مفاوضات واشنطن وطهران.. هل يستمر توتر هرمز لمصلحة أمريكا؟

رغم الآثار السلبية الواسعة التي خلفها إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، وما نتج عنه من اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والشحن وزيادة الضغوط التضخمية على العديد من الدول، تحاول الولايات المتحدة الاستفادة من الأزمة، سواء من خلال تعزيز صادراتها من النفط والغاز أو عبر زيادة ارتباط الاقتصاد العالمي بالدولار والأسواق الأمريكية، وحتى في سياق المفاوضات الجارية مع إيران فهي تحاول الخروج من الحرب باعتبارها الرابح الأكبر.

وفي هذا السياق، أوضح محمد محمود، الباحث الاقتصادي، أن ما يجري حاليًا لا يمثل مفاوضات لحل شامل للأزمة الإيرانية، بقدر ما يندرج ضمن محاولة للتوصل إلى تفاهمات أولية أو إطار عام ينظم المرحلة المقبلة بين الطرفين.

وأشار إلى أن المباحثات الحالية تركز بصورة أساسية على تثبيت مبادئ عامة قد تمهد لاتفاقات لاحقة تتناول ملفات أكثر تعقيدًا، مثل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والنفط، والعقوبات الاقتصادية، موضحًا أن كل طرف يهدف إلى صياغة الاتفاق بطريقة تحقق مصالحه العليا وتمنحه القدرة على إعلان تحقيق مكاسب سياسية أمام الرأي العام.

وأكد محمود أن إيران تخطط للحصول على مكاسب ملموسة بشكل مسبق، وفي مقدمتها الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة، باعتبار ذلك ضمانة عملية في ظل انعدام الثقة المتبادل بين الجانبين، بينما تحاول الولايات المتحدة تجنب تقديم تنازلات كبيرة قبل الحصول على التزامات واضحة من طهران.

وأوضح أن ما يتم التفاوض عليه حاليًا لا يرقى إلى مستوى اتفاق نهائي أو شامل، بل يقترب أكثر من كونه إطارًا أو مذكرة تفاهم أولية تسمح للطرفين بالانتقال إلى مرحلة لاحقة من التفاوض.

وأضاف أن الطرفين يفتقدان الثقة المتبادلة بصورة عميقة، سواء نتيجة التاريخ الطويل من الخلافات أو بسبب التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة، وهو ما يجعل كل كلمة وكل بند داخل أي مسودة اتفاق محل تدقيق ومراجعة من الجانبين.

مضيق هرمز والملف النووي أبرز نقاط الخلاف

أشار محمود إلى أن عقدة المفاوضات الأساسية ترتبط بالبرنامج النووي الإيراني وقضية تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، موضحًا أن الولايات المتحدة تهدف إلى ضمان حرية الملاحة بصورة كاملة ودائمة، بينما تحاول إيران ربط أي تفاهمات في هذا الملف بالحصول على مكاسب اقتصادية ومالية ملموسة.

وأكد أن طهران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط استراتيجية مهمة، في حين ترى واشنطن أن ضمان حرية الملاحة يمثل أولوية استراتيجية لا يمكن التنازل عنها.

وطرح محمود رؤية مختلفة لطبيعة الموقف الأمريكي، معتبرًا أن الولايات المتحدة ليست بالضرورة في عجلة من أمرها لإنهاء الأزمة بشكل كامل وسريع. وأوضح أن استمرار حالة التوتر الحالية يحقق لواشنطن مجموعة من المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تستفيد من زيادة صادراتها من النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، في وقت تعمل فيه على تعزيز دورها كمورد رئيس للطاقة للدول التي تبحث عن بدائل للإمدادات القادمة من منطقة الخليج.

وأضاف أن استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران يؤدي إلى إضعاف اقتصادها تدريجيًا، كما يحد من جاذبية المنطقة للاستثمارات طويلة الأجل، وهو ما يعزز مكانة الولايات المتحدة والدولار داخل الاقتصاد العالمي.

وأكد أن هذه الزاوية غالبًا ما يتم تجاهلها عند تحليل الموقف الأمريكي، رغم أنها تمثل جزءًا مهمًا من الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى في واشنطن.

اقرأ يضًا: الدين العام والفائدة.. كيف يتأثر الاقتصاد الأمريكي بأزمة هرمز؟

الأموال المجمدة تمثل نقطة الخلاف الرئيسة

أشار الباحث إلى أن إيران تربط بصورة متكررة بين ملف مضيق هرمز وقضية الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، موضحًا أن طهران تهدف للحصول على جزء من هذه الأموال مقابل تقديم تنازلات تتعلق بالملاحة أو خفض التصعيد.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية تجد صعوبة في الموافقة على هذا الطرح، لأن تقديم أموال لإيران مقابل إعادة فتح المضيق قد ينظر إليه داخليًا باعتباره تنازلًا سياسيًا أو تراجعًا أمام الضغوط الإيرانية.

وأكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حريص على تجنب أي خطوات قد تقارن بسياسات الإدارة الأمريكية السابقة، وهو ما يزيد من تعقيد التوصل إلى صيغة ترضي الطرفين.

وأوضح محمود أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بالنصوص أو البنود التفاوضية، وإنما ترتبط بانعدام الثقة الكامل بين الأطراف المختلفة، فإيران لا تثق في الولايات المتحدة أو إسرائيل، وتخشى من إمكانية استئناف الضغوط أو العمليات العسكرية مستقبلاً حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مؤقتة، لذلك تهدف للحصول على عائد مالي مباشر يبرر أي تنازلات تقدمها خلال المرحلة الحالية.

وأضاف أن جميع أسباب التوتر والانفجار ما زالت قائمة، ولم تتم معالجة جذور الأزمة بشكل حقيقي، وأن ما يجري الحديث عنه حاليًا يندرج ضمن إطار تهدئة مؤقتة أكثر من كونه تسوية شاملة ومستدامة.

وأكد الباحث أن الأزمة الحالية دفعت العديد من الدول إلى التفكير بصورة أكثر جدية في كيفية تقليل الاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً، نظرًا لما يمثله من نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله.

وأشار إلى أن استمرار سيطرة إيران على هذا الممر الحيوي يثير قلق العديد من القوى الاقتصادية الكبرى، التي باتت تنظر إلى تنويع طرق الإمداد ومصادر الطاقة باعتباره ضرورة استراتيجية طويلة الأجل.

الملف النووي ما زال محل شكوك

فيما يتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكي حول حصوله على تعهدات إيرانية بعدم امتلاك سلاح نووي، أوضح محمود أن إيران تستند باستمرار إلى الفتوى الدينية التي تحرم امتلاك السلاح النووي، لكنها تتجنب الدخول في نقاشات تقنية تفصيلية تتعلق بمستويات التخصيب والمنشآت النووية.

وأضاف أن التساؤلات لا تزال قائمة بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم المرتفعة والمنشآت المقامة تحت الأرض، وهي ملفات ستظل محل نقاش خلال جولات التفاوض المقبلة.

كما أكد محمود أن الإدارة الأمريكية تبدو أكثر اهتمامًا بإعلان التوصل إلى إطار عام أو اتفاق مبادئ يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره إنجازًا سياسيًا، بينما تؤجل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مفاوضات لاحقة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة ترى أن استمرار الضغوط الاقتصادية يمثل أداة أكثر فاعلية في التعامل مع إيران مقارنة بخيارات التصعيد العسكري المباشر، موضحًا أن هناك قناعة داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكية بأن زيادة الضغوط الاقتصادية قد تحقق أهدافًا أكبر من أي مواجهة عسكرية واسعة.

واختتم الباحث تصريحاته بالتأكيد على أن المفاوضات الحالية قد تستمر لفترة أطول من المتوقع، في ظل تباعد المواقف بين الجانبين، ورغبة كل طرف في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية قبل الانتقال إلى أي اتفاق شامل يمكن أن يعيد رسم العلاقة بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: هل تنهي اتفاقية واشنطن وطهران المرتقبة أزمة هرمز؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة