مصر في قمة شنغهاي للتعاون.. شراكات اقتصادية تعيد رسم خريطة الاستثمار
شاركت مصر في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بلس التي انعقدت في مدينة تيانجين الصينية بمشاركة عدد من قادة الدول ورؤساء الحكومات، وذلك بالتوازي مع استضافة القاهرة لاجتماعات مجموعة العشرين لأول مرة خارج نطاق الدول الأعضاء.
وقال الدكتور مصطفى أبو زيد إن انضمام مصر إلى أعمال قمة منظمة شنغهاي للتعاون المنعقدة في الصين يحمل دلالات واضحة على قوة الشراكة المصرية الصينية، فالصين تنظر إلى مصر باعتبارها مركزًا صناعيًا ولوجستيًا محوريًا، خاصة عبر المنطقة الصناعية الصينية “تيدا” في العين السخنة، التي يمكن أن تكون بوابة نحو الأسواق الإفريقية.
وأضاف أبو زيد أن عوامل مثل البنية التحتية المتطورة، والحوافز الضريبية، والعمالة منخفضة التكلفة، تجعل مصر وجهة جاذبة للصناعات الصينية الراغبة في التوسع خارج حدودها التقليدية، وبالتالي فإن مشاركة مصر في مثل هذه القمم تتيح لها فرصة للترويج لنفسها كنقطة ارتكاز استراتيجي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وشدد أبو زيد على أن الاجتماعات الدولية الكبرى، مثل قمة شنغهاي، تمثل فرصة استثنائية لعرض الفرص الاستثمارية المصرية، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمناطق الصناعية المجهزة، فهذه اللقاءات تمنح مصر نافذة مباشرة للتواصل مع رجال الأعمال وصناع القرار الاقتصادي في الدول المشاركة، وهو ما يسهل بناء شراكات جديدة، ونقل التجربة الاقتصادية المصرية كنموذج في الإصلاح والانفتاح.
الترويج للاستثمار عبر المنصات الدولية
يرى أبو زيد أنَّ استضافة القاهرة لاجتماعات مجموعة العشرين لأول مرة خارج نطاق الدول الأعضاء تحمل رسالة قوية بشأن الثقل السياسي والاقتصادي لمصر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فهي ليست مجرد استضافة لحدث دولي، بل اعتراف بدور مصر المتنامي كوسيط وشريك إقليمي فاعل.
وأضاف الخبير أنَّ هذه الاجتماعات تفتح الباب لعقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف مع قادة الاقتصاد العالمي، بما يعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويرسخ صورة مصر كمحور جذب للاستثمارات.
وأكد أبو زيد أن الاستثمار هو المدخل الأول لتقوية الاقتصاد عبر زيادة التدفقات الدولارية وتعزيز الاحتياطي النقدي، ثم يأتي الإنتاج الذي يساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي وتوسيع قاعدة الصادرات، وأخيرًا هناك التشغيل الذي يفتح آفاقًا لتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر المشروعات الاستثمارية والصناعية.
وأشار إلى أن نجاح هذه المسارات المتكاملة هو ما يضمن بناء قاعدة صلبة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، ويجعل أي مشاركة دولية مثل شنغهاي أو العشرين خطوة عملية لدعم هذه الرؤية.
اقرأ أيضًا: مصر تحتفظ بلقب عاصمة الأثرياء في شمال أفريقيا بـ 14.8 ألف مليونير
قطاعات المستقبل.. طاقة ومياه وصناعات متقدمة
من جانبها، أكَّدت الدكتورة مروى خضر أن مشاركة مصر في القمة شنغهاي ليست مجرد حضور رمزي، بل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية؛ فالقمة جمعت نحو عشرين رئيس دولة وقوى اقتصادية كبرى مثل الصين والهند وروسيا، ما يمنح مصر فرصة ذهبية للتواصل مع اقتصادات ضخمة تبحث عن شراكات جديدة.
وأضافت خضر أن لقاءات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مع المسؤولين الصينيين ورؤساء الشركات الكبرى على هامش القمة أظهرت أن الهدف لا يقتصر على جذب الاستثمارات، بل يمتد إلى توطين الصناعات الاستراتيجية داخل مصر.
وأشارت إلى أن أبرز الملفات التي تم طرحها تضمنت التعاون في مجال تحلية المياه باستخدام تقنيات متقدمة، إلى جانب الطاقة المتجددة، وصناعة السيارات الكهربائية، والصناعات الإلكترونية والبطاريات، وهذه القطاعات، وفق وصفها، تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي، ومصر حريصة على أن يكون لها موطئ قدم فيها.
كما لفتت إلى أن مصر تستهدف إنتاج 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، وتعمل على رفع القدرة اليومية لتحلية المياه إلى 10 ملايين متر مكعب خلال سنوات قليلة، وصولًا إلى 30 مليون متر مكعب على المدى الطويل.
مسارات الإصلاح الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار
شدَّدت خضر على أن الدولة تتحرك على مسارين متوازيين؛ الأول خارجي عبر المشاركة في التكتلات الدولية الكبرى، والثاني داخلي عبر تحسين بيئة الاستثمار من خلال ضخ استثمارات في البنية التحتية (طرق، موانئ، كهرباء)، وإصلاحات تشريعية، وحوافز للمستثمرين خاصة في المناطق الاقتصادية مثل محور قناة السويس. وترى الخبيرة أنَّ هذه الجهود مجتمعة تجعل السوق المصري منافسًا قويًا للأسواق الإقليمية، وتجذب رؤوس الأموال الباحثة عن مواقع استقرار وأرباح طويلة الأجل.
وأوضحت خضر أن المشاركة في التكتلات الدولية الكبرى، مثل شنغهاي أو العشرين، تساهم في دمج الاقتصاد المصري مع الاقتصاد العالمي. فهي تتيح لمصر فرصة لعرض مقوماتها، وتلقي إشادات المؤسسات الدولية بالإصلاحات الاقتصادية التي حققتها خلال السنوات الماضية.
وأشارت إلى أن نجاح مصر في رفع معدلات النمو وتطبيق سياسات إصلاح اقتصادي جعلها محط اهتمام من كبرى الشركات العالمية، وأن المشاركة في قمم بهذا الحجم تضيف بعدًا استراتيجيًا لهذا النجاح.
رؤية مصر 2030 وتلاقيها مع أهداف شنغهاي
لفتت خضر إلى أن هناك تقاطعًا بين أهداف منظمة شنغهاي ورؤية مصر 2030، فكلاهما يهدف لتعزيز التصنيع، وتعميق استخدام التكنولوجيا، ومواجهة تحديات الدولار والعملة الأجنبية، والتوسع في الطاقة النظيفة.
وترى الخبيرة أن دول شنغهاي تمتلك فوائض مالية وخبرات صناعية تبحث عن أسواق جديدة، بينما تحتاج مصر إلى استثمارات مباشرة في الصناعة والطاقة، وهذا التلاقي يمكن أن يتحول إلى شراكات عملية ضخمة تحقق عوائد متبادلة.
وأضافت خضر أن انعقاد القمة في هذا التوقيت يضاعف من أهميتها، في ظل أزمات متشابكة هي الحرب الروسية–الأوكرانية، وأزمة الطاقة، وتباطؤ التجارة الدولية. وترى الخبيرة أن العالم يواجه أزمة هي الأخطر منذ الكساد الكبير، وأن انخراط مصر في مثل هذه التكتلات لا يخدم مصالحها فحسب، بل يساعد في صياغة نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة.
انعكاسات اقتصادية لمشاركة مصر في شنغهاي والعشرين
تتوقع خضر أن مشاركة مصر في هذه القمم ستنعكس اقتصاديًا في عدة اتجاهات:
- زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة خاصة في قطاعات الطاقة والمياه والصناعات المتقدمة.
- تعزيز موقع مصر كمركز لوجستي عالمي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا.
- خلق فرص عمل جديدة عبر توطين صناعات استراتيجية.
- تحفيز الصادرات المصرية بالوصول إلى أسواق جديدة.
- تنويع الشركاء الاقتصاديين وتقليل الاعتماد على محور واحد.
هذا يعني أنّ مشاركة مصر في قمة شنغهاي للتعاون بلس، بالتوازي مع استضافة اجتماعات مجموعة العشرين، تمثل نقلة نوعية في الدبلوماسية الاقتصادية المصرية، فهي ليست مجرد تحركات سياسية، بل أدوات عملية للترويج للاستثمار، وبناء شراكات استراتيجية، ودمج الاقتصاد المصري في المنظومة العالمية.
قد يهمّك أيضًا: خطة جديدة لإدارة الدين العام في مصر.. صكوك وسندات بـ4 مليارات دولار
