مجموعة بريكس ترد على ترامب.. تنسيق اقتصادي بلا صدام مباشر
تقرير: باسل محمود
بينما تهبّ رياح التوترات التجارية عبر العالم، اجتمع وزراء خارجية مجموعة “بريكس” للدول النامية في مدينة ريو دي جانيرو واضعين نصب أعينهم هدفًا واضحًا، وهو تنسيق رد مشترك على السياسات التجارية الأحادية التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب رويترز.
لم يكن اجتماع الاثنين مجرد جلسة عابرة أخرى ضمن اللقاءات الدبلوماسية الروتينية، فقد حمل بين طيّاته محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين القوى الاقتصادية الناشئة والنظام التجاري العالمي الذي بات مهددًا بموجات من الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية، أحدثها وابل العقوبات التجارية الأمريكية.
بحث وزراء بريكس التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إضافة إلى ست دول جديدة، كيفية وضع حدّ للسياسات الأحادية التي تهدد بتفتيت أسس التجارة العالمية، وصياغة بيان مشترك يُعيد التأكيد على مركزية المفاوضات متعددة الأطراف.
بيان مشترك.. نبرة انتقاد بلا صدام
بحسب السفير البرازيلي ماوريسيو ليريو، يسعى وزراء بريكس إلى صياغة إعلان ينتقد الإجراءات الأحادية في التجارة، دون التورط في لهجة تصادمية مباشرة قد تُعقّد المشهد الدولي أكثر مما هو عليه.
وقال ليريو: “سيعيد الوزراء التأكيد على انتقادهم للتدابير أحادية الجانب أياً كان مصدرها”، موضحًا أن ذلك الموقف يُمثل خطًا ثابتًا في سياسات المجموعة منذ تأسيسها.
ورغم إصرار الصين، التي تواجه رسوماً أمريكية ثقيلة تصل إلى 145% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، على استخدام لهجة أشد، إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن النص النهائي للبيان سيكون “انتقاديًا لا صداميًا”، حرصًا على إبقاء الأبواب مفتوحة أمام مفاوضات مستقبلية مع واشنطن.
مصر والسعودية في قلب المعادلة الجديدة
التكتل الذي انطلق بخمس دول عام 2009 لم يعد اليوم كما كان، فقد توسع في الآونة الأخيرة ليشمل ست دول إضافية هي مصر، والسعودية، والإمارات، وإثيوبيا، وإندونيسيا، وإيران، ما أعطى المجموعة وزنًا اقتصاديًا أكبر، وصوتًا جماعيًا أقوى في القضايا العالمية.
ومع هذا التوسع، تكتسب مواقف بريكس بشأن التجارة والنظام المالي العالمي أهمية مضاعفة، خصوصًا في ظل تفكير بعض الدول الأعضاء في تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي في معاملاتها التجارية.
هذه الخلفية تجعل الرد على سياسات ترامب ليس مجرد خلاف تجاري، بل جزءًا من إعادة رسم الخريطة الاقتصادية العالمية لعقود قادمة.
اقرأ أيضًا: مصر في “بريكس”.. انطلاقة جديدة في التعاون الدولي
ترامب يهدد: رسوم 100% على بريكس
لم يقف التصعيد عند فرض رسوم على السلع الصينية، فبحسب تقارير رويترز، لوّح الرئيس الأمريكي بإمكانية فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على صادرات دول بريكس مجتمعة، إذا مضت في مشروع اعتماد عملة موحدة بديلة عن الدولار الأمريكي.
ورغم أن البرازيل -خلال رئاستها الحالية للمجموعة- تخلّت رسميًا عن فكرة العملة الموحدة، إلا أن أجندة النقاشات بقيت مفتوحة على مقترحات تهدف إلى تقليص الاعتماد المفرط على الدولار في التبادلات التجارية، وهي فكرة تزعج الإدارة الأمريكية بشكل خاص.
التهديد الأمريكي يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تحرك جماعي من تكتل بحجم بريكس -يضم أكثر من 40% من سكان العالم- يمكن أن يُغيّر موازين القوة الاقتصادية العالمية بطريقة يصعب احتواؤها بسهولة.
اقرأ المزيد: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار
كيف تؤثر التوترات التجارية على أجندة بريكس المناخية؟
في خلفية المشهد، تتجه الأنظار إلى قمة الأمم المتحدة للمناخ التي تستضيفها البرازيل في نوفمبر المقبل، حيث تسعى دول بريكس إلى تنسيق موقف موحد بشأن تمويل التصدي لتغير المناخ، أحد أولويات البرازيل خلال رئاستها للمجموعة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة من الدول الغنية على الاقتصادات الناشئة، خصوصًا الصين، للمساهمة بشكل أكبر في تمويل مشاريع التكيف المناخي، تتخذ النقاشات حول المسؤوليات المالية بُعْدًا أكثر حساسية.
وقد حسم السفير ليريو الموقف البرازيلي بقوله: “الالتزام المالي لتمويل التصدي لتغير المناخ والتحول في الطاقة يقع على عاتق البلدان الغنية”. وأضاف: “ما هو غير مدرج على جدول الأعمال هو إعادة النظر في البلدان التي يتعين عليها دفع تكاليف التحول في مجال الطاقة”.
في هذا السياق، يبدو أن بريكس تُعِدّ العدة لفرض قواعد جديدة في التمويل المناخي، تضع العبء الأساسي على عاتق الدول الصناعية الكبرى، وفقًا لمبدأ “العدالة المناخية”.
اقرأ أيضًا: الصين تبني محطات فحم جديدة حتى 2027 رغم وعودها المناخية
التحرر من الدولار
رغم تخلي البرازيل عن الدفع الفوري نحو عملة موحدة لبريكس إلَّا أنَّ النقاش حول “التحرر التدريجي” من الدولار لا يزال قائمًا بقوة؛ حيث تدرس المجموعة استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وتوسيع استخدام آليات المقاصة بالعملات الوطنية، وتقوية المؤسسات المالية المستقلة مثل بنك التنمية الجديد (New Development Bank).
هذه الخطوات -وإن بدت تدريجية- تُرسل إشارة إلى واشنطن بأن العالم يتغير، وأن مركزية الدولار لم تعُد مسألة محسومة كما كانت طوال القرن الماضي.
اقرأ أيضًا: البرازيل تلغي فكرة العملة المشتركة لمجموعة “بريكس” البديلة للدولار
رسائل صامتة.. لكنها مدوية
في قراءة متأنية لمخرجات اجتماع ريو، يتضح أن بريكس تسير على حبل دقيق، من خلال انتهاجها أسلوب الانتقاد الصريح دون التورط في صدام مباشر.
فبينما يدرك قادة المجموعة مخاطر تحدي النظام المالي العالمي بطريقة فجّة، فإنهم بنفس الوقت يُصرون على إحداث تغييرات تدريجية تُعيد التوازن إلى علاقات التجارة والاستثمار، بما يخدم مصالح الاقتصادات الناشئة.
البيان المنتظر عن الاجتماع سيكون بمثابة اختبار دقيق لقدرة التكتل على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي.
قد يهمّك أيضًا: كيف تساهم مجموعة بريكس فى تشكيل مستقبل الأسواق العالمية؟