محادثات مسقط: لماذا بقي الملف النووي الإيراني بلا تسوية؟

في مسقط، حيث اعتادت القنوات الخلفية أن تختبر احتمالات التهدئة قبل الانفجار، عادت المحادثات الأمريكية الإيرانية لتؤكد حقيقة باتت راسخة، مفادها أنّ الأزمة النووية لم تعد خلافًا تقنيًا حول مستويات تخصيب، بل صراعًا سياسيًا وأمنيًا على خطوط النفوذ وحدود الردع.

ورغم أن طهران لم تغيّر موقفها، ولم تُبدِ واشنطن أي تخفيف لشروطها، فإن الطرفين خرجا بإشارة واحدة مشتركة تفيد بأن باب الحوار لم يُغلق بالكامل، حتى وإن ظل معلقًا فوق هاوية الحرب، وفقًا لما نقلته وول ستريت جورنال.

مواقف ثابتة تحت مظلة محادثات مسقط

الرسالة الإيرانية كانت واضحة منذ اللحظة الأولى، وتمثلت في الرفض الكامل لإنهاء تخصيب اليورانيوم أو نقل النشاط إلى خارج البلاد، باعتباره خطًا سياديًا لا تفاوض فيه، وهذا لم يكن مفاجئًا، لكنه حمل دلالته السياسية في توقيته، خاصة أن طهران اختارت إيصال الموقف عبر قنوات غير مباشرة، ودون اللقاء وجهًا لوجه، في إشارة إلى أن سقف التنازل محدود حتى على مستوى الشكل.

في المقابل، لم تتراجع الولايات المتحدة عن مطلبها الأساسي بوقف التخصيب، مع توسيع جدول التفاوض ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران للجماعات المسلحة في المنطقة.

هذا التباعد بين المطلبين يعكس فجوة تفاوضية أكبر من أن تُردم بجولة واحدة أو بوساطة تقليدية، وحرص الطرفين على إبقاء باب المحادثات مفتوحًا وتوصيف البداية بأنها “جيدة” لم يكن إشادة بالنتائج، بل تأكيدًا على أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، ولو بحده الأدنى.

لماذا أصبح تخصيب اليورانيوم جوهر الصراع؟

من الناحية الاقتصادية السياسية، يمثل تخصيب اليورانيوم لإيران أكثر من ملف نووي، فهو ورقة تفاوض مركزية، وأداة توازن في مواجهة العقوبات، وضمانة بقاء في نظام إقليمي شديد السيولة، والتخلي عنه بلا مقابل جوهري يعني خسارة أحد آخر عناصر الضغط التي تملكها طهران.

في المقابل، ترى واشنطن أن استمرار التخصيب، حتى عند مستويات منخفضة، يترك الباب مفتوحًا أمام قفزات سريعة نحو القدرات العسكرية، ويقوض أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الخليج، لذلك تصر على “زوال” البرنامج، وليس فقط تجميده أو ضبطه، وهذا التعارض يجعل من التخصيب عقدة لا تقنية، لأن أي حل وسط تقني سيُقرأ سياسيًا كتنازل استراتيجي من أحد الطرفين.

اقرأ أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟

وساطة مسقط.. دبلوماسية “الحد الأدنى”

انخفاض سقف التوقعات قبل الاجتماع لم يكن مصادفة؛ فقد تحدّث مسؤولون إقليميون ومحللون صراحة عن أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو خفض التصعيد، لا اتفاق شامل، وفي هذا السياق يصبح مجرد عقد اللقاء بحد ذاته نتيجة، لا مقدمة لنتائج كبيرة.

وعلى الجانب الآخر، لعبت الوساطة العمانية دورًا تقليديًا تمثل في تمرير الرسائل ومنع الانزلاق إلى القطيعة، لكن الوسيط -مهما بلغت مهارته- لا يستطيع تعويض غياب الاستعداد السياسي للتنازل، إذ إنّ عدم اللقاء المباشر بين الوفدين كان انعكاسًا لحسابات دقيقة، فطهران لا تريد منح صورة تفاوضية توحي بمرونة أكبر مما هي مستعدة له، وواشنطن -من جهتها- تدرك أنَّ أي صورة مصافحة بلا تغيير جوهري ستُفسر داخليًا كضعف.

الحسابات العسكرية لا تزال قائمة

لا يمكن فصل هذه المحادثات عن سياقها العسكري، فاللقاء جاء بعد أول تواصل أمريكي-إيراني منذ حرب الاثني عشر يومًا في يونيو، والتي انتهت بضربة جوية أمريكية لمواقع نووية إيرانية محورية، وهذه السابقة غيّرت حسابات الردع، وأعادت تعريف ما هو “ممكن” عسكريًا.

كما أنّ إعادة حشد القوات الجوية والبحرية الأمريكية قرب إيران ليست تفصيلًا، بل رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، مفادها أن البدائل ليست نظرية، وتصريحات البيت الأبيض عكست هذا التوازن المقصود.

فضلًا عن ذلك، فإنّ إشراك مسؤولين عسكريين أمريكيين في المشهد -ولو بشكل غير مباشر- يعزز هذا الانطباع، فالدبلوماسية هنا لا تعمل في فراغ، بل تحت سقف محدد بالقوة.

اقرأ أيضًا: “احتلوا المؤسسات”.. كيف يترجم المستثمرون رسائل ترامب لإيران؟

إيران تفاوض من موقع ضعف.. لكنها لا تتنازل

من المفارقات أن طهران تدخل هذه الجولة وهي في أضعف موقع لها منذ سنوات، حيث تضررت منشآتها أو دُفنت تحت الأنقاض، واقتصادها يعاني من انهيار العملة، فضلًا عن الاحتجاجات الداخلية غير المسبوقة والتي تم قمعها بتكلفة اجتماعية وسياسية عالية، ومع ذلك فالقيادة تختار التمسك بالخطوط الحمراء، ما يعكس قراءة إيرانية مفادها أن تقديم تنازل جذري الآن قد يُفسر داخليا كاستسلام، ويشجع الضغوط الخارجية على طلب المزيد.

وفي حسابات النظام، الحفاظ على التخصيب -ولو رمزيًا- أقل كلفة من فتح باب تنازلات لا يمكن إغلاقه، في الوقت نفسه تلوّح طهران بخيار التصعيد الإقليمي إذا تعرضت لهجوم جديد، محاوِلة إعادة ترميم ميزان الردع عبر التهديد غير المباشر.

استراتيجية واشنطن.. البحث عن “صفقة شاملة”

على الجانب الأمريكي، يظهر اهتمام حقيقي بعقد صفقة لكن ضمن شروطها الصارمة؛ فالإدارة الأمريكية تريد اتفاقًا أوسع من النووي، يشمل الصواريخ والدور الإقليمي، ما يجعل التوصل إلى صيغة واحدة أكثر تعقيدًا، لا سيّما أنّ تصريحات كبار المسؤولين تؤكد أن أي اتفاق لا يعالج هذه الملفات سيكون ناقصًا.

هذا التوسع في الأجندة يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن التركيز على التخصيب وحده لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يزيد من صعوبة الوصول إلى اتفاق سريع، غير أنّ القيود الداخلية الأمريكية تلعب دورها أيضًا، فأي صفقة يُنظر إليها باعتبارها “خفيفة” قد تواجه معارضة سياسية حادة، ما يدفع واشنطن إلى التشدد في شروطها الافتتاحية.

الجدير بالذكر أنّ الخلاف لم يقتصر على الجوهر بل امتد إلى الشكل؛ فمكان اللقاء وصيغة المحادثات وحتى توقيتها تحولت إلى نقاط خلاف. واعتراض طهران على عقد الاجتماع في تركيا، ورفضها لصيغة إقليمية موسعة، يكشف حساسية عالية تجاه الإطار الذي يُدار فيه التفاوض، كما أن الحوادث الميدانية، من المسيّرات إلى التحرش البحري، زادت الشكوك حول إمكانية انعقاد اللقاء أصلا، وفي مثل هذه الأجواء يصبح الاتفاق على مكان الاجتماع إنجازًا إجرائيًا بحد ذاته.

ماذا تعني هذه الجولة للسوق والسياسة؟

اقتصاديًا، استمرار الغموض يعني بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية مرتفعة في أسواق الطاقة، فأي فشل في خفض التصعيد ينعكس مباشرة على تسعير النفط، والتأمين البحري، والاستثمار في المنطقة، والأسواق لا تنتظر الاتفاق بقدر ما تراقب احتمالات الانفجار.

أما سياسيًا، فالجولة تؤكد أن مسار التفاوض سيكون طويلًا ومجزأً، حيث لن يكون هناك صفقة كبرى في الأفق، لكن يُستبعد أن تنشب حرب شاملة أيضًا، على الأقل في المدى القريب، وبهذا فإنّ المنطقة تدخل مرحلة “إدارة الأزمة” بدل حلها.

المشهد يوحي بأن الطرفين يشتريان الوقت؛ فواشنطن تختبر ما إذا كان الضغط سيؤدي إلى مرونة لاحقة، وطهران تراهن على أن الصمود سيُعيد صياغة الشروط، وبين الرهانين تبقى الدبلوماسية قائمة، لا لأنها قوية، بل لأن البديل مكلف على الجميع.

في نهاية المطاف، السؤال لم يعد هل ينتهي تخصيب اليورانيوم، بل متى؟ وبأي ثمن سياسي وأمني؟ حتى ذلك الحين، ستبقى طاولات التفاوض منصوبة بوصفها أداة لإدارة أخطر أزمة في العلاقات بين البلدين منذ عقود، ولو في ظل غياب حلول جذرية قادرة على إنهاء الأزمة من أساسها.

قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب على شركاء إيران تشعل توترًا تجاريًا جديدًا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة