تقرير: باسل محمود
في صباح اليوم التالي لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ما وصفه بـ”التدمير الشامل” للبرنامج النووي الإيراني، كان المشهد الميداني أكثر غموضاً من الحسم الذي بدت عليه الرسائل السياسية، فبينما كانت الصور الجوية تُظهر فجوات ضخمة في منشأة “فوردو”، تكشف الأقمار الصناعية عن سيناريو مختلف: شيء ما اختفى، وربما قبل الضربة.
منشأة “فوردو” -المعروفة بتحصيناتها العميقة تحت الجبل- أُصيبت مباشرة بقنابل خارقة للتحصينات وزن الواحدة منها 30 ألف رطل، إلا أن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أقرّوا لاحقاً بأن طهران أفرغت على ما يبدو بعض المواد والمعدات الاستراتيجية من المنشأة قبل الهجوم، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
المفارقة أنَّ ذلك حدث في وقت كان فيه الإعلام الأمريكي يتحدّث عن “نجاح عسكري باهر”، لكن ماذا عن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%؟ وأين ذهبت الـ400 كيلوغرام التي تكفي لتصنيع ما بين 9 إلى 10 رؤوس نووية بحسب تقديرات أمريكية؟
واشنطن: لا نعرف أين هو المخزون
خلال مقابلة مع شبكة ABC، قال نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس إن “واشنطن ستُجري محادثات مع الإيرانيين” بشأن الوقود المخصب، لكنه لم يُخفِ أن مصير هذا المخزون غير معروف، خاصة مع تدمير المعدات الأساسية التي تتيح استخدامه في إنتاج أسلحة نووية.
كما أكَّد فانس أن قدرة طهران على تحويل ذلك الوقود إلى قنابل قد “تراجعت بشكل كبير”، لكن دون تأكيد فعلي على تدمير المواد النووية ذاتها، الأمر الذي دفع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى التأكيد أنَّ المفتشين رأوا المخزون للمرة الأخيرة قبل أسبوع من الضربة الجوية، وأن إيران كانت قد “اتخذت تدابير لحمايته”.
مشاهد من الأقمار الصناعية.. شاحنات وغموض
صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها “ماكسار تكنولوجيز” أظهرت بوضوح 16 شاحنة متوقفة عند مدخل نفق رئيسي بمنشأة فوردو قبل ساعات من الهجوم، ما يشير إلى احتمال نقل المعدات أو المواد الحساسة إلى موقع بديل.
بعض المحللين الغربيين، مثل فريق مركز المصادر المفتوحة في لندن، رجّحوا أن إيران كانت تتوقّع ضربة قريبة، وبدأت بالفعل إجراءات الإخلاء.
اللافت أن هذه الشاحنات اختفت لاحقاً من المشهد ولم يُعرف وجهتها، أما الحكومة الإيرانية فاكتفت بالقول إنها “اتخذت خطوات لحماية أمنها النووي”، دون أي توضيحات إضافية.
أين تنتشر المفاعلات النووية في العالم؟ تعرّف إلى الدول الواقعة في الصدارة!
منشأة أصفهان.. الحلقة الأضعف
في تقرير استخباراتي نُقل عن مسؤولين إسرائيليين، تم الكشف عن أنَّ 400 كغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% نُقلت من “فوردو” إلى منشأة أخرى قرب مدينة أصفهان، ووفق تقييمات استخباراتية فإن منشأة أصفهان ليست محصّنة بالقدر الكافي، وقد تكون عرضة لهجوم في أي لحظة.
رافائيل غروسي أكّد أيضاً أن هذه المواد شوهدت آخر مرة داخل منشأة أصفهان قبل نحو أسبوع من الضربة، وهي المعلومة التي تُضفي مزيداً من القلق على المشهد النووي، لأن هذه الكمية من اليورانيوم يمكنها تسليح ما لا يقل عن 9 رؤوس نووية.
اقرأ أيضًا: الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. من التصعيد إلى كسر العظام
فوردو.. دمار جزئي وليس نهاية
رغم ما قيل عن “تدمير شامل”، تشير التقييمات الأمريكية إلى أن منشأة فوردو تعرّضت لأضرار بالغة، لكن من غير المؤكد أنها خرجت من الخدمة نهائياً، فحتى القنابل الخارقة للتحصينات لها حدود أمام هندسة الحفر العميقة التي تميز منشآت إيران النووية.
أجهزة الطرد المركزي الرئيسية، والمثبتة في أنفاق تحت الأرض، لم يكن من الممكن تفكيكها بالكامل قبل الهجوم، بحسب تصريحات لمسؤولين أمريكيين، ويُرجّح أن تكون بعضها قد تعرّض للتدمير غير القابل للإصلاح، لكن هناك قلق من أن يكون البعض الآخر سليمًا أو قابلاً لإعادة التشغيل.
نطنز.. الهدف التالي
إذا كانت فوردو هي الأكثر تحصيناً، فإن “نطنز” هي الأكبر حجماً، وتشير الصور الملتقطة لما بعد الضربة إلى أن المنشأة تعرّضت لانقطاع شامل للكهرباء، ما أدى إلى توقف أجهزة الطرد المركزي وخروج بعضها عن السيطرة.
وصرّح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هذا الانقطاع “قد يكون دمّر الأجهزة بالكامل”، لكن التحقيقات ما زالت جارية. وما يزيد من تعقيد الموقف هو أن إيران بدأت في تشييد منشأة بديلة تحت الأرض قرب نطنز، إلا أنها لم تُفعّل بعد، وفق التصريحات الإيرانية.
اقرأ أيضًا: الضربة الأمريكية لـ”فوردو” تربك الأسواق.. وترقب لموجة ارتدادية
ماذا عن المفتشين الدوليين؟
منذ بداية الحرب، أعلنت إيران وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعليق كل عمليات التفتيش، وحتى لو سُمح للمفتشين بالعودة فإن الوصول إلى منشأة فوردو، أو حتى أنقاض نطنز، يبدو معقداً للغاية، لذلك يظل مصير المواد النووية مجهولاً،
كما أنَّ المجتمع الدولي لا يمتلك أي أدوات فعلية للتحقق من المواقع الجديدة، أو تقدير الوقت الذي قد تحتاجه إيران لإعادة تشغيل قدراتها التخصيبية.
ترامب ونتنياهو.. الهجوم يُمهّد لردع دائم
تُشير تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى قناعة بأن إيران استأنفت نشاطها النووي منذ سنوات، رغم نفيها الرسمي، وإذا صحّت هذه التقديرات فإن الضربات على فوردو ونطنز وأصفهان لم تُنهِ المشروع، بل ربما أعادت تعريف أهدافه.
لكن من الجانب الآخر، يرى البعض أن تلك الضربات قد تُقنع طهران بأن السبيل الوحيد لضمان بقاء النظام هو امتلاك السلاح النووي فعلياً، كما حدث مع كوريا الشمالية.
تجربة التاريخ.. الدبلوماسية أم الردع العسكري؟
ليست هذه المرة الأولى التي تُستهدف فيها المنشآت الإيرانية، فمنذ أكثر من 15 عاماً أطلق تحالف أمريكي إسرائيلي هجمة إلكترونية عطّلت نحو 20% من أجهزة الطرد المركزي، لكن إيران عادت وبنت نسخة أكثر تطورًا.
وفي عام 2015، مكّن الاتفاق النووي المفتشين الدوليين من الاطلاع شبه الكامل على البرنامج النووي، حتى انسحب ترامب منه لاحقاً، ومنذ ذلك الحين اتخذت إيران مسارًا تصاعديًا في تخصيب اليورانيوم وتوسيع قدراتها.
القادم.. سنوات من الغموض
يقدر خبراء أنَّ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك قد يؤخر برنامج إيران النووي ما بين عامين إلى خمسة أعوام، بحسب نوع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، لكن في ظل غياب المفتشين، وانتقال البرنامج إلى مواقع مجهولة، تبقى التقديرات غير مؤكدة.
كما أنَّ التصريحات الأخيرة لمسؤولين أمريكيين عن احتمال فتح “قنوات خلفية” مع طهران تُشير إلى أن الخيارات العسكرية لن تكون كافية وحدها، فالمعركة القادمة قد تكون دبلوماسية أو أكثر صمتاً مما سبق.
اقرأ أيضًا: إغلاق مضيق هرمز.. زلزال اقتصادي يهدد الأسواق