في مشهد يحمل الكثير من الرمزية السياسية والتاريخية، تستعد ولاية ألاسكا الأمريكية لاستضافة أول لقاء رسمي منذ ما يقرب من عقدين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة فارقة تسبق ساعات قليلة من انتهاء مهلة العقوبات التي لوّح بها البيت الأبيض، بحسب صحيفة فاينينشيال تايمز.
“ألاسكا” ليست مجرد مسرح جغرافي لهذا اللقاء؛ فهي تمثل تذكيرًا ساخرًا للكرملين بأنَّ الخرائط السياسية قابلة للتغيير، وأنَّ الأرض يُمكن أن تنتقل من يدٍ إلى أخرى بوسائل مختلفة، كما حدث في القرن التاسع عشر، حين بيعت الولاية للولايات المتحدة في صفقة سلمية، في تناقض صارخ مع أسلوب بوتين العسكري في السيطرة على أراضٍ أوكرانية اليوم.
رسائل بوتين الاستراتيجية من قمة ألاسكا
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، حافظ بوتين على خطاب سياسي ثابت يرفض أي حلول تعتبرها موسكو تنازلات جوهرية، حتى في ظل الضغوط الميدانية أو الاقتصادية، ويؤكد محللون أن بوتين لا يأتي إلى هذه القمة بحثًا عن اتفاق سلام شامل، بل بهدف تكتيكي يتمثل في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع ترامب، ومنع تحوّل إحباط الرئيس الأمريكي إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي مؤلمة.
الباحثة ألكسندرا بروكوبينكو من مركز كارنيغي روسيا – أوراسيا لخصت الأمر بقولها: “بوتين ليست لديه أي حوافز لإنهاء الحرب الآن، ما يهمه هو الحفاظ على اهتمام ترامب”، والرسالة الأعمق هي أن موسكو تدرك أن أي تغيّر في المزاج الأمريكي قد ينعكس مباشرة على مسار الحرب، وأن بناء علاقة شخصية مع ترامب يظل جزءًا من استراتيجية بوتين في كسب الوقت وإعادة صياغة المواقف الدولية.
تحولات الموقف الأمريكي تجاه روسيا
ترامب -الذي وعد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب الأوكرانية في 24 ساعة- دخل البيت الأبيض بنبرة ودية تجاه بوتين، حتى أنه وصفه في بداية الحرب بأنه “لطيف للغاية” رغم استمرار العمليات العسكرية، غير أن سلسلة من الأحداث، أبرزها استمرار القصف الروسي على مدن أوكرانية، ومعلومات استخباراتية عن تجاوزات ميدانية، دفعت ترامب إلى تغيير لهجته بشكل واضح.
ولأول مرة منذ توليه المنصب، سمح البيت الأبيض بنقل أسلحة أكثر تطورًا إلى كييف، بل وفرض رسومًا جمركية على الهند عقابا لشرائها النفط الروسي، لكن المفارقة أن هذا التحول الحاد تراجع فجأة بعد زيارة المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف إلى موسكو، قبل يومين فقط من انتهاء مهلة “وقف إطلاق النار أو العقوبات”.
اقرأ أيضًا: روسيا أمام اختبار علاقة بوتين مع ترامب
زيارة ويتكوف إلى موسكو… نقطة تحول في المفاوضات
زيارة ويتكوف إلى موسكو لم تكن مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل خطوة فتحت الطريق أمام ما يمكن وصفه بـ”المصالحة المحسوبة”، فبعدها مباشرة وبدون مقدمات علنية وجّهت واشنطن الدعوة لبوتين لزيارة أمريكا للمرة الأولى منذ لقائه بالرئيس جورج بوش الابن عام 2007.
هذه الدعوة تحمل أكثر من دلالة؛ أولها أنَّ ترامب مستعد لاستخدام القنوات المباشرة مع موسكو لتجاوز الجمود، وثانيها أن الإدارة الأمريكية لا ترغب في فرض عقوبات واسعة قد تفشل أو تظهر الرئيس الأمريكي بمظهر العاجز مرتين، مرة لعدم قدرة العقوبات على وقف الحرب، ومرة لعدم توفر بدائل فعّالة.
معادلة مكاسب لروسيا دون تنازلات
غياب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن قمة ألاسكا يعد في حد ذاته مكسبًا دبلوماسيًا لبوتين، الذي طالما سعى إلى استبعاد كييف من أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
ويرى وزير الخارجية الروسي الأسبق أندريه كوزيريف أن “مجرد انعقاد القمة مكسب سياسي لبوتين”، فهو يعود إلى الساحة الدولية ليس بصفته طرفًا معزولًا، بل كزعيم مدعو إلى طاولة الكبار، والأهم أن هذه المكاسب جاءت دون أن يقدم الكرملين تنازلات ملموسة في أهدافه العسكرية أو السياسية.
الأولويات الثلاثة لبوتين في المرحلة الحالية
ألونا غيتمنشوك، رئيسة بعثة أوكرانيا لدى الناتو، لخصت أهداف بوتين في ثلاثة محاور واضحة ترتبط بعمق بالوضع الاقتصادي الداخلي في روسيا، وبقدرة موسكو على إدارة صراع طويل الأمد دون استنزاف مواردها، وهي:
- الخروج من العزلة الدبلوماسية.
- تجنّب حزمة العقوبات الجديدة التي يلوح بها ترامب.
- استغلال رغبة الرئيس الأمركي في إينهاء الحرب بسرعة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية فشل في انتزاعها ميدانيًا.
المشهد الميداني.. تقدم محسوب وضغط مستمر
على الجبهة الشرقية، واصل الجيش الروسي تكتيك “القضم التدريجي”، حيث تشير بيانات مجموعة “بلاك بيرد” إلى أن موسكو استولت على 502 كيلومتر مربع في يوليو، وهو معدل ثابت مقارنة بالأشهر السابقة.
ووفق منصة “ديب ستيت”، التي تحظى بقرب من وزارة الدفاع الأوكرانية، تقدمت القوات الروسية سبعة كيلومترات قرب بوكروفسك، في مؤشر على سعيها لتطويق المدن الاستراتيجية دون خوض معارك شاملة قد تكلفها الكثير من القوات والمعدات.
هذه التحركات الميدانية تمنح بوتين أوراق ضغط إضافية على طاولة المفاوضات، وتجعله يظهر بمظهر الطرف القوي ميدانيًا حتى وهو يجلس للتفاوض.
تحديات الاقتصاد الروسي في ظل العقوبات
اقتصاديًا، تواجه موسكو وضعًا معقدًا؛ فقد تراجعت إيرادات الطاقة بنسبة 20% في الأشهر السبعة الأولى من العام، بفعل انخفاض أسعار النفط والإجراءات الأمريكية الجديدة، بما في ذلك فرض رسوم على الهند لشرائها الخام الروسي.
يانيس كلوجه، الخبير في اقتصاد روسيا بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، يشير إلى أن الاقتصاد الروسي “أضعف اليوم من أي وقت في الأعوام الثلاثة الماضية”، لكنه يضيف أن هذا الضعف ليس كافيًا لدفع بوتين إلى تقديم تنازلات حقيقية بشأن أوكرانيا، وبعبارة أخرى، الوضع صعب، لكنه ليس خانقًا.
ملف تبادل الأراضي بين موسكو وكييف
رغم التكتم على تفاصيل محادثات بوتين وويتكوف، برزت مؤشرات إلى احتمال وجود تفاهم مبدئي على “تبادل أراضٍ”، وترامب ألمح صراحة، إلى أن “هناك تبادلًا للأراضي لمصلحة الطرفين”، بينما وصفت موسكو مقترحات ويتكوف بأنها “مقبولة” من حيث المبدأ.
لكن لا تزال الشروط الروسية على حالها؛ وهي انسحاب القوات الأوكرانية من دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، واعتراف كييف بوضعها كدولة غير نووية، والتخلي عن عضوية الناتو، و”نزع السلاح” و”إزالة النازية”، وهي عبارات فضفاضة يمكن أن تترجم سياسيًا إلى إزاحة زيلينسكي عن السلطة.
الموقف الأوكراني بين الرفض والقبول المشروط
استطلاع حديث للمعهد الدولي لعلم الاجتماع في كييف أظهر أن نحو 75% من الأوكرانيين يرفضون أي خطة سلام تتضمن التنازل عن الأراضي الأربع أو التخلي عن عضوية الناتو أو فرض قيود على قدرات الجيش.
وفي المقابل، أبدى 54% استعدادًا لتجميد خطوط القتال الحالية مقابل ضمانات أمنية قوية من الولايات المتحدة وأوروبا، مع رفع تدريجي للعقوبات عن روسيا، وهذا الانقسام يعكس معضلة كييف بين التمسك بالسيادة الكاملة والقبول بحل مؤقت يوقف نزيف الحرب.
تحركات دبلوماسية مكثفة قبل قمة ألاسكا
مع اقتراب موعد قمة ألاسكا، تحركت جميع الأطراف على مسرح السياسة الدولية، وزيلينسكي كثّف اتصالاته مع القادة الأوروبيين للحصول على ضمانات بعدم الدخول في أي اتفاق من وراء ظهر أوكرانيا، بينما اتجه بوتين إلى تعزيز التنسيق مع قادة دول تعتبرها موسكو “صديقة”، مثل الصين والإمارات والهند، في تحركات تشير إلى أن قمة ألاسكا، مهما كانت نتائجها العلنية، ليست سوى فصل من فصول معركة أوسع على النفوذ والتحالفات.
ويتوقع المحلل السياسي أندريه كوليسنيكوف أن تنتهي قمة ألاسكا إلى ما يشبه الوضع بعد الحرب الكورية: تجميد الصراع على خطوط التماس الحالية دون اتفاق سلام شامل، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في أي وقت.
وبرأيه، “بوتين يريد تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ مع ترامب وشي جين بينج، في يالطا جديدة وحرب باردة، وهذا ما يتمناه لينال أمجاد ستالين”، وهذا السيناريو يعكس فلسفة سياسية ترى في التسويات المؤقتة أداة لإعادة ترتيب موازين القوى، لا بوابة لنهاية الصراعات.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يهدد روسيا بفرض عقوبات.. من سيدفع الثمن؟
