ملامح السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية في مصر
تستعد مصر لإطلاق السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية في السابع من سبتمبر 2025، وهذه السردية ليست مجرد وثيقة حكومية أو خطة مرحلية، بل إطار شامل يحدد معالم الاقتصاد الوطني للسنوات العشر المقبلة، ويربطها برؤية مصر 2030، مع امتداد للأهداف حتى عام 2050.
وتأتي هذه السردية في توقيت بالغ الحساسية يشهد فيه الاقتصاد المصري تحديات داخلية وضغوطًا خارجية، لكنه يحقق في الوقت نفسه مؤشرات تعافٍ لافتة بفضل سلسلة من الإصلاحات الهيكلية والسياسات المالية والنقدية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة.
إطار قانوني يرسخ السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية
ترتكز السردية الوطنية على أسس تشريعية واضحة؛ أبرزها قانون المالية العامة الموحد رقم 6 لسنة 2022 الذي أرسى مفهوم الموازنة متوسطة المدى وربطها بالأهداف التنموية، وقانون التخطيط العام للدولة رقم 18 لسنة 2022 الذي ألزم الوزارات والهيئات العامة بتحديد مؤشرات أداء قابلة للقياس وربطها بالخطط القطاعية.
وبموجب هذين القانونين، لم تعد الخطط الاقتصادية مجرد توجهات عامة، بل التزام قانوني ملزم لجميع الجهات الحكومية، مع وجود آليات للمتابعة والتقييم لضمان التنفيذ.
هذه المرجعية المؤسسية تمنح السردية قوة إضافية، إذ تجعلها إطارًا فوق حكومي يفرض على الجميع الالتزام به، ويضمن استمرار الإصلاحات حتى مع تغير الحكومات أو الظروف السياسية.
إعادة تعريف دور الدولة والقطاع الخاص
النقطة المحورية في السردية هي إعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، فعلى مدى عقود لعبت الدولة دور المستثمر والمشغل والمنتج، ما أدى أحيانًا إلى تداخل الأدوار وازدواجية في المسؤوليات. والسردية الجديدة تضع الدولة في موضع المنظم والمشرّع والمحفز، بينما تترك المجال مفتوحًا أمام القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي للنمو وخلق فرص العمل.
ويأتي هذا التحول بالتوازي مع إعادة توجيه النشاط الاقتصادي من القطاعات غير القابلة للتبادل التجاري (Non-Tradables) مثل بعض الخدمات المحلية، إلى القطاعات القابلة للتصدير والتبادل (Tradables) مثل الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والاتصالات، هذا التوجه يستهدف رفع القدرة التنافسية لمصر على المستوى الإقليمي والدولي، وزيادة حصتها من الصادرات العالمية، وتعزيز جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
مؤشرات الأداء تؤكد تعافي الاقتصاد المصري
تُشير الأرقام الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى أنَّ مصر بدأت بالفعل في جني ثمار الإصلاحات، ففي الربع الثالث من العام المالي 2024/2025 سجل الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو بلغ 4.8%، وهو الأعلى منذ ثلاث سنوات، وقد جاء هذا التحسن مدفوعًا بزيادة ملحوظة في الاستثمارات الخاصة التي ارتفعت بنسبة 24.2%، لتستحوذ على 62.8% من إجمالي الاستثمارات المنفذة.
كما ارتفع معدل نمو الائتمان المحلي الحقيقي الموجه للقطاع الخاص إلى 11.7% في المتوسط خلال الربع الثالث، قبل أن يسجل 8% على أساس سنوي بنهاية أبريل 2025، وهذا يعكس تحسنًا في الثقة بالاقتصاد وقدرته على جذب التمويل للاستثمارات الإنتاجية.
والأبرز أن قطاع الصناعة وحده استحوذ على 43% من التسهيلات الائتمانية، ما يعكس أولوية واضحة لإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة. وبالنظر إلى معدلات النمو ربع السنوية نلحظ انتقالًا تدريجيًا من تباطؤ نسبي خلال 2023/2024 إلى تعافٍ قوي في 2024/2025، وهو ما يشير إلى استقرار نسبي في بيئة الاقتصاد الكلي.
اقرأ أيضًا: مصر في قمة شنغهاي للتعاون.. شراكات اقتصادية تعيد رسم خريطة الاستثمار
قطاعات ذات أولوية تقود النمو والتحول الهيكلي
تركز السردية على خمسة قطاعات رئيسية تمثل قاطرة النمو في المرحلة المقبلة، أولها الصناعات التحويلية التي تستهدف تعميق التصنيع المحلي وتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز سلاسل القيمة المضافة، وثانيها الزراعة التي ستسهم في تقليص فجوة الأمن الغذائي، وتعزيز الصادرات الزراعية، خصوصًا مع فتح أسواق جديدة في أفريقيا وآسيا، وثالثها السياحة التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
أما رابعها فهو الطاقة، حيث تتجه مصر إلى التحول الأخضر وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة (الرياح، الشمس، الطاقة المائية والنووية) في مزيج الطاقة، بما يجذب استثمارات ضخمة. وأخيرًا الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهو القطاع الأسرع نموًا الذي يقود التحول الرقمي ويولد فرصًا نوعية للشباب في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين، والحوسبة السحابية.
وتظهر هذه القطاعات ما يسمى بالقطاعات القابلة للتبادل التجاري، وهي الأقدر على زيادة القدرة التنافسية لمصر على الساحة الدولية، وخلق موارد ذاتية من النقد الأجنبي، وتوليد فرص عمل حقيقية.
موضوع ذو صلة: مصر تدخل مرحلة جديدة في الطاقة النظيفة عبر تخزين الطاقة بالبطاريات
أهداف قابلة للقياس حتى عام 2030
ما يميز السردية الوطنية أنها لم تكتفِ بطرح مبادئ عامة، بل حددت أهدافًا كمية دقيقة حتى عام 2030، ومن بين هذه الأهداف:
- رفع مساهمة الاستثمارات الخاصة من 62.8% حاليًا إلى أكثر من 70%.
- مضاعفة صافي الاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من الناتج المحلي.
- زيادة الاستثمارات الخضراء تدريجيًا حتى تمثل 30% من الاستثمارات العامة.
- تحسين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بما يعكس جودة النمو.
- خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى مستويات آمنة.
- إضافة مئات الآلاف من الوظائف الجديدة سنويًا.
- رفع معدل مشاركة الإناث في القوى العاملة، وتقليص نسبة العمالة غير الرسمية.
اقرأ أبضًا: خطة جديدة لإدارة الدين العام في مصر.. صكوك وسندات بـ4 مليارات دولار
ثلاثة سيناريوهات تحدد مسارات التنفيذ
تُدرك الحكومة أن تحقيق هذه الأهداف يعتمد على تفاعل عدة عوامل داخلية وخارجية، لهذا وضعت ثلاثة سيناريوهات للتنفيذ.
- السيناريو الأول: هو السيناريو الأساسي الذي يقوم على استمرار وتيرة الإصلاحات الحالية، ويضمن تحقيق نمو مستقر لكنه محدود.
- السيناريو الثاني: هو السيناريو المتسارع الذي يفترض مضاعفة وتيرة الإصلاحات، بما يعزز القدرة التنافسية ويحقق قفزة في معدلات النمو وجذب الاستثمارات الأجنبية.
- السيناريو الثالث: هو السيناريو المتحفظ الذي يأخذ في الاعتبار التوترات الجيوسياسية العالمية وتقلبات الأسواق الدولية، ويضع في الحسبان تأثيرها المحتمل على الاقتصاد المصري.
في السيناريو المتسارع مثلًا، يمكن أن تتحقق طفرة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات التصديرية، بينما في السيناريو المتحفظ قد تتأخر هذه الاستثمارات نتيجة تقلبات أسعار الطاقة العالمية أو أزمات سياسية إقليمية.
الحوار المجتمعي ضمانة للشمولية والتشاركية
إدراكًا لأهمية الشمولية، سيتم إطلاق حوار مجتمعي واسع النطاق ابتداءً من سبتمبر 2025، تشارك فيه مختلف الأطراف من خبراء اقتصاديين ومنظمات مجتمع مدني ورجال أعمال وممثلي القطاع الخاص، فالهدف هو تجميع الملاحظات والاقتراحات، وضمان أن تكون السردية انعكاسًا لمصالح المجتمع ككل، لا مجرد وثيقة حكومية مغلقة.
ومن المقرر أن يتم إصدار نسخة نهائية تتضمن هذه الملاحظات في ديسمبر 2025، لتصبح الوثيقة المرجعية التي توجه مسار الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.
اقتصاد أكثر مرونة واستدامة
لا تقتصر السردية على الأهداف الكلية، بل تدخل في تفاصيل دقيقة تشمل زيادة نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي، ورفع الإنفاق العام على التعليم والصحة، وتحقيق الانضباط المالي وخفض العجز الكلي في الموازنة.
كما تسعى إلى تحسين جودة سوق العمل عبر تطوير التعليم الفني والتقني، وتعزيز التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الإنتاجي، وتشمل أيضًا إطلاق مجالس للمهارات القطاعية، وتدشين مرصد وطني لتخطيط احتياجات سوق العمل حتى عام 2030، ودعم ريادة الأعمال عبر إصلاح الأطر التشريعية وتسهيل وصول الشركات الناشئة إلى التمويل.
ولم تغفل السردية عن البعد البيئي، إذ تتضمن خططًا لرفع نسبة الاستثمارات العامة الخضراء، وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، بما يتماشى مع التزامات مصر الدولية في مجال المناخ، كما تتطرق إلى مبادرات مثل “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري، والمبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية، باعتبارهما جزءًا من عملية توطين التنمية الاقتصادية وتعزيز العدالة المكانية والاجتماعية.
إعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع
تمثل السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية أكثر من مجرد خطة اقتصادية، فهي خارطة طريق شاملة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، حيث إنّها تضع القطاع الخاص في قلب التنمية باعتباره المحرك الأساسي للنمو، بينما تركز الدولة على دورها كمنظم ومشرع وضامن للعدالة الاجتماعية. فضلًا عن كونها وثيقة تهدف إلى تجاوز “فخ الدخل المتوسط” الذي وقعت فيه كثير من الاقتصادات النامية، من خلال تبني نموذج قائم على الإنتاجية والابتكار والتنافسية بدلاً من الاعتماد على القطاعات التقليدية.
وبذلك، فإن السردية الوطنية ليست إعلانًا سياسيًا، بل التزام اقتصادي طويل الأمد يعكس إرادة سياسية واضحة لتغيير مسار الاقتصاد المصري، وتأسيس شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، وفتح الباب أمام استثمارات نوعية قادرة على إحداث نقلة نوعية في بنية الاقتصاد الوطني.
وإذا ما نجحت هذه السردية في تحقيق أهدافها، فإن مصر ستكون أمام فرصة تاريخية لتثبيت مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية قادرة على المنافسة عالميًا، وتأمين مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا للأجيال القادمة.
قد يهمّك أيضًا: مصر تحتفظ بلقب عاصمة الأثرياء في شمال أفريقيا بـ 14.8 ألف مليونير
