شهدت مصر حدثاً اقتصادياً بارزاً بتوقيع عقود أكبر مشروع سياحي متكامل على ساحل البحر الأحمر، باستثمارات ضخمة تقدر بنحو 900 مليار جنيه (18.5 مليار دولار)، في إطار شراكة استراتيجية بين مستثمرين من السعودية والإمارات.
تم الإعلان عن المشروع خلال مؤتمر صحفي عُقد في مقر مجلس الوزراء بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين، وقد حرصت الحكومة على تسليط الضوء على أهمية المشروع، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما أيضاً من حيث كونه جزءاً من خطة أشمل لتعزيز مكانة مصر كوجهة سياحية رائدة على المستويين الإقليمي والدولي.
المشروع سيقام على مساحة شاسعة تصل إلى 10 ملايين متر مربع (ما يعادل نحو 2426 فداناً) في منطقة خليج سوما بالقرب من مدينة الغردقة، وعلى بُعد نحو نصف ساعة فقط من مطار الغردقة الدولي، وهو موقع يُعد من أبرز المناطق الواعدة على ساحل البحر الأحمر.
ملامح أكبر مشروع سياحي على البحر الأحمر
من المقرر أن يتضمن المشروع إنشاء 12 فندقاً سياحياً بمستويات مختلفة لتلبية احتياجات شرائح متنوعة من الزوار، بداية من الفنادق الفاخرة المطلة مباشرة على البحر، وصولاً إلى الفنادق المتوسطة والعائلية، كما يضم المشروع مجموعة من الفيلات الفاخرة ومساكن الواجهة البحرية التي تتميز بشواطئ خاصة وإطلالات بانورامية.
وسيكون قلب المشروع عبارة عن مارينا بحرية كبرى تضم ثلاثة مراسٍ دولية قادرة على استيعاب اليخوت العملاقة، إلى جانب أرصفة بحرية بطول 400 متر وقناة مائية صالحة للملاحة تمر في وسط المشروع، كما خُطط لإنشاء شواطئ اصطناعية بتقنية «Infinity» تمتد لمسافة 1.5 كيلومتر بارتفاع 10 أمتار، فضلاً عن مرافق خدمية متكاملة تشمل مناطق ترفيهية، ومراكز طبية، وخدمات سكنية.
هذه المكونات، بحسب القائمين على المشروع، تستهدف خلق مدينة سياحية متكاملة توفر كل مقومات الإقامة والرفاهية، وتضع البحر الأحمر على خريطة السياحة العالمية بشكل أقوى.
فرص عمل وتأثير اقتصادي مباشر
أحد أبرز الجوانب التي ركزت عليها الحكومة خلال الإعلان هو حجم فرص العمل التي سيولدها المشروع، فمن المتوقع أن يسهم في توفير نحو 150 ألف وظيفة أثناء مرحلة الإنشاء، بالإضافة إلى 25 ألف وظيفة دائمة بعد اكتماله.
ويرى مراقبون أن مثل هذه المشاريع لا تقتصر فوائدها على سوق العمل فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات اقتصادية أخرى، مثل مواد البناء، والنقل، والطيران، والخدمات اللوجستية، وهو ما يعزز من الأثر الاقتصادي الكلي للمشروع.
أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة تعتبر هذه الشراكات ركيزة أساسية في خطتها لدفع عجلة التنمية السياحية، مشيراً إلى أن الفترة المقبلة ستشهد الإعلان عن مشروعات استثمارية مشابهة سواء على ساحل البحر الأحمر أو في منطقة الساحل الشمالي.
وشدد مدبولي على أن استقطاب استثمارات بهذا الحجم لم يكن ليتحقق لولا التطور الكبير في البنية التحتية المصرية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تطوير شبكة الطرق والمطارات والموانئ، إلى جانب الإصلاحات التشريعية والتحول الرقمي، وأوضح أن الحكومة تستهدف خفض معدلات الدين العام إلى مستويات تاريخية، وأن هذه النوعية من الاستثمارات تمثل إحدى الأدوات لتحقيق ذلك.
البعد الاستراتيجي والسياسي
يرى محللون أن المشروع الجديد يتجاوز كونه استثماراً عقارياً أو سياحياً، ليحمل أيضاً رسالة سياسية واقتصادية مهمة، فالشراكة السعودية – الإماراتية في هذا التوقيت تعكس رغبة من دول الخليج في تعزيز تعاونها الاقتصادي مع مصر، بما يرسخ العلاقات الاستراتيجية بين الأطراف الثلاثة.
كما أن موقع المشروع في منطقة البحر الأحمر يمنحه أهمية خاصة، إذ يُنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها أحد أكثر الوجهات السياحية الواعدة على مستوى العالم، وهو ما قد يجعل من المشروع منصة لمنافسة وجهات إقليمية أخرى مثل دبي وتركيا واليونان.
في هذا السياق، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن المشروع يمثل قفزة نوعية في الاستثمار السياحي، مؤكداً أن حجمه الاستثماري الضخم يجعله واحداً من أكبر التدفقات الاستثمارية المباشرة التي يشهدها القطاع في السنوات الأخيرة.
وأشار الجرم إلى أن المشروع سيؤدي إلى زيادة حصيلة النقد الأجنبي عبر استقطاب أعداد أكبر من السياح الدوليين، كما سيحفز استثمارات موازية في مجالات الطيران والنقل والخدمات الترفيهية، وهو ما يجعله بمثابة رافعة للاقتصاد الكلي.
وأضاف أن اختيار ساحل البحر الأحمر يعكس رؤية استراتيجية واضحة، إذ تُعد المنطقة من أبرز الوجهات العالمية، ما يمنح مصر ميزة تنافسية مهمة، كما أكد أن الشراكة الخليجية تحمل رسالة ثقة واضحة في الاقتصاد المصري ورغبة في إقامة مشروعات طويلة الأمد.
الجدول الزمني للمشروع
وفقاً للمخطط الزمني، من المتوقع الانتهاء من تنفيذ المشروع بالكامل خلال أربع سنوات، على أن يبدأ تشغيل المرحلة الأولى قريباً،وسيضيف المشروع نحو 11 ألف غرفة فندقية جديدة إلى الطاقة الاستيعابية للسياحة المصرية، وهو ما يُتوقع أن يسهم في رفع أعداد السياح بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة.
لا يقتصر الهدف من المشروع على دعم قطاع السياحة فحسب، بل يأتي أيضاً ضمن استراتيجية وطنية أوسع تستهدف توسيع الرقعة العمرانية ونقل الكثافة السكانية من الوادي الضيق إلى مجتمعات جديدة مستدامة،ويصف خبراء هذه الرؤية بأنها انتقال من “النهر إلى البحر” في فلسفة التنمية، بما يعزز من قدرة الدولة على خلق مجتمعات عمرانية متكاملة على السواحل.
من المنتظر أن يسهم المشروع في تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية، ويجعل من البحر الأحمر مركز جذب سياحي ينافس الوجهات الإقليمية والدولية الكبرى، كما يُتوقع أن يعزز المشروع قدرة مصر على جذب استثمارات إضافية في مجالات مكملة، مثل النقل الجوي والبحري والخدمات اللوجستية، فضلاً عن الأنشطة التجارية والعقارية.
وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها العديد من دول المنطقة، يرى محللون أن استقرار مصر السياسي والأمني يمثل عاملاً أساسياً في قدرتها على استقطاب مثل هذه المشروعات العملاقة، ما يجعلها في موقع متميز كإحدى الوجهات الاستثمارية القليلة المستقرة في الشرق الأوسط.
قد يهمّك أيضًا: مصر تحتفظ بلقب عاصمة الأثرياء في شمال أفريقيا بـ 14.8 ألف مليونير