مصر تحتفظ بلقب عاصمة الأثرياء في شمال أفريقيا بـ 14.8 ألف مليونير
على الرغم من التحديات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير، من تخفيضات متتالية في قيمة العملة، إلى تداعيات جائحة كورونا، ثم موجات التضخم العالمية والحرب الروسية – الأوكرانية، فإن البلاد ما تزال تحتفظ بلقب “عاصمة الأثرياء” في شمال أفريقيا.
فبحسب تقرير شركة الاستشارات الدولية “هنلي آند بارتنرز”، بلغ عدد الأفراد الذين تتجاوز ثرواتهم مليون دولار في مصر بنهاية يونيو 2025، نحو 14.8 ألف شخص، لتظل الدولة الثانية على مستوى القارة الأفريقية بعد جنوب أفريقيا، متفوقة على المغرب والجزائر ونيجيريا.
يكشف التقرير أن مصر لا تضم فقط قاعدة واسعة من الأثرياء الجدد، بل تحتضن أيضا طبقة من كبار الأثرياء تضم 49 شخصا تزيد ثرواتهم عن 100 مليون دولار، إضافة إلى 7 مليارديرات يشكلون نخبة مالية واقتصادية ذات نفوذ واسع محلياً وإقليمياً.
القاهرة.. قلب الثروة النابض
تعد العاصمة المصرية المركز الأبرز لتجميع الثروات في شمال أفريقيا، حيث يقيم فيها 6800 مليونير ممن تتراوح ثرواتهم بين مليون و99 مليون دولار، إضافة إلى 29 من أصحاب الثروات الضخمة الذين تتجاوز ثرواتهم 100 مليون دولار، وخمسة مليارديرات، مما يجعل القاهرة واحدة من أهم المدن الأفريقية من حيث الثروة الفردية، إلى جانب جوهانسبرغ وكيب تاون في جنوب أفريقيا.
هذا التركز يعكس ديناميكية الاقتصاد المصري في العاصمة، حيث تتمركز المقرات الإقليمية للشركات الكبرى، والبنوك متعددة الجنسيات، ومؤسسات الاستثمار، إلى جانب النشاط العقاري الضخم الذي شهد قفزات هائلة خلال العقد الأخير مع توسع مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة و”مدينة العلمين الجديدة”.
اقرأ أيضًا: القاهرة.. عاصمة التاريخ تتحول إلى مركز الأثرياء في إفريقيا
العوامل المحركة للثروة في مصر
الحفاظ على مكانة “عاصمة الأثرياء” ليس مجرد نتاج ثروات خاصة، فهو يعكس دور السياسات الاقتصادية في إدارة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، فكلما وفرت الدولة بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة تمكَّن الأثرياء من لعب دور أكبر في الاقتصاد الرسمي، بدل الاكتفاء بتكديس الثروات في أصول جامدة. ومن العوامل التي ساعدت على ذلك:
- الاستقرار السياسي النسبي
رغم الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الماضي، استطاعت مصر الحفاظ على درجة من الاستقرار السياسي مكنتها من جذب الاستثمارات، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقار، الأمر الذي أعطى إشارات طمأنة لرؤوس الأموال الخاصة، وفتح الباب أمام الأثرياء المحليين لتعزيز استثماراتهم.
- المشاريع القومية الكبرى
مشاريع مثل قناة السويس الجديدة، والعاصمة الإدارية، وشبكات الطرق والكباري، ليست مجرد بنية تحتية، فقد وفَّرت فرصًا ضخمة لشركات المقاولات والعقارات، وأسهمت في تكوين ثروات جديدة، عززت مكانة القطاع الخاص.
- التوسع في التكنولوجيا والخدمات
شهدت السنوات الأخيرة نموا في الشركات الناشئة بمجالات التكنولوجيا المالية “FinTech”، والتجارة الإلكترونية، وخدمات النقل الذكي، ما أنتج قصص نجاح لأثرياء جدد في جيل شاب.
- القطاع العقاري كحاضنة للثروات
يبقى العقار الملاذ الأول للأثرياء في مصر، حيث ساهمت الطفرة العقارية في ارتفاع قيمة الأصول بشكل مضطرد، وحافظت على موقعها كقناة رئيسية لتراكم الثروة وحمايتها من التضخم.
اقرأ أيضًا: إنجازات غير مسبوقة حقَّقتها مصر خلال الـ 10 سنوات الأخيرة
مقارنات إقليمية.. المغرب والجزائر
جاء المغرب في المركز الثاني إقليميًا بنحو 7500 مليونير، بزيادة 40% مقارنة بعام 2015، ويعود هذا النمو إلى الاستقرار النسبي في بيئة الأعمال، وصعود قطاعات مثل السياحة والطاقة المتجددة وصناعة السيارات، كما يضم المغرب أيضا 35 “سنتي – مليونير” و4 مليارديرات، ليشكل منافسًا متزايدًا لمصر في جذب الاستثمارات الخاصة.
أما الجزائر فقد جاءت في المركز الثالث بـ2700 مليونير، بانخفاض يقارب 23% مقارنة بعام 2015، ورغم امتلاكها موارد نفطية وغازية ضخمة، إلا أن اعتمادها شبه الكامل على الطاقة، وضعف تنويع الاقتصاد، جعلاها أقل جاذبية لتراكم الثروات الخاصة.
وعلى المستوى الأفريقي، تظل جنوب أفريقيا في الصدارة كأكبر دولة تضم أثرياء، مدعومة بمدن مثل جوهانسبرغ وكيب تاون وديربان، غير أن استمرار مصر في المركز الثاني، يعكس تنامي ثقلها المالي في القارة، ويؤهلها لتكون قطبًا استثماريًا رئيسيًا في العقد المقبل، خاصة مع توسع شراكاتها في إطار تجمُّع “بريكس“.
الأبعاد الاقتصادية للثروة في مصر
تُشير الدِّراسات إلى أنَّ الثروة في مصر تتركز في قطاعات محددة، أبرزها القطاع العقاري الذي يُشكل المكون الأكبر للأصول، إلى جانب الخدمات المالية والمصرفية، والطاقة التقليدية والمتجددة، فضلًا عن الصناعات الاستهلاكية والتجارة، وهذا التوزيع القطاعي يجعل الثروة انعكاسًا مباشرًا لبنية الاقتصاد المصري الذي يعتمد بشكل كبير على هذه المجالات الحيوية.
غير أنَّ وجود نحو 14.8 ألف مليونير و7 مليارديرات لا يُعد مجرد مؤشر اجتماعي على حجم الثراء الفردي، فهو يحمل آثارًا اقتصادية مباشرة على الاقتصاد الكلي، حيث يساهم هؤلاء بشكل أكبر في الضرائب بما يرفع من حصيلة الإيرادات العامة، ويعززون الطلب على السلع الفاخرة والخدمات عالية الجودة بما يحفز الاستهلاك المحلي، كما يكوّنون شبكة من المستثمرين المحليين القادرين على تمويل المشاريع الناشئة والمساهمة في نمو الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
تراجع نسبي لكنه قابل للتعويض
على الرغم من هذه النجاحات، فقد شهدت مصر تراجعًا محدودًا في أعداد الأثرياء، إذ انخفض عدد أصحاب الملايين من 15.6 ألف في نهاية 2023 إلى 14.8 ألف في منتصف 2025، كما انخفض عدد “السنتي – مليونيرات” (من يملكون أكثر من 100 مليون دولار) من 52 إلى 49 شخصًا.
هذا التراجع يُعزى في معظمه إلى انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار، ما أدى إلى تآكل الثروات المقومة بالجنيه، لكن رغم ذلك تبقى مصر في صدارة شمال أفريقيا، ويُتوقع أن يعاود عدد الأثرياء الارتفاع إذا استقرت العملة واستمرت الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد.
التحديات أمام استمرار الصدارة
إليك أبرز التحديات التي قد تقف عائقًا أمام صدار مصر في الحفاظ على مكانتها كعاصمة للأثرياء في شمال إفريقيا:
- التضخم وتقلب العملة
يمثل تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار أحد أبرز التديات التي تواجه مصر، إذ ينعكس هذا التراجع مباشرة على حجم الثروات عند تقييمها بالعملة الصعبة، ويقلّص القدرة الشرائية للأثرياء في الأسواق العالمية، واستمرار هذه الأزمة النقدية قد يضغط على موقع مصر في التصنيفات المقبلة ويضعف جاذبيتها مقارنة بمراكز إقليمية أخرى.
- الفجوة الاجتماعية
رغم نمو عدد الأثرياء وتوسع قاعدة المليونيرات والمليارديرات، ما تزال الطبقات الوسطى والفقيرة تعاني من صعوبات معيشية حادّة نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية، وهذا التباين بين نمو الثروات الفردية واتساع الأزمات المعيشية قد يخلق ضغوطًا سياسية واقتصادية متراكمة إذا لم تتم معالجتها عبر سياسات مالية واجتماعية أكثر توازنًا.
- المنافسة الإقليمية
تزداد حدة المنافسة مع المغرب الذي يتحرك بخطوات سريعة لتعزيز مكانته، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وانفتاحه على أوروبا، وفي الوقت نفسه تسعى نيجيريا وجنوب أفريقيا للحفاظ على ثقلهما القاري عبر تنويع مصادر الثروة وجذب الاستثمارات، وهذا المشهد التنافسي يجعل الحفاظ على صدارة مصر مهمة أكثر صعوبة، ويتطلب استراتيجيات واضحة لتعزيز البيئة الاستثمارية وضمان استدامة النمو.
مستقبل الأثرياء في مصر
تظهر الاتجاهات الحالية أن مصر ستظل محورًا رئيسيًا لتجمع الثروات في شمال أفريقيا خلال العقد المقبل، مدعومة بمزيج من العوامل؛ منها قاعدة سكانية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي، وإصلاحات هيكلية، ومشاريع قومية طموحة، ومع ذلك فإن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب معالجة التحديات المتعلقة بالعملة والتضخم،وتعزيز العدالة الاجتماعية، حتى لا تتحول هذه المكاسب إلى مصدر توتر داخلي.
ورغم التراجع الطفيف في عدد الأثرياء، ما تزال مصر تحتفظ بلقب “عاصمة الأثرياء” في شمال أفريقيا، متقدمة على المغرب والجزائر، وثانية على مستوى القارة خلف جنوب أفريقيا، وهذا الموقع لم يأتِ صدفة، بل نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية على مدى عقد كامل، سمحت بتكوين طبقة ثرية مؤثرة قادرة على لعب دور محوري في الاقتصاد المحلي والإقليمي.
هذه الأرقام تعكس معادلة دقيقة، فكلما زاد الاستقرار والانفتاح الاقتصادي، كلما ارتفعت قدرة مصر على الاحتفاظ بأثريائها، وجذب المزيد من الثروات إليها، لتظل القاهرة القلب النابض للثروة في شمال أفريقيا.