مضيق هرمز تحت تهديد التوترات الجيوسياسية

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، فهو يؤدي دورًا محوريًا في تأمين تدفق النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، وفي ظل تزايد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، بات هذا الممر المائي الحيوي محطّ أنظار العالم، ليس بسبب دوره في تأمين 30% من إمدادات النفط العالمية فحسب، وإنّما لدوره المركزي في التجارة بين دول الخليج والعالم كذلك، وهذا يعني أن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى تأثيرات كارثية على الاقتصاد العالمي، مما يثير مخاوف كبيرة حول استقرار أسواق الطاقة والاقتصادات المرتبطة بها.

وفي العقود الأخيرة، شهدت منطقة الخليج تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية، خصوصًا بين إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن الصراعات الإقليمية الأخرى، هذه التوترات تزيد المخاوف حول تهديدات إغلاق المضيق، سواء من خلال هجمات على ناقلات النفط، أو من خلال تصعيد عسكري في المنطقة. علمًا أنّ إيران التي تقع على الجانب الشمالي من المضيق كانت قد هددت بإغلاقه فعلًا في حال تعرضها لتهديدات مباشرة أو زيادة الضغوط الدولية عليها.

التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل

هُناك مخاوف متزايدة من أن تؤدي التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل إلى تعطيل الملاحة في المضيق، ما قد يشكل تهديدًا لدول الخليج وللاقتصاد العالمي ككل، وفي هذا السياق يقول علي بن عبدالله الريامي مدير عام تسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة والمعادن سابقا في سلطنة عمان، إن “مضيق هرمز يُعد ممرًا حيويًا لمرور حوالي 30٪ من احتياجات العالم من النفط والغاز، كما أنه يشكل محورًا أساسيًا للتجارة بين دول المنطقة، وخاصة دول الخليج والعالم”.

اقرأ أيضًا: أسعار النفط.. خسائر للشهر الثاني على التوالي

معظم حركة التجارة، بما فيها احتياجات دول الخليج من الغذاء والدواء والسلع الأساسية، تمر عبر هذا الممر الحيوي، ووفقًا للتقديرات فإن حوالي 70٪ من واردات دول الخليج تأتي عبر مضيق هرمز، مما يبرز أهميته الاستراتيجية للطاقة وللاقتصاد الخليجي، ويجعله أحد أهم الممرات المائية على مستوى العالم لا على مستوى المنطقة فحسب. وأضاف الريامي في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، أنه في حال وقوع أي توترات جيوسياسية في المنطقة، فإن كل الأنظار تتجه نحو مضيق هرمز وإمكانية تأثر حركة الملاحة فيه.

مخاوف إغلاق مضيق هرمز

أوضح الريامي أن التوترات السياسية الحالية بين إيران وإسرائيل تُشكل تهديدًا كبيرًا؛ حيث إن هناك مخاوف من نشوب حرب شاملة إذا استمرت هذه التوترات والمخاطر، وفي حالة تفاقم الصراع قد تلجأ إيران إلى وضع عقبات أمام حركة السفن العابرة من خلال مضيق هرمز، أو حتى إلى إغلاقه بالكامل.

وفي حال تم إغلاق المضيق، فإن التأثير لن يقتصر على الدول المطلة على الخليج العربي أو بحر عمان، بل ستكون العواقب عالمية؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى تعطّل تصدير النفط والغاز بشكل كبير، الأمر الذي يزيد المخاوف في أسواق الطاقة العالمية. كما أشار الريامي إلى أن هذه المخاوف تنبع من أن إيران، إذا وُضعت في موقف لا يسمح لها بخيارات أخرى للرد على الضغوط والضربات المحتملة، قد تتجه إلى استهداف مضيق هرمز كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي.

بالإضافة إلى أن المضيق يتحكم في مرور 30% من صادرات النفط والغاز العالمية، وحوالي 70% من واردات دول الخليج مثل الإمارات، البحرين، الكويت، وقطر. وبالتالي، فإن أي تهديد يطال المضيق سيؤدي إلى تأثيرات سلبية كبيرة على هذه الدول وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام.

من جانبه قال الدكتور سيد قاسم عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع: “مما لا شك فيه أن العالم الاقتصادي يعيش في أجواء محاطة بتوترات جيوسياسية، أثرت في الملف الاقتصادي بجميع جوانبه، حيث تتنوع الأخطار التي تهدد أمن الطاقة نتيجة لعدم الاستقرار السياسي في عدة دول منتجة للطاقة، بالإضافة إلى المنافسة على مصادر الطاقة”.

أمن الطاقة

وفي سياق الحديث عن أمن الطاقة أوضح قاسم أن سعي جميع دول العالم لتأمين مصادرها من الطاقة قد أصبح يحتل مكانة غاية في الأهمية ضمن الأجندات السياسية والاقتصادية الدولية، حيث تعتبر مصادر الطاقة أولوية قصوى في تشكيل ملامح القوة الاقتصادية، وذلك له انعكاسات خطيرة على مسار العلاقات الدولية.

وجدير بالذكر أن مخاطر أمن الطاقة العالمية قد زادت بشكل حاد لعدة أسباب؛ منها التوترات الجيوسياسية، وارتفاع الطلب على واردات النفط بشكل كبير في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وقد أدى ذلك إلى تقلب أسعار النفط نتيجةً للتوترات الدولية والتغيرات المناخية.

تابع قاسم في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia فيما يتعلق بتحديات أمن الطاقة: “يرتبط هذا الأمن بالعديد من التحديات التي لها آثار واضحة على استراتيجيات أمن الطاقة العالمية والإقليمية، وهذا ما يدفع الدول الكبرى إلى تبني سياسات تهدف إلى امتلاك أدوات متنوعة تتناسب مع الأوضاع الراهنة على الصعيدين الداخلي والخارجي”.

أهم الممرات العالمية

واستطرد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع: “في سياق ما سبق، ومع الأحداث التي يشهدها مضيق هرمز، نود الإجابة عن سؤال مهم، وهو: لماذا تخشى أسواق النفط والغاز من خطر انقطاع الإمدادات في مضيق هرمز؟”، للإجابة على هذا السؤال، يجب الإشارة إلى بعض المعلومات المهمة، مضيق هرمز هو أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن، حيث إنّه يقع في منطقة الخليج العربي، فاصلًا بين مياه الخليج العربي من جهة، ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخر، ويعد هذا المضيق المنفذ البحري الوحيد لكل من العراق والكويت والبحرين وقطر.

ثم اختتم الخبير حديثه عن أهمية مضيق هرمز، وقال: “يُعد المضيق من أهم نقاط الاختناق النفطية في العالم، حيث تمر عبره ناقلات تحمل ما يقرب من 17 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل 20 إلى 30 في المئة من إجمالي استهلاك العالم. بالإضافة إلى ذلك، يمر عبره ثلث السلع المتداولة عالميًا، بما في ذلك المصنوعات الصينية وشرق آسيا.

ومن جانبه يقول ياسين أحمد خبير أسواق النفط: “يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للاقتصاد العربي، خاصة بالنسبة لدول الخليج التي تعتمد عليه في تصدير النفط الخام والمنتجات البترولية إلى حد بعيد، وبالتالي فإنّ أي انقطاع أو تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي له عواقب وخيمة على الاقتصاد العربي بشكل عام، وعلى الاقتصادات العربية الخليجية بشكل خاص”.

وأضاف أحمد في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia : “إن الأسواق النفطية حساسة لأي تغييرات قد تحدث في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، وبالتالي فإنّ أي تهديد بإغلاق المضيق أو حتى اضطرابات طفيفة في الإمدادات ستؤدي إلى زيادة أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية فورًا، حيث يعتبر المخزون العالمي غير كافٍ لتعويض الانقطاعات طويلة الأمد التي قد تحدث إذا أغلقت إيران المضيق، وهذا السيناريو قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة من التضخم بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، ما يؤثر في قطاع النقل والتصنيع والزراعة”.

اقرأ أيضًا: توترات الشرق الأوسط ترفع أسعار النفط عالميًا

التأثيرات المتوقعة لانقطاع الإمدادات

إنّ أي إغلاق لمضيق هرمز قد يتسبب بإحداث تأثيرات سلبية على مستويات متعددة، الأمر الذي يدفع الدول الكبرى وشركات الطاقة الدولية لمراقبة الأوضاع في المنطقة من كثب، ومن التأثيرات المحتملة ما يأتي:

  • ارتفاع حاد في أسعار النفط: إنّ أي انقطاع في إمدادات النفط عبر مضيق هرمز سيؤدي إلى نقص حاد في المعروض العالمي، مما يرفع أسعار النفط بشكل كبير، وهذا الارتفاع الحاد في الأسعار سيؤثر في الدول المستوردة للنفط بشكل مباشر، بما في ذلك العديد من الدول العربية، الأمر الذي سيزيد فواتير استيراد الطاقة ويضع ضغطًا كبيرًا على ميزانياتها.
  • تضخم وارتفاع تكاليف المعيشة: في حال ارتفعت أسعار النفط سترتفع معها تكاليف الإنتاج والنقل، مما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات الأخرى، وبالتالي زيادة معدلات التضخم، وهذا بدوره سيؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد معاناة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
  • تباطؤ النمو الاقتصادي: يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تقليل الاستثمارات وتقليص النشاط الاقتصادي، وبالتالي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول العربية، الأمر الذي سيؤثر سلبًا على فرص العمل ويزيد معدلات البطالة.
  • اضطرابات سياسية واجتماعية: قد يؤدي ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية، وزيادة حدة الاحتجاجات والمظاهرات.
  • تأثر ميزان المدفوعات: ستواجه الدول العربية المستوردة للنفط صعوبات كبيرة في تمويل فواتير استيراد الطاقة، مما قد يؤدي إلى تدهور ميزان مدفوعاتها، وزيادة الدين العام.

وإذا تحدّثنا عن الدول العربية المتأثرة، فإنّ الدول الخليجية هي الأكثر تضررًا من أي انقطاع في إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، وذلك بسبب اعتماد اقتصاداتها على عائدات النفط بشكل كبير، كما ستتأثر مجموعة من الدول العربية المستوردة للنفط، مثل مصر والأردن ولبنان، بارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي سيزيد من أعبائها الاقتصادية.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة