يعتزم مصرف سوريا المركزي إصدار عملة سورية جديدة اعتبارًا من الأول من يناير المقبل، وذلك من خلال حذف صفرين من الليرة السورية المتداولة حاليًا، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة الإطار النقدي وتحسين كفاءة التعاملات المالية داخل الاقتصاد السوري.
وفي هذا السياق، أوضح عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، خلال مؤتمر صحفي اليوم الأحد بمقر المصرف، أن معيار عملية الاستبدال يقوم على حذف صفرين من العملة الحالية، بحيث تعادل كل 100 ليرة سورية قديمة ليرة سورية واحدة من الإصدار الجديد.
وأشار إلى أن الخطة تتضمن فترة تعايش بين العملتين تمتد 90 يومًا قابلة للتمديد، بما يضمن انتقالًا منظمًا وسلسًا دون إرباك للأسواق أو المواطنين، مؤكدًا أن عملية الاستبدال ستكون مجانية بالكامل.
رؤية 2030: ركائز الاستقرار النقدي والتحول الرقمي في سوريا
شدد حصرية على التزام المصرف بالشفافية والمسؤولية، والعمل وفق استراتيجية 2026–2030 التي تستهدف التحول إلى مصرف مركزي يعمل وفق المعايير العالمية، مؤكدًا أن هذه الاستراتيجية ترمي إلى استقرار القرار الفني وتعزيز دور القطاع المالي الوطني ضمن المنظومة المالية العالمية. كما لفت إلى أن المصرف يتابع الأسواق بشكل مستمر لضبط سعر الصرف، وأن الأثر المباشر لعملية الاستبدال سيظهر عقب التنفيذ وسيكون ملموسًا للمواطنين.
وفي السياق ذاته، بيّن حاكم المصرف أن الاستراتيجية الاقتصادية المعتمدة ترتكز على خمس ركائز أساسية، تشمل تحقيق الاستقرار النقدي، وإرساء سوق صرف ثابت وشفاف، وبناء مؤسسات مالية نزيهة وفعالة، وتعزيز التحول الرقمي الآمن والفعال، إلى جانب تطوير علاقات اقتصادية دولية متوازنة تخدم مصالح الاقتصاد الوطني وتواكب التحولات الرقمية العالمية. وأضاف أن الاستراتيجية تتضمن كذلك اعتماد مصادر تمويل وتدريب مستدامة تضمن التطوير المستمر للقطاع المالي.
واختتم حصرية تصريحاته بالتأكيد على أن العملة الجديدة تمثل انطلاقة جديدة لمستقبل الاقتصاد السوري، وتعكس التزام المصرف بتنفيذ تعهداته ودفع مسار الإصلاح النقدي والمالي بما يعزز الاستقرار ويخدم المصلحة العامة.
هل حذف صفرين من الليرة السورية يعالج التضخم؟
من جانبه قال محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن حذف الأصفار من العملة يُعد إجراء شكليًا وتنظيميًا بالأساس، يهدف إلى تبسيط المعاملات النقدية اليومية وتقليل الأعباء اللوجستية الناتجة عن التعامل بأوراق نقدية ذات قيم اسمية ضخمة، مؤكدًا أن هذا الإجراء لا يؤدي في حد ذاته إلى تحسين القيمة الحقيقية أو القدرة الشرائية للعملة ما لم يكن جزءًا من حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة تعالج الأسباب الهيكلية لتدهورها.
وأوضح الشوربجي، أن التجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن حذف الأصفار غالبًا ما يأتي بعد فترات من التضخم المفرط أو الانهيارات الحادة في أسعار الصرف، عندما تصبح المعاملات اليومية مرهقة للمواطنين، ويضطرون إلى استخدام رزم كبيرة من الأوراق النقدية لدفع مبالغ محدودة.
وأضاف أنَّ دولًا مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وتركيا في عام 2005، والبرازيل، وفنزويلا، جميعها خاضت تجارب متفاوتة في هذا المسار، موضحًا أن النجاح لم يتحقق إلا في الحالات التي ترافقت فيها الخطوة مع استقرار اقتصادي حقيقي وإصلاحات جذرية، بينما فشلت في تجارب أخرى تم تطبيقها كحل شكلي فقط.
اقرأ أيضًا: بعد 14 عاماً من الحرب.. 900 مليار دولار فاتورة إعادة إعمار سوريا
من يحدد عدد الأصفار التي يتم حذفها؟
حول من يحدد عدد الأصفار التي يتم حذفها ولماذا يتم اختيار صفرين تحديدًا، أكد الخبير الاقتصادي أن المصارف المركزية هي الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ هذا القرار، مشيرًا إلى أن الأمر لا يخضع للاجتهاد، بل يعتمد على مجموعة من العوامل الفنية والاقتصادية؛ في مقدمتها مستوى سعر الصرف، والتوقعات المستقبلية للتضخم، وقدرة الدولة على منع تكرار الانهيار النقدي بعد تنفيذ القرار.
وفي هذا السياق، حذر الشوربجي من أنَّ حذف عدد كبير من الأصفار دون معالجة الجذور الاقتصادية قد يؤدي إلى دوامة نقدية خطيرة، تعود فيها الأصفار للظهور خلال فترة قصيرة، ما يفقد الإجراء مصداقيته ويزيد حالة الارتباك في السوق.
جذور أزمة الليرة السورية
أشار الشوربجي إلى أن الانهيار الأكبر لليرة السورية وقع خلال سنوات الحرب، نتيجة فقدان السيطرة على موارد أساسية مثل النفط، وتوسع نطاق العقوبات الاقتصادية، ثم تأثر سوريا بالأزمة المالية في لبنان بحكم الترابط المالي غير المباشر بين البلدين.
لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن سعر صرف الليرة شهد تحسنًا نسبيًا خلال الفترة الأخيرة مقارنة بذروات الانهيار السابقة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول توقيت وجدوى حذف الأصفار حاليًا، في ظل غياب موجة انهيار حاد جديدة في سعر الصرف.
هل ينهي الإصدار الجديد طوابير المصارف؟
أكد الخبير الاقتصادي أن أزمة السيولة تمثل التحدي الأعمق والأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد الأصفار أو شكل العملة، بل في نقص السيولة النقدية داخل النظام المصرفي، وأضاف أن عددًا كبيرًا من المواطنين يواجهون صعوبات حقيقية في سحب رواتبهم أو معاشاتهم رغم امتلاكهم حسابات مصرفية، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في إدارة النقد والسيولة، وليس مجرد أزمة تصميم نقدي.
وأشار الشوربجي إلى أن طباعة أوراق نقدية جديدة، سواء مع حذف الأصفار أو بدونه، قد تسهم في تخفيف أزمة السيولة بشكل مؤقت، لكنه شدد على أن السؤال الجوهري يظل: كيف ستُدار هذه السيولة؟ كما أنّه لفت إلى أن ضخ الأموال دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية جديدة، في حين أن التشديد المفرط للقيود قد يفاقم الأزمة ويبقيها قائمة.
التحول الرقمي والدفع الإلكتروني في سوريا
أوضح الشوربجي أن خيار التحول الرقمي والدفع الإلكتروني يُطرح أحيانًا كبديل عن التداول الكثيف للأوراق النقدية، لكنه في الواقع ليس حلًا سحريًا، حيث إنّه يتطلب بنية تحتية رقمية قوية، وثقة عامة في المصارف، ونظامًا مصرفيًا قادرًا على تلبية الطلب، وهي شروط لا تزال محل تحد كبير في الحالة السورية.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن حذف صفرين من الليرة السورية قد يكون خطوة تنظيمية مفيدة لتسهيل التعاملات اليومية وتقليل العبء النفسي والعملي لاستخدام عملة متضخمة الأرقام، لكنه ليس حلًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.
وشدد أخيرًا على أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بـمعالجة جذور الأزمة الاقتصادية، وفي مقدمتها ضبط السيولة، واستقرار سعر الصرف، وإصلاح المالية العامة، ودعم الإنتاج الحقيقي، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، محذرًا من أن غياب هذه الشروط يبقي خطر عودة التضخم وظهور أصفار جديدة قائمًا، مهما تغير شكل العملة أو اسمها.
قد يهمّك أيضًا: سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار
