في كل مرة تهتز فيها الأسواق العالمية أو تتغير قواعد التجارة والطاقة، يظهر اسم مجموعة السبع في الخلفية قبل أن يصل الخبر إلى العناوين! هذا التكرار لم يأتِ من فراغ، فالمجموعة التي لا تمتلك ميثاقًا ولا صلاحيات رسمية ما تزال حاضرة في أكثر القرارات الاقتصادية حساسية، من العقوبات إلى سلاسل الإمداد والطاقة، فما طبيعة هذا النظام المعقد، وما الذي يجعله لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي، وكيف تشكّل دوره عبر العقود؟
ما هي مجموعة السبع؟
تُعتبر مجموعة السبع (G7) تكتلاً غير رسمي يضم سبعًا من أكبر الاقتصادات المتقدمة في العالم، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من كونها ليست منظمة دولية رسمية إلا أنّها تعمل كمنتدى يجمع رؤساء الدول والحكومات للدول الصناعية الكبرى لمناقشة القضايا الاقتصادية والجيوسياسية العالمية الأكثر إلحاحًا، وبحث إمكانية التنسيق في السياسات والإجراءات.
تنعقد قمة مجموعة السبع سنويًا، حيث يتيح هذا اللقاء للأعضاء تبادل الرؤى ووضع استراتيجيات مشتركة لمعالجة التحديات الاقتصادية العالمية؛ مثل النمو المستدام، والتجارة الدولية، والاستقرار المالي. وبالرغم من أن القرارات الصادرة عن المجموعة لا تمتلك قوة قانونية ملزمة، إلا أن تأثيرها السياسي والاقتصادي يكون ملموسًا على مستوى السياسات الوطنية والدولية، ما يجعلها قادرة على توجيه الأجندة الاقتصادية العالمية والمساهمة في بناء توافق واسع حول الإجراءات التنسيقية الضرورية لمواجهة القضايا المشتركة.
الدول الصناعية السبع
تضم مجموعة السبع كلاً من كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، كما يتم تمثيل الاتحاد الأوروبي في جميع اجتماعات المجموعة من خلال رئيسَي المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، مع الإشارة إلى أنه عضو فريد من نوعه كونه منظمة فوق وطنية وليست دولة ذات سيادة، وبالتالي لا يتولى الرئاسة الدورية للمجموعة.
أما رئاسة مجموعة السبع فتنظم بطريقة دورية تتناوب بين الدول الأعضاء سنويًا، بحيث تتولى الدولة الرئيسة مسؤولية تحديد جدول أعمال العام، واستضافة وتنظيم القمة السنوية، إلى جانب إدارة الاجتماعات بين الوزراء وكبار المسؤولين على مدار السنة.
هل روسيا من مجموعة السبع؟
في العام 1998، توسَّعت المجموعة لتصبح مجموعة الثماني (G8) بعد انضمام روسيا كعضو كامل، ما أتاح لها تعزيز دورها في القضايا الاقتصادية والسياسية العالمية، لكن تمَّ تعليق عضويتها بشكل غير محدد في عام 2014 عقب ضمّها غير القانوني لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، فعادت المجموعة إلى هيكلها الأصلي المعروف بمجموعة السبع.
تاريخ وتطور مجموعة السبع (G7)
تعود أصول مجموعة السبع إلى اجتماعات عُقدت في السبعينيات بين وزراء مالية بعض الدول الصناعية الكبرى، لمناقشة الاستجابة للتحديات الاقتصادية العالمية آنذاك، حيث تأسست “مجموعة الست” التي ضمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة في عام 1975، بهدف البحث في سبل مواجهة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن أزمة النفط العالمية في منتصف السبعينيات، وكانت فرنسا قد استضافت أول اجتماع رسمي لهذه المجموعة في العام نفسه، ثمّ انضمت كندا في عام 1976 لتكتمل بذلك تشكيلة مجموعة السبع كما نعرفها اليوم.
ومع مرور الوقت، وسعت المجموعة نطاق عملها ليشمل قضايا الأمن الدولي وحقوق الإنسان والاستقرار العالمي، لتتحول تدريجيًا من منتدى اقتصادي بحت إلى منصة متكاملة لمناقشة السياسات العالمية. وبحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، أصبحت التفاعلات مع الدول النامية جزءًا أساسيًا من أجندة المجموعة، بما يعكس سعيها لتحقيق تأثير أوسع على الاقتصاد العالمي والسياسات الدولية.
الذكرى الخمسين لقمة مجموعة السبع في كندا
احتفلت مجموعة السبع بذكراها الخمسين عام 2025 من خلال قمة القادة التي استضافتها كندا في كاناناسكيس، ألبرتا، في الفترة من 15 إلى 17 يونيو، وقد عكست هذه القمة خمسين عامًا من التنسيق الاقتصادي والسياسات المشتركة بين أكبر الاقتصادات المتقدمة في العالم.
لكن على خلاف بعض القمم السابقة، لم تصدر القمة بيانًا ختاميًا موحدًا وشاملًا يغطي مجمل القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى، وذلك نتيجة تباينات في المواقف بين الدول الأعضاء حيال عدد من الملفات الجيوسياسية الحساسة، إلا أن ذلك لا يعني غياب النتائج؛ إذ أصدرت دول المجموعة عدة بيانات مشتركة منفصلة تناولت ملفات محددة، من أبرزها:
- سلاسل إمداد المعادن الحيوية وتعزيز أمنها في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية.
- حوكمة الذكاء الاصطناعي ووضع أطر تنسيقية لاستخدامه بشكل آمن ومسؤول.
- التكنولوجيا الكمومية والتعاون البحثي بين الدول الصناعية.
- مكافحة حرائق الغابات والتعامل مع تداعيات التغير المناخي.
- مواجهة التدخلات الأجنبية والجريمة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب البشر وغسل الأموال.
أجندات مهمة ضمن أولويات مجموعة السبع
لطالما مثّلت مجموعة السبع (G7) قوة دافعة في صياغة الأجندة الدولية، حيث تعمل كمنتدى لتنسيق السياسات العالمية، وعلى مر السنوات ركزت المجموعة جهودها بشكل متزايد على قضايا مصيرية، مثل الاستدامة البيئية والأمن الغذائي وإصلاح النظام الضريبي العالمي، والأمن العالمي، والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك.
الأمن العالمي والصراعات الجيوسياسية
تعمل مجموعة السبع كمنتدى مركزي لتنسيق المواقف تجاه الأزمات والصراعات العالمية، مؤكدة على ضرورة دعم النظام الدولي القائم على القواعد وضمان الاستقرار الاقتصادي في مواجهة التهديدات، وقد تمثّل ذلك في:
- تنسيق الاستجابات المشتركة للأزمات والصراعات الدولية الكبرى (مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ).
- الالتزام المشترك بدعم وتعزيز نظام دولي متعدد الأطراف قائم على القواعد، والعمل على محاسبة من ينتهك القانون الدولي.
- مناقشة واسعة للتهديدات الأمنية المتنامية، إلى جانب جهود مستمرة لتعزيز أمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد العالمية.
التكنولوجيا الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي (AI)
تولي مجموعة السبع اهتماماً خاصاً لحوكمة التكنولوجيا الناشئة، وتعمل على وضع مبادئ توجيهية دولية لضمان أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي مسؤولاً وموثوقاً به ومحوره الإنسان، ويتمثل ذلك بما يأتي:
- مناقشة القضايا المتعلقة بضمان بناء بنية تحتية رقمية موثوقة وآمنة، ودعم مبدأ “التدفق الحر للبيانات مع الثقة”.
- وضع مبادئ توجيهية دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تركز على تطوير ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي مسؤولة، وآمنة، وموثوقة، ومحورها الإنسان.
- مكافحة التهديدات السيبرانية المتزايدة وحملات المعلومات المضللة.
اقر أيضًا: تكلفة الهجمات السيبرانية عالميًا.. مليار دولار كل ساعة!
الجهود المتعلقة بالطاقة والحياد الكربوني
تتصدر قضايا الطاقة والمناخ جدول أعمال المجموعة، مع تركيز خاص على تحقيق الحياد الكربوني والتخلص التدريجي من مصادر الطاقة الملوثة؛ حيث التزمت مجموعة السبع بما يأتي:
- تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050 على أقصى تقدير.
- الحفاظ على هدف الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية.
- الاتقاق على وقف تمويل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم في الخارج.
- توسيع مصادر الطاقة المتجددة والتخلص التدريجي من جميع أنواع الوقود الأحفوري في قطاع الطاقة.
الجهود المتعلقة بالبيئة والتنوع البيولوجي والتلوث
تضع المجموعة تحديات التنوع البيولوجي، ومكافحة التلوث، وإدارة الموارد المائية في صلب أولوياتها، وقد أكدت تصميمها على مكافحة الأزمة الكوكبية الثلاثية (تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث). وبرز ذلك في قراراتها خلال القمم الأخيرة كما يأتي:
- إبرام “صفقة المحيطات لمجموعة السبع”.
- الاتفاق على أن دول المجموعة لن تدعم التعدين في أعماق البحار إلا إذا لم يتسبب في ضرر بيئي جسيم.
- تأكيد هدف وضع 30% من المناطق البرية والبحرية تحت الحماية بحلول عام 2030.
- الالتزام بإنهاء التلوث البلاستيكي الإضافي بحلول عام 2040.
- تأسيس “تحالف المياه لمجموعة السبع” لتعزيز مكافحة أزمة المياه العالمية.
الزراعة والأمن الغذائي
تُعد مجموعة السبع منتدى رئيسًا لتنسيق الجهود السياسية لدعم التحول المستدام للقطاع الزراعي، خاصة بعد أن أعادت الصدمات العالمية (مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا) قضية الأمن الغذائي إلى صدارة الأجندة الدولية، وقد تجسد هذا الاهتمام من خلال المبادرات التاريخية الآتية:
- قمة عام 2010 (تحت مجموعة الثماني)
أظهر القادة التزامهم بتقديم مساعدة مباشرة بتخصيص 22 مليار دولار أمريكي لمبادرة لاكويلا للأمن الغذائي (AFSI)، بهدف تعزيز إنتاج الغذاء في البلدان الضعيفة.
- قمة عام 2016
وسعت المجموعة نطاق تركيزها ليشمل تمكين المزارعين من خلال نقل المعرفة، وتسهيل الوصول إلى تقنيات الزراعة الدقيقة، وزيادة الفرص للنساء والشباب، وتوسيع مشاركتهم في سلاسل القيمة الغذائية، وتكللت هذه الجهود بوضع أولويات واضحة للمسار الزراعي خلال رئاستها الأخيرة.
- الرئاسة الألمانية 2022
ركزت على دمج أهداف الأمن الغذائي الفوري مع متطلبات الاستدامة البيئية طويلة الأجل، وذلك من خلال ما يأتي:
- تحقيق الأمن الغذائي العالمي.
- تعزيز سلاسل الإمداد الزراعية المستدامة والخالية من إزالة الغابات.
- توفير فرص الزراعة الكربونية.
- الحد المستمر من استخدام المبيدات الزراعية.
- حماية المناخ والتنوع البيولوجي في سياق الممارسات الزراعية.
مقارنة مجموعة السبع بمنظمات أخرى
تلعب مجموعة السبع دوراً محورياً في تنسيق المواقف تجاه الأزمات الجيوسياسية، وقد ظهر ذلك في فرض واحدة من أقسى حزم العقوبات المنسّقة على روسيا، إلى جانب إطلاق مبادرة “الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي” التي صُممت لمنافسة مشروع “الحزام والطريق” الصيني وتوسيع النفوذ الاستثماري الغربي.
ومع ذلك، تكشف بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2025 عن تحولات بنيوية في موازين القوة الاقتصادية؛ فبينما كانت مجموعة السبع تهيمن في الثمانينيات على ما يقارب 70% من الناتج المحلي العالمي، تراجعت حصتها اليوم -وفق قياسات تعادل القوة الشرائية (PPP)- إلى ما يقارب 28%–29% فقط،
وهُنا يبرز إطار مجموعة العشرين (G20) كمنصة اقتصادية أكثر تمثيلاً، إذ تجمع دول السبع مع قوى صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا، وتضم دولاً تمثل في مجموعها نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و75% من التجارة الدولية، وقرابة ثلثي سكان العالم، مما يجعل قراراتها ذات وزن مؤسسي وتأثير تنظيمي يتجاوز بكثير شرعية “نادي الاقتصادات المتقدمة”.
في المقابل، تشكل مجموعة بريكس، خاصة بعد توسعها التاريخي، التحدي الأكثر بروزاً للهيمنة الاقتصادية الغربية؛ فمن حيث الحجم الديموغرافي تمثل دول البريكس أكثر من 45% من سكان العالم، وقد تجاوزت بالفعل مجموعة السبع في إجمالي الناتج المحلي المقوم بـ “تعادل القوة الشرائية”، حيث تسيطر البريكس حالياً على نحو 36% من الاقتصاد العالمي مقابل حوالي 30% لمجموعة السبع.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تواصل مجموعة السبع لعب دور مؤثر في تنسيق السياسات بين أكبر الاقتصادات المتقدمة، رغم تصاعد أدوار تكتلات أخرى أكثر شمولًا. وبينما لم تعد المجموعة اللاعب الأوحد في النظام الاقتصادي الدولي، فإن قدرتها على صياغة التوجهات العامة، والتأثير في ملفات الطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، تجعلها فاعلًا رئيسًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة من الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا: هل تهيمن مجموعة بريكس على الاقتصاد العالمي؟