مفاوضات إيران وأمريكا 2026.. هل يقود الاقتصاد إلى اتفاق جديد؟

بعد سنوات من العقوبات التي كلفت الاقتصاد الإيراني مئات المليارات، تعود فكرة الصفقة بين واشنطن وطهران إلى الواجهة من جديد،  وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة التنازلات التي قد تقدمها إيران، وما إذا كانت الامتيازات الاقتصادية تمثل الثمن الحقيقي لإحياء التفاهمات السياسية والنووية بين الطرفين.

وقد كشف نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية حميد قنبر أن مفاوضات إيران وأمريكا، لا تقتصر على الملف النووي فقط، بل تمتد إلى مجالات أوسع تشمل المصالح المشتركة في حقول النفط والغاز، والحقول الحدودية المشتركة، والاستثمارات التعدينية، وحتى صفقات محتملة لشراء الطائرات.

كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قبيل جولة جديدة من المفاوضات، أن التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي ورفع العقوبات يمكن أن يمهد لتعاون اقتصادي أوسع مع الولايات المتحدة، خاصة في قطاع الطاقة ومجالات أخرى، وهو ما اعتبره مراقبون تحولاً ملحوظاً في الخطاب الإيراني مقارنة بالمراحل السابقة.

هل تغري العروض الإيرانية إدارة ترامب؟

من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإيراني محمد خيري أن التصريحات الأمريكية، ومنها ما أعلنه ماركو روبيو بشأن صعوبة إبرام صفقة مع إيران، تحمل أكثر من تفسير، فربما تشير إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي قائم على الحوافز الاقتصادية المطروحة، مثل التعاون في مجالات الطاقة والتعدين والطيران، بهدف تخفيف حدة التوتر مؤقتاً.

لكن في المقابل، قد تعكس هذه التصريحات غياب أرضية توافق حقيقية حتى الآن، خاصة في ظل تمسك واشنطن بمطالب أساسية تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، إضافة إلى الدور الإقليمي لطهران.

وأكد خيري أن إيران تجد نفسها في موقف صعب، إذ تواجه ضغوطاً كبيرة قد تدفعها إلى تقديم تنازلات تمس عناصر تعتبرها جزءاً من منظومتها الدفاعية، مثل البرنامج الصاروخي والمشروع النووي الذي استثمرت فيه لسنوات طويلة.

كما أشار إلى وجود طرف ثالث مؤثر في المفاوضات يتمثل في إسرائيل، التي تطالب باتفاق شامل وليس جزئياً، ما يخلق حالة من عدم اليقين بين مواقف الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل بشأن مستقبل أي اتفاق محتمل.

مفاوضات إيران وأمريكا ونقاط غامضة

أكد محمد شعت، الخبير في الشأن الإيراني، أن الجولة الأولى من المفاوضات كشفت عن نقاط غامضة عاد الطرفان لمناقشتها في عواصمهما، والجولة الجديدة تهدف للإجابة عنها. كما أشار إلى أن إيران أبدت مرونة في التعامل مع الأسئلة الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي، حيث تشير التسريبات إلى قبول أمريكي باستمرار التخصيب عند مستويات منخفضة مشابهة لاتفاق عام 2015، مع معالجة مسألة اليورانيوم عالي التخصيب وخفض نسبته وفق تفاهمات مشتركة.

وأكد الخبير أنَّ طهران مستعدة لتقديم ضمانات دولية تؤكد الطابع السلمي لبرنامجها النووي، ما يجعل إمكانية الوصول إلى اتفاق قائمة، وإن كان الحديث عن تعاون اقتصادي واسع لا يزال مبكراً لأنه مرتبط أساساً برفع العقوبات.

اقرأ أيضًا: محادثات مسقط.. لماذا بقي الملف النووي الإيراني بلا تسوية؟

الاقتصاد في قلب المفاوضات

وبحسب الخبير، فإنّ وجود وفد اقتصادي ضمن الفريق الإيراني المفاوض يعكس أن النقاشات المستقبلية قد تشمل تعاوناً اقتصادياً، لكن تنفيذ ذلك يبقى مرهوناً بالتوصل إلى اتفاق نووي ورفع القيود القانونية الأمريكية التي تمنع الاستثمار في إيران.

في الوقت نفسه، يرى شعت أن الحديث عن الشراكات الاقتصادية لا يزال في إطار الحوافز التفاوضية أكثر منه مشاريع قابلة للتنفيذ، نظراً لحجم العقوبات الأمريكية وتعقيد آليات رفعها، خاصة أن جزءاً كبيراً منها مرتبط بقرارات الكونغرس وليس فقط بالبيت الأبيض.

وأوضح أن رفع العقوبات عملية طويلة ومعقدة، وقد تسعى إيران إلى إطالة أمد التفاوض أملاً في تغير الإدارة الأمريكية مستقبلاً، بما يمنحها هامشاً أكبر للمناورة

رفع العقوبات.. خطوة مقابل خطوة

أكد شعت أن العقوبات الأمريكية تنقسم إلى نوعين: عقوبات رئاسية يمكن للرئيس الأمريكي رفعها في حال التوصل إلى اتفاق، وأخرى صادرة عن الكونغرس يصعب إلغاؤها سريعًا، لذلك يدور النقاش حاليا حول آلية “خطوة مقابل خطوة”، بحيث يتم تنفيذ مراحل الاتفاق النووي تدريجيًا مقابل رفع جزئي للعقوبات في كل مرحلة.

وأشار إلى أن الاتفاق النووي السابق عام 2015 لم يخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية بالشكل الكافي، إذ استفادت منه الشركات الأوروبية أكثر، وهو ما يفسر طرح فكرة دخول الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاعات الطاقة والمعادن داخل إيران كجزء من المفاوضات الحالية.

ورغم المرونة الاقتصادية، أكد الخبير أن الملفات الإقليمية أكثر تعقيداً بكثير من الملف الاقتصادي، لأنها تتداخل مع قرارات سياسية وسيادية كبرى، ولا يمكن حلها بقرار إداري بسيط مثل رفع العقوبات.

وأشار إلى مثال صفقة شراء 120 طائرة من شركة بوينغ عام 2016، والتي جرى تجميدها بعد إعادة فرض العقوبات، موضحاً أن إعادة تفعيل مثل هذه الاتفاقات قد تكون جزءاً من أي تفاهم مستقبلي.

مفاوضات تحت ضغط عسكري واقتصادي

يرى الخبير أن المفاوضات الحالية تجري في بيئة مختلفة تماماً عن عام 2015، إذ تواجه إيران ضغوطاً عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، إلى جانب وجود حشود عسكرية أمريكية وتوترات إقليمية متصاعدة، متوقعًا أن هدف المفاوضات قد يكون منع اندلاع مواجهة عسكرية محتملة، أكثر من كونه سعياً سريعاً لاتفاق نهائي، خاصة في ظل تباعد المواقف حول القضايا الأساسية.

وأوضح أن  الاقتصاد الإيراني  يعاني، منذ أكثر من أربعة عقود من العقوبات الأمريكية والأوروبية التي أعاقت نموه، واشتدت الأزمة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات على قطاع النفط.

وقد أدى ذلك إلى تراجع الصادرات النفطية بشكل حاد، وارتفاع التضخم إلى مستويات تجاوزت 40% في بعض السنوات، إضافة إلى انهيار العملة المحلية التي فقدت أكثر من 90% من قيمتها، ما تسبب في ضغوط معيشية كبيرة على الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل. كما أدت العقوبات إلى عزل القطاع المصرفي الإيراني عن النظام المالي العالمي، ما صعب جذب الاستثمارات والحصول على التمويل الخارجي.

ورغم ذلك، تمكن الاقتصاد الإيراني من الصمود جزئياً عبر تعزيز علاقاته التجارية مع الصين وروسيا والاعتماد على قنوات غير مباشرة لتصدير النفط، لكن التحديات الداخلية مثل البطالة وتراجع الاستثمار ما زالت قائمة.

من المستفيد من أي اتفاق محتمل؟

يرى الخبير أن طموحات إدارة ترامب تتجاوز مجرد الحوافز الاقتصادية، إذ تخطط واشنطن إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتقليص النفوذ الصيني في أسواق الطاقة.

في المقابل، أكد أن أي اتفاق لن يسمح بتقييد السيادة الإيرانية أو فرض قيود على كيفية إنفاق عائداته، مشدداً على أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في إدارة مواردها المالية.

لكن الجدل يستمر حول ما إذا كانت واشنطن ستطالب بتغيير السلوك الإقليمي الإيراني كجزء من الاتفاق، وهو ما قد يشمل البرنامج الصاروخي ودعم الحلفاء الإقليميين، وهي قضايا تعتبرها طهران خطوطاً حمراء.

واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “وفي النهاية يبقى مستقبل المفاوضات مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز فجوات عميقة تتعلق بالأمن الإقليمي والسيادة والعقوبات”، وبينما ترى واشنطن أن الاتفاق يجب أن يشمل تغييراً في سلوك إيران، تعتبر طهران أن أي تنازل في هذا الاتجاه يمس استقلالها السياسي.

اقرأ أيضًا: تحليل أبعاد قرار الصين بإلغاء الرسوم عن واردات إفريقيا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة