مصر تواصل خفض أسعار الفائدة.. 2026 عام التيسير النقدي

في خطوة تعكس تحوّلًا محسوبًا في توجهات السياسة النقدية، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، خلال اجتماعها المنعقد يوم الخميس، 25 ديسمبر 2025، خفض أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، استنادًا إلى قراءة شاملة لتطورات التضخم محليًا وعالميًا، وتقييم دقيق لآفاق النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بتراجع الضغوط التضخمية من ناحية، واستمرار المخاطر من ناحية أخرى.

وبموجب القرار، جرى خفض سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة إلى 21%، كما تم خفض سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 20.5%، فضلًا عن خفض سعر الائتمان والخصم بواقع 100 نقطة أساس ليصل إلى 20.5%.

وأوضح البنك المركزي أن هذا القرار جاء نتيجة تقييم لجنة السياسة النقدية لأحدث البيانات الخاصة بالتضخم وتوقعاته المستقبلية، مع السعي لتحقيق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسواق، خاصة في ظل تحسن عدد من المؤشرات الكلية مقارنة بالفترات السابقة.

المشهد العالمي: تعافٍ هش ومخاطر قائمة

أشار بيان البنك المركزي إلى أن الاقتصاد العالمي يواصل تعافيه بشكل نسبي، إلا أن هذا التعافي لا يزال هشًا ومقيدًا بحالة من عدم اليقين، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، والغموض المحيط بالسياسات التجارية الدولية، إلى جانب تباطؤ نمو الطلب العالمي.

كما أوضح أن معدلات التضخم العالمية شهدت قدرًا من الاستقرار، مدفوعة باتباع البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة نهجًا حذرًا يقوم على التيسير التدريجي للسياسة النقدية، دون اندفاع نحو خفض حاد لأسعار الفائدة، تحسبًا لإمكانية عودة الضغوط التضخمية.

وفيما يخص أسواق السلع الأساسية، شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا نتيجة تجاوز المعروض العالمي مستويات الطلب، بينما اتسمت أسعار السلع الزراعية بتقلبات متباينة. ورغم ذلك، لا تزال التوقعات العالمية عرضة لمخاطر قائمة، في مقدمتها احتمالات اضطراب سلاسل الإمداد وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وهي عوامل قد تعيد إشعال الضغوط السعرية على المستوى الدولي.

لماذا خفض المركزي الفائدة؟ قراءة في أرقام التضخم والنمو

محليًا، تشير تقديرات البنك المركزي المصري إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سجل نحو 5.0% خلال الربع الرابع من عام 2025، مقارنة بنحو 5.3% خلال الربع السابق، بما يعكس استمرار النمو وإن بوتيرة أبطأ نسبيًا، وقد جاء هذا النمو مدفوعًا أساسًا بالمساهمات الإيجابية لقطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية، والتجارة، والاتصالات، وهي قطاعات تعكس تحسن النشاط الاقتصادي الحقيقي بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الأنشطة الريعية.

ورغم استمرار النمو، يرى البنك المركزي أن المسار الحالي للناتج المحلي الإجمالي لا يزال داعمًا للانخفاض المتوقع في معدلات التضخم على المدى القصير، خاصة في ظل محدودية الضغوط التضخمية من جانب الطلب، نتيجة السياسة النقدية المتحفظة التي تم تطبيقها خلال الفترات الماضية.

أما على صعيد التضخم، فقد واصل المعدل السنوي للتضخم العام مساره النزولي، مسجلًا 12.3% في نوفمبر 2025، وذلك رغم الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، ويعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى الانخفاض الحاد في المعدل السنوي لتضخم السلع الغذائية الذي سجل 0.7%، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات، ما يعكس تحسن أوضاع المعروض واستقرارًا نسبيًا في الأسواق.

في المقابل، سجل المعدل السنوي للتضخم الأساسي 12.5%، مدفوعًا بارتفاع أسعار السلع غير الغذائية، وعلى رأسها الخدمات. وعلى المستوى الشهري، بلغ معدل التضخم العام 0.3%، فيما سجل التضخم الأساسي 0.8% خلال نوفمبر 2025، وهي معدلات تشير إلى اعتدال واضح في وتيرة الزيادات السعرية مقارنة بالأنماط الموسمية المعتادة، وتعكس تحسن توقعات التضخم والتلاشي التدريجي لآثار الصدمات السابقة.

توقعات التضخم: استقرار في 2025 وتراجع تدريجي في2026

في ضوء المعطيات السابقة، يتوقع البنك المركزي أن يستقر المعدل السنوي للتضخم العام قرب مستوياته الحالية خلال الربع الرابع من عام 2025، ليسجل في المتوسط نحو 14% خلال العام ككل، مقارنة بمستوى مرتفع بلغ 28.3% في عام 2024.

أما خلال عام 2026، فمن المنتظر أن يواصل التضخم تراجعه التدريجي ليقترب من مستهدف البنك المركزي بحلول الربع الرابع من العام، وإن كانت وتيرة الانخفاض لا تزال متأثرة ببطء تراجع تضخم السلع غير الغذائية، وتأثير إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة، فضلًا عن استمرار المخاطر الجيوسياسية العالمية كعامل ضاغط على التوقعات.

في هذا السياق، رأت لجنة السياسة النقدية أن خفض أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس يعتبر قرارًا مناسبًا في التوقيت الراهن، من شأنه دعم المسار النزولي للتضخم وترسيخ التوقعات، مع الحفاظ على توازن السياسة النقدية بين دعم النمو الاقتصادي وضمان استقرار الأسعار.

وأكدت اللجنة أنها ستواصل تقييم قراراتها المستقبلية بشأن وتيرة التيسير النقدي بناءً على التوقعات الاقتصادية والمخاطر المحيطة بها، وما يستجد من بيانات، مع الاستمرار في متابعة التطورات الاقتصادية والمالية من كثب، وعدم التردد في استخدام جميع الأدوات المتاحة لتحقيق هدف استقرار الأسعار، وتوجيه التضخم نحو مستهدفه البالغ 7% (± 2 نقطة مئوية) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2026.

قد يهمّك أيضًا: مؤشر مديري المشتريات في مصر يتجاوز 50 نقطة لأول مرة منذ 2020

قراءة تحليلية: أسباب خفض الفائدة في مصر

في تعليقه على القرار، قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن قرار البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة بواقع 1% أو 100 نقطة أساس يعكس قراءة واقعية ودقيقة لتطورات التضخم والظروف الاقتصادية المحلية والعالمية، ويؤكد أن السياسة النقدية تسير حاليًا في مسار تيسير تدريجي محسوب دون اندفاع قد يحمل مخاطر على الاستقرار.

وأوضح معطي أن البنك المركزي أشار بوضوح إلى أن قرار خفض الفائدة جاء في ضوء التراجع الملحوظ في معدل التضخم السنوي مدفوعًا بتراجع أسعار المواد الغذائية، رغم الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود. وأضاف أنَّ هذا الانخفاض القوي في تضخم الغذاء ساهم في امتصاص أثر ارتفاع أسعار الطاقة، ومنع التضخم العام من الارتفاع بشكل حاد.

وأكد الخبير الاقتصادي أن البنك المركزي ينظر إلى هذا التراجع في التضخم باعتباره مؤشرًا إيجابيًا يسمح ببدء دورة تيسير نقدي، لكنه في الوقت نفسه لا يغفل المخاطر القائمة، وهو ما يفسر الاكتفاء بخفض محدود للفائدة، وليس خفضًا حادًا بنسبة 2% أو 3% دفعة واحدة.

وأشار إلى أن البنك المركزي يستهدف الوصول بمعدل التضخم إلى 7% ± 2% بحلول الربع الرابع من عام 2026، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد، وفق التوقعات، مزيدًا من التخفيضات التدريجية في أسعار الفائدة إذا استمرت البيانات الاقتصادية في التحسن.

تحرك حذر بسبب التوترات الجيوسياسية

أوضح الدكتور أحمد معطي أنه من النقاط الإيجابية في بيان البنك المركزي أنه يربط القرار المحلي بالسياق العالمي، مؤكدًا أن مصر لا تتحرك بمعزل عن الاقتصاد العالمي. وبيّن أن البنك المركزي أشار إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال يحقق نموًا، لكنه تعافٍ نسبي وبطيء، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية الدولية، والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يفرض على صانع السياسة النقدية في مصر التحرك بحذر شديد.

وأشار إلى أن البنك المركزي أوضح أن التضخم العالمي مستقر نسبيًا، لكن هذا الاستقرار يظل هشًا وقابلًا للتغير، ما يستدعي استخدام سياسة التيسير النقدي بشكل حذر ومتدرج، يتماشى مع تطورات الأسواق العالمية وتوقعاتها، وليس بناءً على المؤشرات المحلية فقط.

وفيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، قال معطي إن البنك المركزي أشار إلى أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي يُتوقع أن يسجل نحو 5%، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 5.3%، موضحًا أن هذا التراجع الطفيف لا يعد سلبيًا، بل يظل المعدّل جيدًا في ظل الأوضاع الحالية، وأكد أن هذا النمو مدفوع بزيادة المعروض من السلع والمنتجات، وهو ما يساهم بدوره في كبح الضغوط التضخمية وتحقيق قدر أكبر من التوازن في الأسواق.

وأوضح الخبير أن العلاقة بين النمو وزيادة المعروض تعد عنصرًا محوريًا في استراتيجية البنك المركزي، حيث إن التوسع في الإنتاج وتحسن جانب العرض يمثلان أحد أهم الأدوات غير النقدية للحد من التضخم على المدى المتوسط.

اقرأ أيضًا: ماذا تعني المراجعتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد للاقتصاد المصري؟

تقليل أعباء خدمة الدين

أكد الدكتور أحمد معطي أن خفض أسعار الفائدة يعد إيجابيًا للاقتصاد المصري بشكل عام، لأنه يساهم في تقليل أعباء خدمة الدين على الدولة، ويشجع في الوقت نفسه الشركات والأفراد على التوسع في الاقتراض والاستثمار، بما يدعم النشاط الإنتاجي ويعزز النمو الاقتصادي، كما أشار إلى أن تراجع الفائدة يفتح المجال أمام تحسن أداء سوق المال، ويدفع شريحة من المدخرين إلى البحث عن بدائل استثمارية أخرى، مثل المشروعات الإنتاجية، وصناديق الاستثمار، والبورصة، والذهب.

وأضاف أن فك جزء من الشهادات الادخارية خلال الفترات المقبلة، مع استمرار خفض الفائدة تدريجيًا، قد يدفع بعض المدخرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو قنوات أكثر إنتاجية، رغم أن الغالبية ستظل تميل إلى تجديد شهاداتها، خاصة في المدى القصير.

واختتم الدكتور أحمد معطي تصريحاته بالتأكيد على أن قرار البنك المركزي الأخير قرار موفق ومتوازن، يعكس قراءة دقيقة للبيانات الاقتصادية، ويصب في مصلحة دعم النمو دون التفريط في استقرار الأسعار، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستتطلب استمرار التحرك التدريجي والحذر، وربط أي قرارات جديدة بتطورات التضخم والنمو محليًا وعالميًا، بما يضمن استدامة التعافي الاقتصادي.

13 تريليون جنيه حجم المديونية المحلية

من جهتها، قالت الدكتورة عالية المهدي، الخبيرة الاقتصادية، إن قرار البنك المركزي المصري يحمل تأثيرات مالية مباشرة ومهمة على الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل وصول حجم المديونية المحلية إلى نحو 13 تريليون جنيه، موضحة أن هذا الخفض ينعكس تلقائيًا على تقليص أعباء خدمة الدين.

وأوضحت المهدي أن خفض سعر الفائدة بنسبة 1% في ظل هذا الحجم من الدين يعني عمليًا خفض مدفوعات الفوائد على الحكومة بنحو 130 مليار جنيه، وهو ما يمثل وفراً كبيرًا في الإنفاق العام، يمكن أن يساهم في تقليص عجز الموازنة، وإعادة توجيه جزء من الموارد المالية إلى بنود أكثر أولوية، مثل الإنفاق الاجتماعي، والاستثمار في التعليم والصحة، أو دعم النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

اقرأ أيضًا: التمويل الاستهلاكي في مصر ومخاوف فقاعة الديون

العلاقة بين سعر الفائدة وحجم مدفوعات الفوائد

أكدت الخبيرة الاقتصادية أن العلاقة بين سعر الفائدة وحجم مدفوعات الفوائد علاقة مباشرة، فكلما اتجه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة بمعدلات أكبر تراجعت تلقائيًا أعباء الفوائد التي تتحملها الحكومة، وهو ما يمنح صانع القرار المالي مساحة أوسع لإدارة الموازنة العامة بشكل أكثر كفاءة، ويقلل من الضغوط المتراكمة على المالية العامة للدولة.

وأضافت الدكتورة عالية المهدي أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة يؤدي إلى استنزاف جانب كبير من موارد الدولة في خدمة الدين على حساب الإنفاق التنموي، مشيرة إلى أن أي خفض تدريجي ومدروس للفائدة يمثل خطوة إيجابية على طريق إصلاح هيكل الموازنة العامة وتقليل الاختلالات المزمنة المرتبطة بعجزها.

وفي هذا السياق، توقعت المهدي أن يتجه البنك المركزي المصري إلى مواصلة خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأول من عام 2026، بمعدل يتراوح ما بين 1% و2%، إذا ما استمرت المؤشرات الاقتصادية الحالية في التحسن، وعلى رأسها تراجع معدلات التضخم واستقرار الأوضاع النقدية.

وشددت على أن الهدف الأساسي من هذا التوجه لا يقتصر فقط على دعم النمو الاقتصادي، بل يمتد ليشمل خفض مدفوعات الفائدة في الموازنة العامة للدولة، بما يساهم في تخفيف العبء المالي عن الحكومة، وتحقيق قدر أكبر من الانضباط المالي، وتحسين استدامة الدين العام على المدى المتوسط.

واختتمت الدكتورة عالية المهدي تصريحاتها بالتأكيد على أن خفض الفائدة، رغم أهميته، يجب أن يتم في إطار رؤية متكاملة تراعي التوازن بين استقرار الأسعار، واستدامة المالية العامة، وتحفيز الاستثمار والإنتاج، مؤكدة أن السياسة النقدية تظل أداة داعمة، لكنها ليست بديلًا عن الإصلاحات الهيكلية العميقة في الاقتصاد والمالية العامة.

اقرأ أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة