مضيق هرمز.. هل يواجه العالم أزمة طاقة غير مسبوقة؟

تشير التطورات المتسارعة في منطقة الخليج إلى أن أزمة مضيق هرمز لم تقترب بعد من نهايتها، فرغم التصريحات الأمريكية بشأن إمكانية تأمين الملاحة وفتح المضيق بالقوة، لا يزال تنفيذ مثل هذه الخطوات يواجه تعقيدات كبيرة على أرض الواقع.

وفي ظل هذا المشهد المضطرب، بدأت العديد من الدول لا تكتفي بالبحث عن بدائل مؤقتة لضمان تدفق إمدادات الطاقة، بل تتجه أيضًا إلى التفكير بشكل أعمق في تقليل اعتمادها الاستراتيجي على هذا الممر الحيوي، حتى في حال عودة الاستقرار إليه مستقبلاً.

وفي هذا الشأن، أكد الدكتور على الريامي، خبير أسواق النفط، أن أسواق الطاقة العالمية تمر بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، لا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وهو ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد الدولي.

حساسية أسواق الطاقة للتطورات السياسية والأمنية

أوضح الريامي أن التصعيد العسكري الأخير انعكس بشكل مباشر على الأسواق، حيث بدأت أسعار النفط في الارتفاع التدريجي، مشيرًا إلى أن السوق لم تعد تحكمها اعتبارات العرض والطلب فحسب، وإنّما أصبحت شديدة التأثر بالتطورات السياسية والأمنية، الأمر الذي أدخلها في حالة من القلق وعدم الاستقرار.

كما أشار إلى أن المؤشرات الحالية تنذر بإمكانية استمرار ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية إذا استمرت الأزمة أو اتسعت رقعتها، مؤكدًا أن أسواق الطاقة باتت في وضع حرج، وأن أي اضطراب إضافي قد يدفعها إلى موجة تقلبات حادة تؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي سياق متصل، شدد الخبير على أن أوروبا تبدو من أشد المتأثرين بهذه التطورات، خاصة في ظل الأزمة المستمرة في إمدادات الغاز منذ عام 2022، موضحًا أن ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءًا من الصناعة والزراعة وصولًا إلى النقل وسلاسل الإمداد، وهو ما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة معدلات التضخم، بما قد يبدد الجهود السابقة التي بذلتها الحكومات الأوروبية لاحتواء هذه الضغوط.

قد يهمّك أيضًا: كيف يدير ترامب ملف الحرب في إيران بين التهديد والدبلوماسية؟

مضيق هرمز.. ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية

لفت الخبير إلى أن مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية، وأن استخدامه في سياق الصراع يعكس تحول الطاقة إلى أداة مباشرة في إدارة النزاعات الدولية، مؤكدًا أنَّ أي تعطيل لحركة الملاحة فيه ستكون له تداعيات عالمية واسعة.

وعن البدائل الممكنة، أوضح أن الخيارات المتاحة لنقل النفط بعيدًا عن المضيق لا تزال محدودة ومعقدة، نظرًا لاعتبارات جيوسياسية وأمنية، مشيرًا إلى أن المشاريع المقترحة أو القائمة لا يمكنها تعويض الكميات الضخمة التي تمر عبر هذا الممر الحيوي، وهو ما يزيد من حساسية الوضع الحالي.

وأضاف أن روسيا تمثل لاعبًا صامتًا في هذه الأزمة، حيث تستفيد بشكل غير مباشر من ارتفاع أسعار الطاقة، خاصة في ظل التحديات التي واجهتها بنيتها التحتية في السنوات الأخيرة، كما أشار إلى أن التنافس في سوق الغاز، خصوصًا في أوروبا، يظل عاملًا مؤثرًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

واختتم  تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تكشف عن هشاشة بعض الاقتصادات المرتبطة بالطاقة، وتبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في استراتيجيات أمن الطاقة عالميًا، مشددًا على أن العالم بات يتعامل مع الطاقة كأداة استراتيجية في قلب التوازنات والصراعات الدولية.

اقرأ المزيد حول المسارات الجديدة المقترحة لدى الخليج لتفادي مضيق هرمز

الاقتصادات الآسيوية الكبرى في مرمى الخسائر

من جانبه، أكَّد الخبير الاقتصادي مازن أرشيد أن التأثيرات الاقتصادية للتوترات في مضيق هرمز لا تقتصر على منطقة بعينها، بل تمتد إلى الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا، موضحًا أن الدول الأكثر تضررًا في شرق آسيا هما كوريا الجنوبية واليابان، نظرًا لاعتمادهما الكبير على النفط المار عبر المضيق، حيث تصل نسبة اعتماد اليابان إلى نحو 70% من وارداتها النفطية، وهو ما ينطبق بدرجة كبيرة على كوريا الجنوبية.

وأشار أرشيد إلى أن هذه التداعيات انعكست بالفعل على الأسواق المالية، حيث شهدت العملة الكورية الجنوبية والين الياباني تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار منذ بداية التصعيد، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها هذه الاقتصادات نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة.

لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن الصين، رغم اعتمادها الكبير على نفط الخليج بنسبة تتراوح بين 40% و50%، تبدو في وضع أفضل نسبيًا، وذلك بفضل امتلاكها مخزونًا استراتيجيًا ضخمًا من النفط قامت بتكوينه خلال السنوات الماضية تحسبًا لمثل هذه الأزمات الجيوسياسية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات على المدى القصير.

رسم بياني توضيحي لنسب اعتماد الدول الكبرى في آسيا على النفط المار عبر مضيق هرمز.

بدائل الاتحاد الأوروبي

أوضح مازن أرشيد أن اعتمادها على النفط والغاز المارين عبر مضيق هرمز يتراوح بين 15% و20%، وهو أقل مقارنة بدول آسيا، إلا أن القارة لا تزال عرضة للتأثر، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها في قطاع الطاقة منذ عام 2021، لافتًا إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل في زيادة الاعتماد على مصادر بديلة، وعلى رأسها النفط الأمريكي، الذي شهدت صادراته ارتفاعًا قياسيًا خلال الفترة الأخيرة، مستفيدًا من ارتفاع الأسعار العالمية.

وأشار إلى أن النرويج تلعب دورًا مهمًا في تعويض جزء من الإمدادات، حيث أصبح الاتحاد الأوروبي يعتمد على النفط النرويجي بنسبة تصل إلى 30%، مقابل نحو 50% من النفط الأمريكي، وهو ما يوفر بدائل نسبية، لكنها تظل محدودة من حيث القدرة على التعويض الكامل.

وفي هذا السياق، أكَّد أرشيد أنَّ البدائل المتاحة، سواء الأمريكية أو النرويجية، قد تكون فعالة على المدى القصير، لكنها لا تمثل حلًا مستدامًا على المدى الطويل، موضحًا أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع الدول إلى إعادة هيكلة استراتيجياتها الطاقوية، وربما تقليل الاعتماد على مضيق هرمز تدريجيًا، إلا أن ذلك لن يكون سهلًا أو سريعًا.

وشدد على أن التجارب التاريخية تؤكد ذلك، مستشهدا بأزمة السبعينيات عندما توقفت إمدادات النفط الخليجي إلى الولايات المتحدة لعدة أشهر، ما أدى إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار، قبل أن تتمكن واشنطن لاحقًا من تقليل اعتمادها على نفط الخليج والتحول إلى أكبر منتج عالمي للنفط. وأوضح أن التصريحات الأمريكية الحالية التي تقلل من أهمية نفط مضيق هرمز تعكس هذا التحول، رغم استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لحماية المصالح المرتبطة بأسواق الطاقة وضمان وجود بدائل طارئة عند الحاجة.

واختتم مازن أرشيد تصريحاته بالتأكيد على أن الاتحاد الأوروبي سيظل بحاجة إلى نفط الخليج في المستقبل المنظور، بسبب تعقيدات المشهد الجيوسياسي وتكرار الأزمات، مشيرًا إلى أن هذه التطورات يجب أن تشكل درسًا مهمًا يدفع الدول إلى إعادة تقييم سياساتها في مجال أمن الطاقة، دون افتراض إمكانية الاستغناء الكامل عن هذه المنطقة الحيوية.

قد يهمّك أيضًا: دول الخليج تدرس خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة