يستعد الكونغرس الأمريكي لإجراء تصويت محتمل خلال الفترة المقبلة على مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب ومنعه من تنفيذ أي هجوم عسكري ضد إيران دون الحصول على تفويض مسبق من المشرعين.
وكانت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قد شهدت جولتين تعثرتا في ظل خلافات جوهرية شملت قضايا تتعلق بتخصيب اليورانيوم، والبرنامج الصاروخي الإيراني، إضافة إلى مسألة تخفيف العقوبات المفروضة على طهران، ورفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مقترحات أمريكية تتعلق بالصواريخ.
وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد إيران، في خطوة قال إنها قد تكون وسيلة للضغط على طهران من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.
وجاء ذلك خلال تصريحات أدلى بها الجمعة رداً على سؤال حول احتمال تنفيذ ضربة محدودة، حيث قال للصحفيين: “أعتقد أنه يمكنني القول إنني أدرس ذلك”.
ضرب إيران واتساع رقعة الصراع على مستوى المنطقة
نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين أمريكيين أن التخطيط لعمل عسكري ضد إيران بلغ “مراحل متقدمة للغاية”، مشيرين إلى أن الخيارات المطروحة لا تقتصر على ضربات محدودة، بل تمتد لتشمل استهداف أفراد بعينهم، وصولاً إلى سيناريوهات أوسع قد تهدف إلى تغيير النظام في طهران، وأوضح المسؤولون أن هناك تخطيطاً مفصلاً وطموحاً بانتظار القرار النهائي من ترمب.
ورجّح المسؤولون الأمريكيون أن ترد إيران على أي هجوم محتمل، ما قد يرفع خطر سقوط خسائر بشرية في صفوف الأمريكيين، ويؤدي إلى اتساع رقعة الصراع على مستوى المنطقة، كما أشاروا إلى أن طهران تستعد لتقديم مقترح مكتوب يعالج المخاوف الأمريكية المتعلقة ببرنامجها النووي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إن التحركات الجارية داخل الكونغرس الأمريكي لتمرير مشروع قرار يمنع الرئيس دونالد ترمب من توجيه ضربة عسكرية لإيران دون تفويض مسبق تعكس حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة التشريعية، من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط.
من هي الجهة المخولة بإعلان الحرب؟
أوضح عناني أن الكونغرس، بموجب الدستور الأمريكي، هو الجهة المخوّلة بإعلان الحرب، بينما يتمتع الرئيس بصلاحيات تنفيذية تتيح له توجيه ضربات عسكرية محدودة في حالات تتعلق بالأمن القومي، أو في إطار عمليات محددة لا ترقى إلى إعلان حرب شامل، وأضاف أن هذا التداخل في الصلاحيات الدستورية هو ما يخلق جدلاً متكرراً كلما تصاعدت التوترات الخارجية.
وأشار إلى أن السلطة التنفيذية، وخصوصاً منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وسّعت من تفسيرها لصلاحياتها العسكرية، ومنحت نفسها هامشاً أوسع للتحرك دون الرجوع إلى الكونغرس، سواء عبر أعراف سياسية جديدة أو من خلال إعادة تفسير النصوص الدستورية القائمة.
وأكد عناني أن فرص نجاح الكونغرس في فرض قيود فعلية على الرئيس تبقى محدودة، خاصة في ظل النفوذ الكبير الذي يتمتع به ترمب داخل الحزب الجمهوري، حيث يصعب على كثير من الأعضاء الجمهوريين معارضته علناً في قضايا تتعلق بالأمن القومي، وبالتالي فإنّ أي تصويت على مشروع القرار قد يكون ذا طابع رمزي أكثر منه إجراءً عملياً ملزماً.
المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران
فيما يتعلق بالتطورات المرتبطة بالمفاوضات بين واشنطن وطهران، أشار الدكتور أحمد عناني إلى التقارير التي تحدثت عن استعداد إدارة ترمب لقبول صيغة تخصيب “رمزية” لليورانيوم، موضحاً أن هذا الطرح لا يعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً في الموقف الأمريكي.
وقال إن الرئيس ترامب لا يمكنه العودة ببساطة إلى الصيغة التي قام على أساسها الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما، والتي سمحت بنسبة تخصيب منخفضة تحت رقابة دولية، لأن إدارته وضعت شروطاً إضافية تتجاوز الملف النووي البحت.
وأوضح أن الموقف الأمريكي المعلن لا يقتصر على تقويض البرنامج النووي الإيراني وضمان عدم عودته، بل يشمل أيضاً البرنامج الصاروخي الإيراني، فضلاً عن دور طهران الإقليمي وعلاقاتها بالفصائل المسلحة. وأضاف أن تيار “الصقور” داخل الإدارة الأمريكية يركز بشكل واضح على القدرات الصاروخية الإيرانية باعتبارها تهديداً مباشراً.
وأشار عناني إلى تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، التي اعتبر فيها أن توجيه ضربة لإيران -رغم تبعاتها- قد يكون أقل خطورة من التعرض لهجوم صاروخي إيراني يؤدي إلى سقوط قتلى أمريكيين، معتبراً أن هذا الخطاب يعكس توجهاً متشدداً داخل بعض دوائر صنع القرار في واشنطن.
أبعاد تتجاوز الملف النووي
أكد الدكتور أحمد عناني أن الهدف المعلن للرئيس ترامب لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى تغيير سلوك النظام الإيراني وربما تغييره بالكامل، كما أشار إلى أن الحديث عن استهداف قيادات عليا في إيران، أو الإشارة إلى ضرورة رحيل المرشد، يكشف أن المسألة تتجاوز مجرد ضبط برنامج نووي.
وأوضح أن ما يجري حالياً يحمل قدراً كبيراً من المناورات التفاوضية، حيث تخطط واشنطن إلى دفع طهران لتقديم أكبر قدر ممكن من التنازلات في الملف النووي، تمهيداً لفتح ملفات أخرى مثل الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
وأضاف أن بعض الدوائر المتشددة في الإدارة الأمريكية ترى أن الخيار العسكري قد يكون الوسيلة الأسرع لإضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، في حين يفضل آخرون استخدام الضغط السياسي والعسكري لانتزاع تنازلات تدريجية.
اقرأ المزيد: لماذا بقي الملف النووي الإيراني بلا تسوية؟
احتمالات التصعيد العسكري
شدَّد عناني على أن حجم الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة يمنح واشنطن قدرة كبيرة على تنفيذ ضربات هجومية واسعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حماية قواعدها وحلفائها، لكنه لفت إلى أن أي ضربة، حتى وإن وُصفت بالمحدودة، قد تؤدي إلى تصعيد سريع يصعب احتواؤه.
وأوضح أن الرئيس ترامب يواجه معادلة معقدة؛ فالتراجع بعد هذا الحشد العسكري الكبير قد يفسر على أنه ضعف سياسي، في حين أن المضي في عمل عسكري قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.
وأكد أن المفاوضات لا تزال في مراحلها التمهيدية، حيث عرضت إيران رؤيتها في جولة، وقدمت الولايات المتحدة ردها في جولة أخرى، لكن القضايا الخلافية الأساسية خاصة الصواريخ والنفوذ الإقليمي لم تحسم بعد.
واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الراهن يتسم بدرجة عالية من الحساسية، وأن احتمالات المواجهة العسكرية تظل قائمة في ظل تمسك كل طرف بخطوطه الحمراء، مقابل تراجع فرص التوصل إلى تسوية شاملة ما لم يبدِ الجانبان استعداداً حقيقياً لتقديم تنازلات متبادلة.
قد يهمّك أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟