بدأت مصر التحرك سريعًا لاستغلال فرصة تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، وذلك من خلال طرح عشرة مستودعات لتخزين النفط للإيجار في مينائي العين السخنة ورأس بدران على البحر الأحمر، في خطوة تستهدف جذب شركات تجارة وتخزين النفط العالمية وتعزيز دور الموانئ المصرية كمراكز لوجستية مهمة في سوق الطاقة الدولية.
وقال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إنّ هذا التحرك جاء في وقت أصبحت فيه الملاحة عبر مضيق هرمز شبه متوقفة نتيجة تداعيات الصراع العسكري، وهو ما دفع العديد من شركات الطاقة العالمية إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا لنقل وتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية بعيدًا عن مناطق التوتر.
وأضاف أنّ مصر تسعى من خلال طرح هذه المستودعات إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وقربها من أهم ممرات التجارة العالمية، بما يعزز قدرتها على جذب عمليات تخزين النفط وإعادة تصديره.
ويعتبر مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إضافة إلى ما يقرب من 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وأكد أحمد أنّه مع تعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي، تزداد أهمية الممرات البديلة لنقل الطاقة، وفي مقدمتها البحر الأحمر الذي أصبح خيارًا استراتيجيًا لعدد من الشركات والدول المنتجة للنفط.
وأوضح أنّ مصر تمتلك طاقة تخزينية فائضة في موانئها الرئيسة تُقدر بنحو 29 مليون برميل من النفط، والحكومة تسعى إلى استغلال هذه القدرة التخزينية من خلال إبرام عقود تأجير شهرية أو سنوية مع شركات الطاقة العالمية الراغبة في تخزين النفط الخام أو المنتجات البترولية داخل الموانئ المصرية.
أهمية البحر الأحمر كممر بديل لنقل الطاقة
تزداد أهمية البحر الأحمر كممر بديل لنقل الطاقة مع التحولات الجارية في حركة تجارة النفط العالمية؛ حيث بدأت شركات كبرى، من بينها شركة أرامكو السعودية، إعادة تنظيم بعض شحناتها النفطية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر لضمان استمرار تدفق الإمدادات بعيدًا عن المخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز.
وأشار الخبير أنّ هذه الخطوة جاءت في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي اضطرابات متزايدة، حيث أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق عملياتها في أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة، في مؤشر واضح على حجم المخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة في المنطقة. وفي السياق ذاته، حذر وزير الطاقة القطري من أن استمرار الحرب والتوترات الإقليمية قد يدفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات مرتفعة قد تصل إلى نحو 150 دولارًا للبرميل.
ولفت أحمد إلى أن مصر بدأت خلال السنوات الأخيرة بتعزيز بنيتها التحتية في قطاع الطاقة والنقل البحري، حيث تمتلك البلاد نحو 19 ميناءً تجاريًا يجري تطوير 14 منها حاليًا ضمن خطة شاملة لتحديث الموانئ ورفع كفاءتها التشغيلية، كما قامت الدولة بإنشاء وتطوير نحو 79 مستودعًا بتروليًا خلال السنوات الماضية، في إطار جهود دعم المخزون الاستراتيجي من الوقود وتعزيز قدراتها في مجال تخزين وتداول الطاقة.
اقرأ أيضًا: من هرمز للمطارات.. كيف تعطلت تجارة العالم في أيام؟
الاضطرابات تعزز أهمية مستودعات النفط
قال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن التحرك المصري لطرح مستودعات نفطية للإيجار في موانئ البحر الأحمر يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل الاضطرابات المتصاعدة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وتعطل حركة شحنات النفط عبر مضيق هرمز.
وأوضح قاسم أن هذه التطورات دفعت العديد من شركات النفط العالمية إلى البحث عن بدائل لوجستية أكثر أمنًا لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية، وهو ما يمنح مصر فرصة استراتيجية لتعزيز دورها في سلاسل إمداد الطاقة العالمية.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن طرح عشرة مستودعات لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية في موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء العين السخنة وميناء رأس بدران، يعكس رؤية استراتيجية تستهدف جذب شركات النفط العالمية الباحثة عن مراكز تخزين بديلة، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تشهدها طرق الشحن التقليدية في منطقة الخليج.
توسعات كبيرة في مجال التخزين البترولي
لفت قاسم إلى أن الدولة نفذت خلال السنوات الماضية توسعات كبيرة في مجال التخزين البترولي، حيث تم إنشاء وتطوير نحو 79 مستودعًا بتروليًا خلال الفترة من عام 2014 وحتى عام 2023، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 2.35 مليار جنيه، وذلك بهدف دعم المخزون الاستراتيجي من الطاقة وتعزيز قدرة البلاد على إدارة الإمدادات البترولية بكفاءة.
وأكد أن هذه الاستثمارات تعكس توجه الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وتخزين الطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين أسواق الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، إلى جانب قربها من أحد أهم الممرات البحرية العالمية وهو قناة السويس.
وأضاف أن القاهرة تعمل كذلك على تعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، مشيرًا إلى الاتفاقية التي وقعتها مصر في أكتوبر الماضي مع إمارة الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة لتطوير ميناء الحمراء البترولي، حيث تستفيد مصر من الخبرات المتقدمة لمؤسسة الفجيرة للنفط والغاز في إدارة مراكز تخزين الطاقة ونقل أحدث التقنيات والنظم المتطورة إلى السوق المصرية.
كما أشار إلى أن الموانئ المصرية تتمتع بميزة تنافسية مهمة، حيث تقع بالقرب من ممرات التجارة العالمية وترتبط بمحاور نقل استراتيجية مثل قناة السويس، وهو ما يعزز قدرتها على جذب عمليات التخزين وإعادة التصدير.
واختتم الدكتور سيد قاسم تصريحاته بالتأكيد على أن تطوير البنية التحتية للتخزين البترولي في مصر خلال السنوات الماضية يرفع من قدرة الدولة على إدارة مخزونها الاستراتيجي من الطاقة بكفاءة، كما يفتح المجال أمام جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية في قطاع تجارة وتداول الطاقة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة تدفقات النفط عالميًا.
اقرأ أيضًا: سيناريوهات مورجان ستانلي لاقتصاد مصر في ظل الحرب على إيران