محور التهريب.. هكذا أفشلت الصين العقوبات الغربية

تقرير: باسل محمود

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، يبدو أن استخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية، أصبح أحد أبرز الأدوات في حقيبة السياسة الخارجية للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة.

هدف هذه العقوبات، هو تقويض القدرة الاقتصادية والعسكرية للدول والكيانات، التي تُعتبر خصومًا لهذه الدول، دون اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، ولكن هل تم تحقيق هذا الهدف على الواقع؟

محور التهريب

بالنظر إلى الأحداث الجارية في العالم، يبدو أن العقوبات الغربية قد أسفرت بالفعل عن ظاهرة غير متوقعة، وهي ما يمكن وصفه بـ “محور التهريب”، الذي تقوده الصين.

بدلاً من إلحاق الهزيمة بالأعداء المفترضين للولايات المتحدة، فإن هذه العقوبات والضغوط الاقتصادية، أدت إلى تكوين اقتصاد ظل عالمي، يربط بين الدول غير الحليفة للولايات المتحدة مع الصين.

يُشير مسؤولون غربيون وبيانات جمركية، إلى أن القيود المالية والتجارية غير المسبوقة على روسيا وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية والصين وغيرها من الأعداء المفترضين لأميركا، قد ضغطت على تلك الاقتصادات، من خلال تقليل الوصول إلى السلع الغربية والأسواق.

ومع ذلك، فقد نجحت بكين في الآونة الأخيرة، في تحطيم تلك الجهود التي تقودها الولايات المتحدة من خلال تعزيز الروابط التجارية.

المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن ليو بينغيو، يقول: “تقوم الصين بتنفيذ تبادلات اقتصادية وتجارية طبيعية مع الدول ذات الصلة على أساس المساواة والفائدة المتبادلة وهذه الصفقات ذات الصلة بموجب القانون الدولي هي قانونية وشرعية، وبالتالي يجب أن تحترم وتحمى”.

تأثير العقوبات الغربية

تقول الدكتورة مها الشيخ، الأستاذ المساعد في سلاسل التوريد بجامعة الشرق الأوسط بالأردن لـ”Econpedia”: ” من وجهة نظري، أدت العقوبات الغربية بشكل غير مقصود إلى تغذية صعود ما يعتبر محور التهرب بقيادة الصين”.

أضافت: “أعتقد أن العقوبات الغربية، التي كانت تهدف في الأصل إلى إضعاف خصوم أميركا، أسفرت عن عواقب غير متوقعة، فبدلاً من تحقيق أهدافها المقصودة، ساهمت هذه العقوبات في تشكيل اقتصاد ظل معقد، حيث تلعب الصين دورًا محوريًا، يعكس طموحها لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي، حيث إنه من خلال شراء النفط منخفض السعر من روسيا وإيران وفنزويلا، لا تعمل الصين على تعزيز مرونتها الاقتصادية فحسب، بل تؤكد أيضاً على نفسها كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية”.

تجاوز العقوبات

يقول الباحث الاقتصادي، الدكتور عامر الشوبكي، في تصريحات لـ”Econpedia”، إن تغيير السياسات الغربية تجاه الدول غير الحلفاء كان ضعيفاً، لكنه كان مدمراً من الناحية الاقتصادية، فمثلاً تأثير العقوبات الغربية كان مدمراً على الاقتصاد الإيراني، وأوصل طهران إلى حافة الهاوية الاقتصادية في عام 2019، قبل أن تعاود تصدير نفطها في عهد الإدارة الأميركية الديمقراطية، وبالتالي هذا أنقذ الاقتصاد الإيراني من الانهيار.

أضاف: “كذلك بالنسبة للصين، العقوبات في بدايتها على التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية كانت مدمرة لبعض الصناعات الصينية، لكن الصين قامت بتطبيق التكنولوجيا العكسية، وصنّعت رقائق إلكترونية محلية بديلة عن المستوردة، ونفس الأمر في روسيا، كان تأثير العقوبات كبيرا في العام الأول، حيث انكمش الاقتصاد الروسي 1.5% في عام 2022 بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، وهو عام بداية الحرب الروسية على أوكرانيا والعقوبات الغربية التي فرضت على موسكو، ولكن في العام الماضي 2023 نما الاقتصاد الروسي، ومتوقع أن ينمو بنسبة 2.8% في عام 2024، حسب صندوق النقد، وهذا دليل على أن هذه الدول بدأت تتخطى هذه العقوبات فيما بينها”.

نتائج غير متوقعة

محللة الأسواق في الشرق الأوسط لدى “XS.com” رانيا جول، اتفقت مع رأي الشوبكي وأضافت أنه في ظلّ استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تُظهر التطوراتٌ الحديثةٌ، أنّ العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، قد أفضت إلى نتائج غير متوقعة، فبدلًا من إخضاع روسيا، ساهمت هذه العقوبات في دفعها نحو الصين، ممّا أدى إلى تشكّل محور اقتصادي بديل يربط بين الدولتين.

تابعت: “تُشير التقارير إلى أنّ الصين عزّزت علاقاتها التجارية مع روسيا وإيران وفنزويلا، وهي الدول المستهدفة بالعقوبات، ممّا وفّر لها ملاذًا آمنًا من الضغوط الاقتصادية الغربية، وتتبادل هذه الدول السلع والخدمات الحيوية، بما في ذلك النفط والطائرات بدون طيار والتكنولوجيا، متّخذةً من ذلك وسيلةً لتحدّي الهيمنة الغربية على النظام الدولي”.

“من رأيي، يُثير صعود هذا المحور البديل مخاوفَ جيوسياسيةً كبيرةً لدى الولايات المتحدة ودول الغرب، فمن خلال دعمها لروسيا، تُساهم الصين في تعزيز قدرتها على الاستمرار في حربها ضد أوكرانيا، ممّا يُهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، ولذلك، بات من الضروري اتّخاذ خطواتٍ حاسمةٍ لمواجهة هذا التحدّي الجديد، حيث يجب على الدول الغربية تعزيز التنسيق فيما بينها وتنفيذ استراتيجياتٍ فعّالةٍ لكبح جماح هذا المحور البديل، وضمان العدالة والديمقراطية والتعاون مع الجميع”.

توافق الاحتياجات التجارية لدول التهريب

تشير التقارير، إلى وجود توافق تجاري بين دول محور التهريب، فمن جهة، تحصل الصين على النفط من ثلاثة منتجين رئيسيين في أوبك، روسيا وإيران وفنزويلا، بأسعار مخفضة بشكل كبير، وهذا يعتبر فوزًا كبيرًا لأكبر مستورد للنفط في العالم “الصين”، الذي اشترى أكثر من 11 مليون برميل من النفط في اليوم العام الماضي للحفاظ على اقتصاده، في المقابل، تمتلك هذه الدول إيرادات يمكن استخدامها لشراء السلع المعاقبة من الصين.

تقول كيمبرلي دونوفان، من مجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: “إن إيرادات النفط من الصين تدعم اقتصادي إيران وروسيا وتقوض العقوبات الغربية”.

تُطلق دونوفان على هذه المجموعة اسم “محور التهريب”، وتقول إن استخدام الدول للعملة وأنظمة الدفع الصينية لتلك التجارة، يقيد إمكانية السلطات الغربية في الوصول إلى البيانات المالية ويضعف قدرتها على فرض العقوبات.

فوضى اقتصادية عالمية

أوضح الشوبكي، أن كل دولة أو كل جانب، سواء دول محور التهريب، أو جانب القطب الأعظم، الولايات المتحدة والدول الغربية، يحرص على استمالة عدد أكبر من الدول، وبالتالي هذا خلق نوع من الفوضى، مثلا في أفريقيا حدثت سلسلة من الانقلابات، وبالتأكيد لا يمكن إبعادها عن الصراع ما بين محور التهرب والقوى الغربية، وأيضا السيطرة على التجارة العالمية وعلى أمن الممرات البحرية أصبح أضعف، نتيجة وجود محور التهريب.

تابع: “دول الغرب تسعى جاهدة لإيجاد خطوات من خلالها يمكن مواجهة هذا المحور، لكن أعتقد بأن الخيارات محدودة جدا أمام هذه الدول لمواجهة محور التهريب، وأعتقد أن الإجراءات المناسبة هو التفاهم، ووضع أسس أكثر منطقية وعدالة للتعامل مع هذه الدول وهو أجدى من العقوبات”.

“رغم كل العقوبات على الصين وعلى روسيا، فإن اقتصاد الصين ينمو، والنمو موجود أيضاً في روسيا، لذلك أعتقد بأنه سيصل الغرب والولايات المتحدة إلى نقطة تجبرهم على المواجهة المباشرة”.. بحسب الشوبكي.

بينما ترى الأستاذ المساعد في سلاسل التوريد بجامعة الشرق الأوسط بالأردن، أن محور التهريب الذي تقوده الصين، يشير إلى تشكيل تحول كبير في ديناميكيات القوة العالمية، ومع ترسيخ الصين لموطئ قدمها الاقتصادي والاستراتيجي عبر قارات متعددة، فإن التداعيات الجيوسياسية عميقة، ولها آثار بعيدة المدى على الأمن والاستقرار العالميين.

العقوبات الغربية سلاح ذو حدّين

تابعت رانيا جول: “من وجهة نظري وفي خضمّ الصراع الدولي الدائر، باتت العقوبات الاقتصادية أداةً رئيسيةً تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها السياسية، إلا أنّ هذه العقوبات، على الرغم من فاعليتها في بعض الأحيان، قد تُفضي إلى نتائج غير متوقعة، ممّا يُثير تساؤلاتٍ حول جدواها وفعّاليتها على المدى الطويل، حيث تُعدّ العقوبات الغربية المفروضة على روسيا مثالًا صارخًا على ذلك”.

“أعتقد أن صعود هذا المحور البديل، يشير إلى أنّ العقوبات قد لا تكون دائمًا فعّالةً في تحقيق أهدافها المرجوّة، ففي بعض الأحيان، قد تُؤدّي إلى نتائج عكسية، ممّا يُعزّز مكانة الخصوم ويُضاعف من تحدّيات مواجهتهم”.. بحسب رانيا التي أكدت على أنه يجب على الدول الغربية إعادة تقييم استراتيجياتها في استخدام العقوبات الاقتصادية، فقبل فرض أيّ عقوبات، يجب دراسة جميع الاحتمالات بعناية، وتقييم المخاطر والمنافع المحتملة، وبدلاً من الاعتماد على العقوبات كأداةٍ وحيدة، يجب على الدول الغربية السعي لتنويع استراتيجياتها، والتركيز على الحلول الدبلوماسية والتعاون الدولي لتحقيق أهدافها”.

دور الصين

أكمل الشوبكي حديثه قائلاً: “بدون الصين لم يكن أصلا لمحور التهريب وجود، هي لعبت دوراً أساسياً لخلق هذا المحور، مثلا روسيا لولا الصين، لم تكن تستطيع تصدير هذا الجزء الكبير من النفط، وأيضا لم تكن تستطيع استيراد العديد من التكنولوجيا التي فُقدت نتيجة العقوبات، وأيضاً كوريا الشمالية، كانت ستجد نفسها لا تستطيع الاستمرار في تحقيق تقدم في تقنيات الصواريخ أو محركات الطائرات، أو بعض التكنولوجيا المعقدة، التي تستخدمها في تصنيع الأسلحة، كذلك في إيران صناعات الطائرات المسيرة، جزء منها كثير مصنع في الصين”.

بيّنت رانيا جول، أن الصين عززت من علاقاتها التجارية مع الدول المستهدفة بالعقوبات، الأمر الذي ساعد في تفادي تأثير العقوبات الأميركية، حيث إن الكتلة الاقتصادية لهذه الدول، توفر لها الحماية من الحرب المالية الأميركية، حيث تتاجر بكل شيء، من الطائرات بدون طيار إلى النفط.

“تتمتع الصين بعلاقات اقتصادية قوية مع روسيا، والدول التي تسعى للخلاص من الهيمنة الغربية الأميركية على العالم، وتعتبر الصين وروسيا حليفتين جيوسياسيتين، مما يجعل اتحادهما قوة عاتية في وجه السيطرة الغربية الأميركية الحالية على العالم”.. بحسب جول.

أضافت: “تتعامل الصين وروسيا مع محور التهريب كوسيلة لتحدي الهيمنة الغربية في النظام الدولي”.

أضافت مها الشيخ في حديثها: “استفادت الصين من الفرص الاستراتيجية التي قدمتها العقوبات الغربية، ومن خلال تعزيز علاقاتها التجارية مع الدول التي تواجه عقوبات مثل روسيا وإيران وفنزويلا، نجحت الصين في التخفيف من تأثير هذه التدابير العقابية، وتعزيز براعتها الاقتصادية على الساحة العالمية”.

معالجة الضرورات الاستراتيجية

وترى أنه يتعين على القوى الغربية أن تتبنى نهجاً متعدد الأوجه لمعالجة التحديات التي يفرضها محور التهريب هذا، ومن الضروري تعزيز آليات المراقبة والتنظيم التي تستهدف المعاملات التجارية والمالية التي تشمل البلدان الخاضعة للعقوبات، بالإضافة إلى ذلك، من الأهمية بمكان، تطوير أطر دبلوماسية وتجارية بديلة لموازنة نفوذ الصين المتزايد.

أخبار ذات صلة