الشراكة المصرية الأوروبية.. دعم بـ 7.4 مليار يورو وتحليل للأبعاد

دخلت العلاقات المصرية الأوروبية مرحلة جديدة من التعاون البيني عقب توقيع “وثيقة الإعلان السياسي المشترك”، التي ارتقت بالشراكة بين الطرفين إلى مستوى “استراتيجي وشامل”، وتهدف هذه الخطوة الهيكلية إلى توسيع آفاق التنسيق الاقتصادي والسياسي بما يخدم المصالح المتبادلة في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.

وبموجب هذا المسار، من المقرر أن تحصل القاهرة على حزمة دعم مالي تبلغ قيمتها 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار) على مدار أربع سنوات، ووفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية فإن الحزمة تتضمن تمويلاً بقيمة 5 مليارات يورو، منها مليار يورو خُصصت كتمويل طارئ لدعم ميزان المدفوعات خلال العام الجاري.

وتتوزع حزمة المساعدات المرتقبة على ثلاثة محاور رئيسة، تبدأ بالقروض الميسرة طويلة الأجل، مروراً بتقديم ضمانات استثمارية لجذب رؤوس الأموال الأوروبية، وصولاً إلى الدعم الفني اللازم لتنفيذ المشروعات المشتركة؛ وهو ما أكده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته المنشورة عبر المنصة الرسمية لرئاسة الجمهورية.

تعويض مصر

في تحليل لأبعاد هذا الدعم، يرى رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور كريم عادل، أن هذه الحزمة المالية تأتي بمثابة “تعويض وتكليل” لجهود الدولة المصرية في احتواء تداعيات الصراعات الإقليمية؛ حيث تحملت القاهرة كلفة اقتصادية باهظة جراء مساعيها لتهدئة الأوضاع في المنطقة.

وفصّل الدكتور عادل هيكلية التمويل الممتد لأربع سنوات، موضحاً أنها تضم مليار يورو كتمويل عاجل للعام الجاري، و5 مليارات يورو في إطار المساعدات، و1.8 مليار يورو كاستثمارات مباشرة، بالإضافة إلى منح بقيمة 600 مليون يورو. واعتبر أن زيارة الوفد الأوروبي رفيع المستوى تمثل اعترافاً دولياً بثقل مصر الاستراتيجي، ومؤشراً على نجاحها في ملفات حساسة، أبرزها مكافحة الهجرة غير الشرعية وتأمين الحدود، وهي الجهود التي جنبت أوروبا اضطرابات سياسية وأمنية وكلفاً اقتصادية إضافية.

اتفاق لا يقل أهمية عن اتفاق صندوق النقد الدولي

من جانبه، وضع الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البهواشي اتفاقية “ترفيع العلاقات” مع الاتحاد الأوروبي في كفة واحدة مع الاتفاق الأخير المبرم مع صندوق النقد الدولي، والذي شهد توسعة برنامج التمويل المصري إلى 8 مليارات دولار، يضاف إليها نحو 1.2 مليار دولار من صندوق الاستدامة البيئية. ويرى البهواشي أن هذه الحزمة الأوروبية لا تكتفي بدعم احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي فحسب، بل تعمل كشهادة ثقة دولية بقدرة الاقتصاد المصري على تفعيل أدواته لتجاوز الأزمات المركبة.

وعلى صعيد الميزان التجاري، تعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حجم الروابط الاقتصادية بين الجانبين؛ حيث سجلت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأوروبي نحو 13.1 مليار دولار خلال عام 2023، مقارنة بـ 19 مليار دولار في العام السابق. وفي المقابل، شهدت الواردات من دول التكتل تراجعاً طفيفاً لتبلغ 21.2 مليار دولار العام الماضي، نزولاً من 23.1 مليار دولار المسجلة في عام 2022.

اقرأ ايضًا: هل تنجح الحكومة في مواجهة أزمة صرف العملة في مصر؟ 

عبء جديد على مصر

وفي قراءة مغايرة للالتزامات المترتبة على هذا الاتفاق، يرى الدكتور كريم عادل أن حزمة الدعم الأوروبية تفرض “أعباءً مضافة” على كاهل الدولة المصرية؛ إذ تضع القاهرة أمام استحقاقات أمنية ولوجستية أكبر تتعلق بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية المنطلقة من بؤر الصراعات المحيطة بالبلاد من مختلف الاتجاهات، فضلاً عن ملف استضافة اللاجئين.

ويصف عادل هذا التمويل بأنه “دعم مشروط” يخضع لمراجعات دورية صارمة من قبل الاتحاد الأوروبي، لضمان توجيه النفقات نحو المستهدفات التي تخدم أجندة الشراكة. ونوه رئيس مركز العدل بأن استضافة مصر لنحو 12 مليون لاجئ من 58 جنسية مختلفة -وفقاً لتقديرات المؤسسة المصرية لدعم اللاجئين- يُكبد الاقتصاد القومي كلفاً باهظة، ويشكل ضغطاً مباشراً على البنية التحتية وقطاعي الطاقة والعقارات، وصولاً إلى التأثير على استقرار أسعار السلع الأساسية.

واختتم عادل رؤيته بالتحذير من أن هذه الضغوط المتراكمة، بما فيها الطلب المتزايد على النقد الأجنبي لتغطية احتياجات هذا العدد الضخم من الضيوف، قد تسببت في استنزاف الموارد الوطنية، وأدت في مواضع عدة إلى الحيد عن مستهدفات الإصلاح الاقتصادي الشامل وبرامج التنمية الموجهة للمواطن المصري.

اقرأ أيضًا: الرمال السوداء ثروة مصرية

خطوة جيدة لمصر

من جانبه، شدد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البهواشي على أن توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يمثل حلقة ضمن سلسلة من النجاحات التمويلية الكبرى؛ بدأت بصفقة “رأس الحكمة” التاريخية مع دولة الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، وتلاها تعزيز برنامج الاتفاق مع صندوق النقد الدولي ليصل إلى نحو 9.2 مليار دولار. ويرى البهواشي أن هذا الزخم المالي يبعث برسائل طمأنة قوية للمجتمع الاستثماري الدولي، مؤشراً على بدء تعافي الاقتصاد المصري من سلسلة الأزمات المتلاحقة، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا وصولاً إلى الاضطرابات الجيوسياسية في أوكرانيا وقطاع غزة.

وعلى صعيد السياسة النقدية، أوضح البهواشي أن قرار البنك المركزي برفع أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس كان خطوة مفصلية، نجحت في العبور بالفائدة الحقيقية إلى “المنطقة الموجبة”. وأضاف أن “تحرير سعر الصرف” وتركه لآليات العرض والطلب، مدعوماً بإرادة سياسية صلبة وبنية تشريعية واقتصادية متطورة، أوجد بيئة خصبة قادرة على استقطاب وإنجاح الاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء، مما يضع الاقتصاد القومي على مسار الاستدامة والنمو.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة