تقارب 20 مليون برميل يومياً كانت تتحرك عادة عبر مضيق هرمز.
ومع ذلك، استطاعت الأسواق امتصاص الصدمة حتى الآن، كما واصلت السعودية والإمارات تمرير بعض تصديرها النفطي عبر خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، ولجأت الدول الغنية إلى السحب من الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية، بينما صدّرت الولايات المتحدة جزءاً من احتياطيها إلى الخارج، وخفضت الصين وارداتها النفطية بشدة، وكل هذه العوامل منحت الأسواق وقتاً ومرونة في التعامل مع تداعيات الصدمة، لكنها تبقى في النهائة حلول مؤقتة لا دائمة.
ولهذا يصبح عامل الوقت بالغ الأهمية، فكل يوم يمر على الأسواق العالمية دون عبور نفط من مضيق هرمز تصبح فيه المخزونات العالمية أكثر فراغا وأقل في الكميات الاستراتيجية، وهذا يعني أنه إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً لفترة أطول بكثير فسيحتاج الاقتصاد العالمي إلى قدر أكبر بكثير من تدمير الطلب لإعادة توازن الأسواق، وقد يحدث ذلك إما عبر إجراءات سياسية طارئة لكبح استهلاك الطاقة، أو عبر ارتفاع الأسعار إلى مستوى يجبر المستهلكين على التراجع.
وإذا استمر مضيق هرمز مغلقا حتى نهاية العام الحالي أو المقبل، أو إذا أعيد فتحه جزئيا فقط، مع استمرار إيران في ممارسة سيطرة مؤثرة عليه، فلن يكون من المنطقي بقاء أسعار النفط قرب مستوياتها الحالية.
اقرأ أيضًا: أزمة هرمز.. كيف دفعت الدول للبحث عن بدائل لاستيراد الوقود؟
هل يستطيع العالم أن يعيش بدون نفط هرمز؟
مضيق هرمز يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ولكن فترة الحرب أثبتت أن العالم نعم قادر على أن يعيش بدون نفط هرمز، وهذا من الناحية الفنية، ولكن سيقابل ذلك تكلفة كبيرة؛ إذ إن تقليص الاستهلاك العالمي بشكل دائم بهذا الحجم سيتطلب على الأرجح ركوداً شبيهاً بما حدث خلال أزمتي النفط في 1973 و1979، وبمرور الوقت سيبني منتجو النفط مزيداً من خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، وسيزيد الإنتاج خارج الشرق الأوسط.
لهذا قد لا يكون الواقع الجديد في الشرق الأوسط بعد هذه الحرب إيجابيًا لدول المنطقة وأطراف الصرع، بل قد يكون واقعًا مرتبكًا، ولكن يمكن لجميع الأطراف التعايش معه بشكل مؤقت، لأن العواقب الاقتصادية الناجمة عن إغلاق أطول لمضيق هرمز مدمرة للجيمع، لدرجة أن قلة قليلة فقط هم المستعدون للتفكير فيها بالكامل.
اقرأ أيضًا: كواليس الاتفاق المرتقب بين أمريكا وإيران.. فتح مضيق هرمز دون رسوم