ماذا يعني تخفيض تصنيف أمريكا الائتماني؟

في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي بشأن الوضع المالي والسياسي في الولايات المتحدة، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني الأوروبية “سكوب” عن خفض تصنيف أمريكا الائتماني، من درجة AA إلى AA-، مبررة قرارها بما وصفته بـ”تدهور مستمر في المالية العامة وضعف في معايير الحوكمة” .

ورغم أن الوكالة حسّنت النظرة المستقبلية من سلبية إلى مستقرة، فإن تقييمها لأداء الإدارة الأمريكية الحالية جاء قاسيًا، إذ اعتبرت أنَّ الانحرافات في نظام الضوابط والتوازنات داخل مؤسسات الحكم الأمريكية تُضعف من استقرار السياسات وتقلل القدرة على التنبؤ بالقرارات الاقتصادية.

وجاء في تقرير الوكالة، التي تتخذ من برلين مقرًا لها، أن ضعف معايير الحوكمة، ولا سيما تآكل نظام الضوابط والتوازنات الراسخ، يقلل من إمكانية التنبؤ باستقرار السياسات الأمريكية “، مشيرة إلى أن هذا الاضطراب المؤسسي لا يقتصر على الداخل الأمريكي، بل يمتد إلى تعاملات واشنطن مع شركائها التجاريين، خاصة في ما يتعلق بسياسات الرسوم الجمركية، وهو ما يزيد من احتمالات ارتكاب أخطاء في إدارة الشؤون السياسية والاقتصادية اليومية.

دور التركيز المتزايد للسلطة في خفض تصنيف أمريكا الائتماني

أعربت سكوب عن قلقها من التركيز المتزايد للسلطة داخل الفرع التنفيذي للحكومة، وهو ما يفترض أن يخضع لرقابة الكونغرس والمحاكم المستقلة، مؤكدة أن هذا الميل نحو احتكار القرار يهدد بنية النظام الديمقراطي الأمريكي ويضعف الضمانات التي تكفل توازن السلطات.

وأضاف التقرير أن الإدارة الأمريكية تحدّت في عدة مناسبات أوامر المحاكم، وشككت في سلطتها القضائية، وتجاوزت رقابة الكونغرس، وقلّصت من دور الوكالات المستقلة، وهو ما أضعف بدوره الركائز المؤسسية المصممة للحد من تغوّل السلطة التنفيذية.

ووصفت الوكالة الإفراط في استخدام المراسيم الرئاسية كإحدى العلامات البارزة على تراجع الدور التشريعي للكونغرس، مشيرة إلى أن العدد الكبير من القرارات التنفيذية التي يصدرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض سياسات حكومته بشكل منفرد يعكس تآكل مبدأ الفصل بين السلطات وتراجع التوازن المؤسسي الذي كان أحد أهم عناصر قوة النظام الأمريكي.

كما تناول التقرير ما وصفه بالاستقطاب السياسي المزمن، داخل الولايات المتحدة، والذي تفاقم نتيجة ضعف فعالية الكونغرس وتصلب مواقفه الحزبية، الأمر الذي انعكس في أزمة الموازنة الجارية التي تعد ثاني أطول أزمة من نوعها في تاريخ البلاد، نتيجة عجز الكونغرس عن تمرير تشريعات مالية توافقية.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا الانقسام السياسي الحاد يعرقل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، خاصة في المجالات الحساسة مثل النظام الضريبي والرعاية الصحية والتقاعد، ما يهدد بتفاقم الضغوط على المالية العامة وارتفاع مستويات العجز.

أسباب خفض تصنيف أمريكا الائتماني

يأتي هذا الخفض في التصنيف بعد أشهر من تحذيرات متكررة من مؤسسات مالية دولية بشأن ارتفاع الدين الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تجاوز 35 تريليون دولار، ما يزيد من عبء خدمة الدين ويقلص مساحة المناورة المالية للحكومة الفيدرالية. كما أن استمرار الصراعات الحزبية داخل الكونغرس بشأن سقف الدين والإنفاق العام أدى إلى زعزعة ثقة الأسواق والمستثمرين في قدرة الولايات المتحدة على إدارة شؤونها المالية بفعالية.

ويُذكر أن هذا القرار ليس الأول من نوعه خلال العام الحالي، إذ خفّضت وكالات تصنيف كبرى أخرى مثل فيتش وموديز تقييمها للنظرة المستقبلية للاقتصاد الأمريكي، مشيرة إلى أن الانقسام السياسي والعجز المالي المتفاقم يمثلان خطرًا هيكليًا على استقرار الاقتصاد العالمي ككل. ورغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يحتفظ بقدرته على جذب الاستثمارات العالمية، فإن استمرار تآكل الثقة في حوكمة المؤسسات وفي قدرة الحكومة على السيطرة على الدين والعجز قد ينعكس على تكاليف الاقتراض وأسعار الفائدة، ويؤثر في مكانة الدولار كعملة احتياط رئيسية في النظام المالي الدولي.

بهذا القرار، تكون سكوب قد وجهت رسالة تحذيرية واضحة مفادها أن أكبر اقتصاد في العالم لم يعد بمنأى عن التداعيات السياسية الداخلية التي تضعف قدرته على ضبط إيقاعه المالي والمؤسسي، وأن التحديات البنيوية التي تواجه الولايات المتحدة لم تعد محصورة في الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى جوهر النظام الديمقراطي نفسه، وهو ما يجعل الفترة المقبلة اختبارًا حاسمًا لاستدامة الثقة في الاقتصاد الأمريكي ومتانة مؤسساته.

اقرأ أيضًا: حرب ترامب التجارية تكلّف الاقتصاد العالمي 1.2 تريليون دولار

تدهور مستمر في المالية العامة الأمريكية

من جانبه، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن قرار وكالة التصنيف الائتماني الأوروبية بخفض تصنيف الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، يعد مؤشرًا بالغ الأهمية يعكس تحولًا في نظرة المؤسسات المالية الدولية إلى استقرار الاقتصاد الأمريكي ومتانة نظامه المؤسسي، مشيرًا إلى أن هذا القرار يمثل “جرس إنذار” للأسواق العالمية بشأن تدهور الوضع المالي والحوكمي في أكبر اقتصاد بالعالم.

وأوضح شوقي أن خفض التصنيف جاء نتيجة “تدهور مستمر في المالية العامة الأمريكية وضعف متزايد في معايير الحوكمة”، وهو ما ينعكس في تراجع قدرة الحكومة الأمريكية على ضبط الإنفاق العام والسيطرة على الدين الفيدرالي الذي تجاوز 35 تريليون دولار، إلى جانب ارتفاع كلفة خدمة الدين بشكل قياسي بفعل سياسات رفع الفائدة المتتالية من جانب الاحتياطي الفيدرالي.

وأشار إلى أن وكالة سكوب كانت صريحة في تقييمها عندما تحدثت عن “تآكل نظام الضوابط والتوازنات المؤسسية”، وهو ما يعني أن الأزمة الأمريكية لم تعد اقتصادية بحتة، بل أصبحت تمس جوهر النظام الديمقراطي نفسه. وأضاف: “التركيز المفرط للسلطة داخل الإدارة التنفيذية، وتراجع دور الكونغرس والهيئات الرقابية المستقلة، يعكسان حالة من الارتباك السياسي التي تهدد استقرار السياسات المالية في الولايات المتحدة”.

وبيّن شوقي أن التقرير الأوروبي تطرق أيضًا إلى ضعف القدرة على التنبؤ بالسياسات الأمريكية تجاه شركائها التجاريين، خاصة في ظل السياسات الجمركية المتقلبة، مما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق ويؤثر في تدفقات الاستثمار العالمي. وقال: “هذا النوع من الاضطراب في صنع القرار الاقتصادي يجعل الأسواق الدولية أكثر حذرًا، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع الدولار وسندات الخزانة الأمريكية التي كانت تعتبر الملاذ الآمن الأول عالميًا”.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الاستقطاب السياسي الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وضعف فعالية الكونغرس، فاقما أزمة الموازنة الفيدرالية لتصبح ثاني أطول أزمة في تاريخ الولايات المتحدة، موضحًا أن ذلك يعكس عجزًا بنيويًا في إدارة المالية العامة الأمريكية، وأشار إلى أن هذا الانقسام السياسي يعطل تنفيذ الإصلاحات الجوهرية في مجالات مثل النظام الضريبي والرعاية الصحية والتقاعد، مما يزيد من الضغوط على الموازنة العامة ويضعف ثقة المستثمرين الدوليين.

هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي

في تحليله لتداعيات القرار على النظام المالي العالمي، أكد شوقي أن خفض التصنيف الأمريكي من وكالة أوروبية يحمل دلالة رمزية تتجاوز الأرقام، إذ يكشف عن تراجع الثقة الأوروبية في الإدارة المالية الأمريكية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول استدامة هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي.

وأضاف: إذا استمرت حالة العجز والانقسام في واشنطن، فقد نشهد تحولًا تدريجيًا نحو نظام مالي متعدد الأقطاب، خاصة في ظل مساعي الصين ومجموعة البريكس لتقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.

واعتبر شوقي أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الأمريكي سيكون أحد أبرز الآثار المباشرة لخفض التصنيف، إذ ستضطر وزارة الخزانة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين، ما يرفع كلفة التمويل العالمي نظرًا لارتباط أسعار الفائدة الدولية بالعائد على السندات الأمريكية.

واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن القرار الأخير يعيد التذكير بأن القوة الاقتصادية لا تنفصل عن جودة الحوكمة السياسية والمؤسسية، قائلًا: “إذا لم تُجرِ الولايات المتحدة إصلاحات مالية وسياسية عميقة تُعيد الانضباط والشفافية للنظام الفيدرالي، فإنها ستواجه خطر تآكل مكانتها كقائد للنظام المالي العالمي، ليس بسبب ضعف اقتصادها، بل بسبب فقدان الثقة في مؤسساتها”.

اقرأ أيضًا: صندوق النقد يحذر من انفجار قنبلة الديون العالمية رغم النمو الاقتصادي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة