الاستثمار العالمي في 2026.. اتجاهات النمو والمخاطر والفرص
رغم تصاعد الضغوط المرتبطة بتباطؤ التجارة العالمية، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، إلى جانب التسارع غير المسبوق في وتيرة التحول التكنولوجي، لا تزال ثقة الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين العالميين في الاستثمار العالمي في 2026 قائمة، وإن اتسمت بدرجة أعلى من الحذر مقارنة بالعام السابق.
وقد كشف الاستبيان العالمي الأخير الذي أجرته شركة Teneo عن تحول نوعي في سلوك المستثمرين، يتمثل في تصاعد الضغوط الرامية إلى تحقيق عوائد أسرع وأكثر وضوحًا من الاستثمارات الضخمة الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي، فبعد سنوات من الإنفاق المكثف على التقنيات المتقدمة لم يعد مجرد “التبني التكنولوجي” كافيًا، بل أصبح تحقيق العائد الملموس شرطًا أساسيًا لاستمرار ضخ الاستثمارات، خاصة مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى ركيزة محورية في استراتيجيات النمو والقدرة التنافسية للشركات العالمية.
73% من الرؤساء التنفيذيين يتفاءلون بالاستثمار العالمي 2026
أشارت نتائج الاستبيان الذي أجرته Teneo إلى أن 73% من الرؤساء التنفيذيين و82% من المستثمرين يتوقعون تحسن أداء الاقتصاد العالمي خلال عام 2026، لكنّ هذا التفاؤل لم يعد موزعًا بالتساوي؛ إذ تراجعت ثقة الرؤساء التنفيذيين في الشركات الكبرى بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، في انعكاس مباشر لتزايد تعقيد بيئة الأعمال العالمية، وارتفاع مستويات المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، وأسعار الفائدة، والتوترات السياسية.
في المقابل، يسود تفاؤل أوضح بين الرؤساء التنفيذيين للشركات متوسطة الحجم، وكذلك بين المستثمرين، الذين يرون في المرحلة المقبلة فرصًا حقيقية للنمو في قطاعات متعددة، مدفوعة بالمرونة التنظيمية والقدرة على التحرك السريع.
وما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بموقعها بوصفها السوق الأكثر جاذبية للاستثمار عالميًا، مستفيدة من سياسات داعمة للابتكار، وتوجهات واضحة نحو تبسيط الأطر التنظيمية، بما يعزز بيئة الأعمال ويمنح الشركات قدرة أكبر على التكيف مع الصدمات.
وفيما يتعلق بعمليات الاندماج والاستحواذ، تعكس البيانات تفاؤلًا حذرًا، إذ يتوقع ثلاثة من كل أربعة من الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين زيادة في هذا النشاط خلال عام 2026، بينما يتوقع 78% من الرؤساء التنفيذيين نموًا ملموسًا في حجم الصفقات على المستوى العالمي، ويبرز هذا التوجه بشكل خاص في قطاعات الرعاية الصحية والموارد الطبيعية، يليها القطاعان الصناعي والتكنولوجي.
ورغم ذلك، يظل ارتفاع تكاليف رأس المال العائق الأبرز أمام إتمام الصفقات، رغم توافر الرغبة والفرص الاستراتيجية، ما يعكس فجوة بين الطموح والقدرة التمويلية في بيئة نقدية مشددة.
الذكاء الاصطناعي.. أسرع مجالات الاستثمار في 2026
يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي ترسيخ موقعه كأسرع مجالات الاستثمار نموًا، حيث يعتزم 68% من الرؤساء التنفيذيين زيادة استثمارات شركاتهم في هذا المجال خلال عام 2026، في محاولة لتسريع تبني التقنيات الذكية وتحقيق مكاسب تنافسية مباشرة.
ويرى 88% من الرؤساء التنفيذيين و84% من المستثمرين أن الذكاء الاصطناعي بات أداة حيوية للتعامل مع الاضطرابات الاقتصادية والتشغيلية، وتحسين الكفاءة، وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار. لكنّ التباين في التوقعات بشأن سرعة تحقيق العائد يظل واضحًا، إذ يتوقع 53% من المستثمرين تحقيق عائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي خلال ستة أشهر أو أقل، بينما لا يشاركهم هذا التفاؤل سوى 16% فقط من الرؤساء التنفيذيين في الشركات الكبرى، حيث يرى 84% منهم أن تحقيق العائد سيستغرق فترة أطول.
وأشارت النتائج إلى أن أقل من نصف مشروعات الذكاء الاصطناعي تحقق حاليًا عائدًا إيجابيًا، مع تركز النجاحات في مجالات الكفاءة الداخلية، والتطبيقات الإدارية، والحلول الموجهة للعملاء، بينما تظل التطبيقات الأعلى تعقيدًا ومخاطر، مثل الأمن السيبراني، والشؤون القانونية، والموارد البشرية، الأكثر تحديًا.
قد يهمّك أيضًا: مونديال 2026.. أكبر عائد اقتصادي في تاريخ كرة القدم
سوق العمل.. رؤية مغايرة للمخاوف السائدة
على صعيد سوق العمل، تكشف النتائج عن رؤية مغايرة للمخاوف السائدة، إذ يتوقع غالبية الرؤساء التنفيذيين أن يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة معدلات التوظيف خلال عام 2026، مع توقع 67% نموًا في الوظائف المبتدئة، و58% زيادة في المناصب القيادية العليا.
وتعمل الشركات في المدى القريب على إعادة تشكيل مهارات القوى العاملة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة، بهدف تسريع تحقيق العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، دون أن يعني ذلك بالضرورة توسعًا طويل الأمد في التوظيف، بل إعادة توزيع أكثر كفاءة للمهارات.
وركَّز الرؤساء التنفيذيون في عام 2026 على تعزيز القدرات البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ورفع كفاءة المهارات القائمة، في مزيج يعكس توازنًا بين الأتمتة وتنمية العنصر البشري. كما أجمعت الآراء على أن الابتكار والمرونة، والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي تمثل مهارات جوهرية للجيل القادم من القيادات التنفيذية، مع التأكيد على أن المهارات الإبداعية ستظل عنصرًا حاسمًا في مستقبل القيادة، بعيدًا عن الاكتفاء بالكفاءة التقنية وحدها.
إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية: الهند تسحب البساط تدريجياً من الصين
يتفق 60% من الرؤساء التنفيذيين و57% من المستثمرين على أن مسار تراجع العولمة سيتسارع خلال عام 2026، في ظل إعادة ترتيب سلاسل الإمداد، وتصاعد النزعات الحمائية. ويرى قادة الأعمال أن الهند مرشحة لتجاوز الصين من حيث الأهمية الاستراتيجية خلال العقد المقبل، مدفوعة بنمو السوق، وتوافر المواهب، وقدرتها على لعب دور محوري كمحرك للطلب العالمي.
ومع ذلك، لا تزال الصين تحتفظ بثقلها الاستراتيجي في الأجلين القصير والمتوسط، بفضل حجم سوقها الضخم، وقوة قطاع التصنيع، وتماسك سلاسل الإمداد، وريادتها في مجالات التكنولوجيا والابتكار، ما يجعلها أولوية رئيسية للرؤساء التنفيذيين والمستثمرين خلال السنوات الخمس المقبلة.
وأظهر الاستبيان انقسامًا متوازنًا بين المشاركين حول طبيعة المرحلة الجيوسياسية الراهنة، وما إذا كانت تمثل ظاهرة مؤقتة قابلة للاحتواء، أم بداية لإعادة ترتيب طويلة الأمد للنظام العالمي، فإلى جانب التحديات التكنولوجية وسلاسل الإمداد تظل الجغرافيا السياسية مصدر القلق الأبرز الذي يدفع قادة الشركات والمستثمرين إلى الاستعداد لمشهد عالمي أكثر تقلبًا خلال عام 2026.
اقرأ أيضًا: دراسة دولية تكشف ملامح التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي
رؤية تحليلية: “التنفيذات المتسللة” تقود موجة الاستثمار القادمة
قال الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، إن ملامح الاستثمار العالمي في عام 2026 تعكس دخول الاقتصاد الدولي مرحلة انتقالية دقيقة، تتسم بتزايد ما وصفه بـ”التنفيذات المتسللة” أو التدفقات الاستثمارية التدريجية، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة بدأت بالفعل في الظهور داخل عدد من الأسواق الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وربما بوتيرة أسرع من المتوقع مع اقتراب نهاية العام الجاري.
وأوضح حافظ أن الولايات المتحدة مرشحة لقيادة هذه الموجة من التدفقات، تليها أسواق متقدمة مثل اليابان، مع احتمالات امتدادها إلى أسواق أخرى خلال العام المقبل، معتبرًا أن هذا النمط التدريجي من التنفيذات الاستثمارية قد يشكل عامل دعم مهم للأسواق المالية العالمية إذا استمر ضمن الإطار المتوقع.
وأشار إلى أن غالبية الأسواق العالمية، لا سيما تلك المرتبطة هيكليًا بالاقتصاد الأمريكي، قد تشهد ما بين تنفيذ إلى ثلاثة تنفيذات استثمارية خلال عام 2026، وهو معدل يراه متوازنًا مقارنة بمرحلة ما بعد جائحة كورونا، التي اتسمت باندفاع استثماري حاد وغير مستدام.
اقرأ أيضًا: تراجع سيادة القانون يربك مستقبل الاقتصاد الأمريكي
من الاندفاع إلى الانتقاء.. استراتيجيات إدارة المخاطر في 2026
أوضح حافظ أن العالم انتقل من مرحلة الاندفاع الاستثماري المرتفع إلى مرحلة أكثر هدوءًا وتنظيمًا، تعتمد على التنفيذ المرحلي المدروس، وهو ما يتطلب مهارات أعلى من جانب المؤسسات المالية والمستثمرين، الذين باتوا يفضلون تنفيذ الاستثمارات “في الخلفية” وبصورة أكثر كفاءة، بما يقلل من المخاطر ويعزز جودة العائد.
كما أكد أن عام 2026 سيكون عامًا “مثيرًا للاهتمام” على صعيد النشاط الاستثماري العالمي، مع استمرار ظهور تنفيذات متسللة في عدد من المناطق، بالتوازي مع تنفيذات أخرى مرتبطة بالبيانات، والمهارات، والبنية التحتية، معتبرًا أن هذه العناصر ستشكل العمود الفقري لمشهد الاستثمار في المرحلة المقبلة.
الاستثمار في الأصول المادية والبنية التحتية
أوضح الدكتور هاني حافظ أن الاستثمار في الأصول المادية والبنية التحتية، بما في ذلك الطاقة والنقل والاتصال والبيئة، سيظل عنصرًا محوريًا في دعم النمو الاقتصادي المستدام، مشيرًا إلى أن هذه المشروعات تمثل أدوات مباشرة لخلق القيمة وتحفيز التدفقات المالية، وليست مجرد استثمارات خدمية.
وحول التمويل، لفت الخبير إلى أن المشهد المالي العالمي يشهد تداخلًا متزايدًا بين رؤوس الأموال الخاصة، والمؤسسات المالية، والجهات الاستثمارية الدولية، في إطار نماذج تمويل أكثر تعقيدًا وتخصصًا، تعكس إعادة هيكلة البنية المالية العالمية بما يتناسب مع اختلاف مستويات المخاطر والعوائد.
واختتم الخبير تصريحاته بالتأكيد على أن عام 2026 لن يكون عامًا للاندفاع، بل مرحلة انتقاء دقيق وتنفيذ محسوب، وتكامل أوضح بين التمويل، والبنية التحتية، والاقتصاد الحقيقي، بما يعكس درجة أعلى من النضج في المشهد الاستثماري العالمي.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد العالمي في 2026.. تباطؤ التجارة وعودة شبح الحروب الجمركية
