مضيق هرمز.. حين يصبح النفط سلاحًا

حين يبلغ سعر برميل النفط عتبة 108 دولارات، فإنه يتجاوز كونه مجرد رقم في النشرات الاقتصادية ليتحول إلى تحدٍ حقيقي يختبر مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على الاستمرار؛ ففي منطقة حيوية كالشرق الأوسط تتأثر خرائط التضخم ومعدلات النمو ومسارات الفائدة بمجرد اهتزاز القناعة السائدة باستمرارية تدفق الإمدادات، إذ لا يتوقف الأمر عند ترقب صدمة طاقة مماثلة لما حدث في السبعينيات، وإنما يمتد ليشمل “آليات الخوف” التي ينشطها مجرد احتمال وقوع تلك الصدمة.

وتتجلى هذه الآليات عمليًا في الارتفاع الفوري لأقساط التأمين وقفزات أجور الناقلات، وقيام السفن بتغيير مساراتها استباقيًا حتى قبل الإغلاق الفعلي لأي ممر مائي، مما يدمج الجغرافيا السياسية كعنصر جوهري وأصيل في معادلة التسعير اليومية.

كيف يستجيب النفط للأزمات؟

تتخذ تداعيات الأزمات في منطقة الشرق الأوسط ثلاثة مسارات رئيسة تتباين وفقاً لاستجابة أسواق الطاقة؛ ففي السيناريو الأشد حدة يؤدي التصعيد الذي يستهدف البنية التحتية أو الممرات الحيوية إلى قفزة مستدامة في الأسعار، تعيد إحياء مخاطر التضخم وتجبر البنوك المركزية على اتخاذ مواقف نقدية متشددة.

أما “سيناريو الأساس”، فيتمثل في حدوث هزات سعرية حادة لكنها مؤقتة تتلاشى بمجرد التأكد من سلامة المنشآت النفطية على المدى الطويل. وفي المقابل، تبرز الصدمات المحدودة التي تقع بعيداً عن مراكز الإنتاج الكبرى، حيث تظل الإمدادات المادية مستقرة دون أثر ملموس على الأسعار، تماماً كما حدث في حرب غزة التي صُنفت كحدث جيوسياسي ضخم لكنها لم تترك بصمة فعلية على توازنات السوق العالمية.

ويظل الرابط الجوهري بين هذه المسارات هو تأثيرها على الاقتصاد الكلي، إذ إن تحول التقلب العابر إلى ارتفاع مستقر يعني انتقال الأزمة من مجرد خبر للمراقبة إلى عامل أساسي يوجه السياسات النقدية العالمية.

ومن أكثر الأرقام دلالة في هذا السياق، التقديرات التي تشير إلى إمكانية قفز الأسعار بنسبة 80% مقارنة بمستويات مطلع عام 2026، ليرتفع البرميل من 60 إلى 108 دولارات. هذا التحول يتجاوز كونه زيادة في تكاليف الإنتاج ليصيغ واقعاً عالمياً يتسم بتباطؤ النمو وتفاقم التضخم وتشديد السياسة النقدية، وهو ما يفسر تحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى أداة ضغط مباشرة على توقعات الأسواق، التي بدورها تتحكم في تكاليف الاقتراض حتى قبل صدور القرارات الرسمية بشأن الفائدة.

اقرأ أيضًا: حرب إيران وإسرائيل.. ارتفاعات قياسية في النفط والذهب

ثقل الشرق الأوسط.. محركات الطاقة والسيولة

تنبثق المحورية الاقتصادية للشرق الأوسط من كونه مزوداً عالمياً لثلاثة مدخلات أساسية هي الطاقة، ورأس المال، ومسارات التجارة، ورغم التحولات نحو الطاقة المتجددة وازدهار النفط الصخري الأمريكي، لا تزال المنطقة تضخ ثلث الإنتاج العالمي من النفط وخمس إنتاج الغاز، مؤمنةً 15% من احتياجات الطاقة الدولية كما كان الحال في السبعينيات. وحين تقترن هذه الحصة الضخمة بممرات بحرية ضيقة يتضاعف الخطر؛ إذ لا يتوقف الاضطراب عند رفع أسعار الوقود، بل يمتد لرفع كلفة شحن كافة البضائع من الحبوب إلى السلع الاستهلاكية.

وتبدو طبقة النفوذ الثانية متمثلة في القوة المالية، حيث تضم المنطقة أربعة من أكبر عشرة صناديق سيادية عالمية (الكويت، قطر، السعودية، والإمارات)، بمحفظة استثمارات هائلة تشمل قطاعات التكنولوجيا الأمريكية وعقارات مصر ومناجم أفريقيا وصولاً إلى الودائع المصرفية في تركيا. هذا الانتشار الاستثماري يجعل من أي صدمة إقليمية أزمة عابرة للحدود، تتسرب من سوق الطاقة لتضرب أسواق المال العالمية من بوابة شهية المخاطر وتدفقات السيولة.

هرمز كعقدة لسلاسل الإمداد

تضع التطورات الراهنة مضيق هرمز في جوهر المعادلة الاقتصادية كونه الممر الذي يعبره خُمس تدفقات النفط العالمي، بالتوازي مع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وقناة السويس كشريان يربط التجارة بين آسيا وأوروبا. وتكتمل هذه الصورة اللوجستية بمشاريع الممرات الكبرى مثل “IMEC” وطريق التنمية العراقي ومبادرة الحزام والطريق، مما يكرس مكانة المنطقة كعقدة عالمية تتقاطع عندها سلاسل الإمداد الدولية.

بناءً على ذلك، يصبح التساؤل الاقتصادي أكثر عمقاً وشمولية؛ فلا يقتصر الأمر على مراقبة سعر البرميل، بل يمتد لتقييم كلفة الرحلات البحرية وزمن التسليم وتكاليف التأمين، وهي العناصر الثلاثة التي تحول المخاطر الجيوسياسية في نهاية المطاف إلى تضخم مستورد يطال كافة اقتصادات العالم.

اقرأ أيضًا: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟

من 1948 إلى ما بعد 2023

تستعرض جذور المشهد الراهن عبر مرحلتين تاريخيتين للصراع منذ عام 1948؛ بدأت الأولى (1948–1979) بسلسلة الحروب العربية الإسرائيلية التي شهدت صعود الدور الأمريكي وتراجع القوى الاستعمارية التقليدية، ثم جاء عام 1979 ليمثل نقطة تحول مزدوجة تمثلت في الثورة الإيرانية التي أعادت رسم تموضع طهران الإقليمي، ومعاهدة “كامب ديفيد” التي أخرجت الثقل المصري من معادلة الصراع المباشر، لينتقل الصراع لاحقاً إلى مواجهات بين إسرائيل وجماعات مسلحة مدعومة إيرانياً، وصولاً إلى اكتمال “محور المقاومة” بانضمام الفصائل العراقية بعد 2003 والحوثيين بعد 2014.

لكن التحول الأبرز اقتصادياً يتبلور في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023؛ حيث شهدت المنطقة تقلصاً كبيراً في قدرات حماس وحزب الله، وفقدت إيران حليفاً استراتيجياً بسقوط النظام في سوريا، وتعرضت بنيتها النووية وعصبها العسكري لأضرار بالغة خلال مواجهة استمرت 12 يوماً بدعم أمريكي، ومع ختام هذه المرحلة يلوح في الأفق فصل جديد بفاعلين جدد وصراعات محتملة، مما يجعل “عدم اليقين” هيكلاً ثابتاً في تسعير المخاطر وليس مجرد موجة عابرة.

هرمز كورقة أخيرة.. وإشارات مبكرة من الموانئ

يتصدر سيناريو إغلاق مضيق هرمز واجهة الأحداث الحالية، وسط تقارير عن توقف ناقلات نفط وغاز عالمية عن الإبحار عبره، وبلاغات تلقتها هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تفيد بتلقي سفن في الخليج رسائل إيرانية بصدد إغلاق المضيق، رغم غياب التأكيد الرسمي، لكن هذه المخاوف تعززت بتصريحات من مهمة “أسبيدس” الأوروبية حول رصد بث عالي التردد من الحرس الثوري الإيراني يمنع العبور.

المفارقة أن الأسواق بدأت بالتحرك استباقياً دون انتظار القرار الرسمي؛ إذ كشفت بيانات تتبع السفن عن إفراغ شبه كامل للشريط البحري قرب ميناء هرمز قبل الضربة بأيام، فبينما كان المتوسط اليومي للاستقبال نحو 30 سفينة في الربع الأخير من العام، انخفض العدد إلى 5 سفن فقط بين 20 و24 فبراير، بل وصلت إلى سفينة واحدة في 23 فبراير. هذا السلوك الاستباقي يجسد المعنى العملي لـ “علاوة الخوف”، حيث تفضل الشركات تكلفة الحذر على التبعات الباهظة للمفاجأة.

الجدير بالذكر أنّ الإغلاق الفعلي للمضيق يمثل خياراً انتحارياً لإيران؛ كونه يشل موانئها ويحرمها من تصدير معظم نفطها في وقت تعاني فيه البلاد من سخط اجتماعي وتدهور حاد في العملة. وتكشف الأرقام أن 90% من الصادرات النفطية الإيرانية و62% من بضائعها التجارية تمر عبر هذا الممر، فضلاً عن أن جزيرة “خرج” وحدها تداول ما يصل إلى 95% من خامها المصدر، وبالتالي فإنّ التهديد بالإغلاق يتحول إلى “سلاح تفاوضي” أكثر منه قراراً اقتصادياً عقلانياً، لكنه سلاح ذو كلفة فورية، إذ يدفع شركات الشحن والتأمين لإعادة تسعير خدماتها بمجرد التلميح بالخطر.

اقرأ أيضًا: البرلمان الإيرانى يوافق على إغلاق مضيق هرمز

من يتلقى الضربة مباشرة.. العراق والكويت وقطر

تتفاوت قدرة دول الخليج على تحمل صدمة إغلاق هرمز، حيث يبرز العراق كأكثر المتضررين لاعتماده شبه الكلي على مرافئ الجنوب التي ليست لها بدائل بحرية خارج المضيق، وبما أن النفط يغطي 90% من موازنة الدولة فإن توقف الصادرات يهدد الرواتب والاستقرار النقدي، خاصة وأن البدائل مثل خط “كركوك-جيهان” لا تضخ سوى كميات محدودة لا تقارن بحجم التدفقات عبر هرمز.

وفي الكويت، يبرز مشهد مشابه حيث يعتمد تصدير أكثر من مليوني برميل يومياً بشكل حيوي على المضيق؛ وتكشف بيانات السنة المالية 2024/2025 عن حساسية مفرطة، إذ استأثرت الإيرادات النفطية بنحو 87.8% من إجمالي الإيرادات الفعلية (19.36 مليار دينار من أصل 22.06 ملياراً)، وهي نسبة تجعل المالية العامة بلا هوامش مناورة لامتصاص صدمة التوقف.

أما قطر، فالمخاطرة تتجاوز النفط لتطال الغاز الطبيعي المسال، حيث يمر عبر المضيق خمس تجارة الغاز العالمية و80% من قيمة صادرات قطر الجمركية، ومع بلوغ صادراتها 81.07 مليون طن في 2025، فإن أي اضطراب سيمتد أثره من الدوحة ليضرب أسعار الغاز في الأسواق الآسيوية والأوروبية على حد سواء.

من يملك مخارج.. السعودية والإمارات

وسط هذه الهشاشة، ترسم الأحداث فارقاً بين دول تمتلك بدائل لوجستية وأخرى تفتقر إليها؛ فالسعودية تمتلك خط أنابيب “الشرق-الغرب” بطاقة تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، بينما تعتمد الإمارات خط “حبشان-الفجيرة” بطاقة 1.5 مليون برميل يومياً بمعدل تشغيل يناهز 73%، مع عملها على خط ثانٍ من الرويس إلى الفجيرة بطاقة مماثلة يتوقع دخوله الخدمة في 2027، ليوفر سعة استيعابية تغطي كامل صادرات الدولة البالغة مليوني برميل يومياً عبر خيارات نقل الإنتاج البحري.

لكن توفر البديل لا يضمن النجاة المطلقة؛ فالسعودية والإمارات وإن تمكنتا من تخفيف وطأة الأزمة عبر إعادة توجيه الخام، إلا أن صادرات المنتجات المكررة والغاز المسال ستظل عرضة للتأثر، فضلاً عن أن أي تعطل سيعيق نقل الكميات من الحقول البحرية، ويؤدي بالضرورة إلى إطالة أمد مكوث السفن وتقليص وتيرة الرحلات البحرية.

اقرأ أيضًا: الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد تشكيل خريطة العملات عالميًا

كلفة الشحن.. حين تتحول المخاطر إلى أرقام

تتجلى التداعيات الفورية في قطاعي التأمين والشحن؛ إذ تشير بيانات الخدمات اللوجستية إلى قفزة في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة لهرمز من 0.125% إلى ما يتراوح بين 0.2% و0.4% من قيمة السفينة، وقد تصل إلى 0.7% للسفن المرتبطة بإسرائيل أو حلفائها.

ووفقاً لرويترز، ارتفعت الأقساط المتجهة للخليج عموماً إلى 0.5%، وهذه الزيادات تترجم إلى كلف تشغيل إضافية تصل لمئات آلاف الدولارات لكل رحلة للسفن العملاقة، وهي تكاليف يتحملها المستهلك النهائي في نهاية المطاف.

وعلى صعيد الشحن، سجل مؤشر “وورلدسكايل” لمسار الخليج-شرق آسيا ارتفاعاً من 105 إلى 140 نقطة، بينما تضاعفت أجور ناقلات النفط العملاقة المتجهة للصين ثلاث مرات لتصل إلى 200 ألف دولار يومياً، وهو المستوى الأعلى منذ عام 2020.

منذ أكتوبر 2023، ظلت جيوسياسة المنطقة وأسعار النفط تتحركان في مسارين متوازيين دون تصادم مباشر، لكن تحقق السيناريو الأسوأ يهدد بانهيار “الجدار العازل” بين الطاقة والجغرافيا السياسية، ما قد يستدعي أزمات السبعينيات مجدداً، وما يجعل هذا الاحتمال واقعياً هو أن السوق بدأت بالفعل بتسعير هذا المسار سلوكياً عبر إفراغ الموانئ وتغيير مسارات السفن ورفع كلف التأمين قبل حدوث الإغلاق الفعلي.

عند هذه النقطة، يتراجع السؤال عن حتمية إغلاق مضيق هرمز ليحل محله سؤال أكثر إلحاحاً: كم مرة يكفي التلويح بالتهديد حتى تتحول “علاوة الخوف” إلى تضخم ملموس؟ إذ بات وصول السعر إلى 108 دولارات احتمالاً قائماً بذاته نتيجة التوقعات، حتى قبل أن ينقص المعروض العالمي ببرميل واحد.

قد يهمّك أيضًا: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة