ملتقى العراق للاستثمار يطلق فرصًا بقيمة 450 مليار دولار

في خطوة لافتة تؤكد توجه العراق نحو الانفتاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن إطلاق حزمة ضخمة من الفرص الاستثمارية تُقدّر قيمتها بحوالي 450 مليار دولار، تغطي قطاعات متعددة داخل البلاد، وجاء ذلك خلال افتتاحه أعمال ملتقى العراق للاستثمار الذي انطلق في العاصمة بغداد يوم السبت 27 سبتمبر 2025، وسط مشاركة عربية ودولية واسعة.

ملتقى استثماري بحضور واسع

الملتقى، الذي يستمر على مدار يومين، شهد مشاركة نحو 600 شخصية اقتصادية تمثل 32 دولة، من بينهم وزراء عرب وخليجيون ومسؤولون عراقيون، إضافة إلى كبار رجال الأعمال والمستثمرين من داخل العراق وخارجه. ويتضمن برنامج الملتقى جلسات حوارية متخصصة وورش عمل تعرض تفاصيل الفرص الاستثمارية بشكل مباشر، بما يسمح للمستثمرين بطرح استفساراتهم والحصول على إجابات دقيقة حول المواقع الجغرافية وطبيعة المشاريع.

في كلمته الافتتاحية، أكد السوداني أن العراق سجل تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الاندماج مع الاقتصاد العالمي، خصوصًا من خلال توسيع أنظمة الدفع الإلكتروني وحوكمة القطاع المالي، كما أعلن عن التحضير لعقد مؤتمر خاص لاستعراض الفرص الاستثمارية المرتبطة بمشروع “طريق التنمية” الذي يُوصف بأنه الأوسع في المنطقة، مشيرًا إلى أن حجم الاستثمارات تجاوز بالفعل 100 مليار دولار، وهو ما يعكس جدوى القرارات الحكومية في تنويع البيئة الاستثمارية الوطنية.

كما استعرض السوداني مبادرة “ريادة” التي استقطبت أكثر من 500 ألف شاب وشابة، تلقى منهم نحو 92 ألفًا تدريبات متخصصة، أسفرت عن إطلاق 12 ألف مشروع جديد عبر القروض، وتوفير ما يقارب 20 ألف فرصة عمل.

إنجازات صناعية واستثمارات في البنية التحتية

شدد السوداني على أن الشراكات الاستثمارية مع الشركات العالمية حققت نجاحًا ملموسًا في قطاعات متنوعة مثل الأسمدة والكبريت والفوسفات وصناعة الحديد والصناعات الإنشائية والغذائية، وأشار إلى أن العراق شهد طفرة صناعية في مجال صناعة الأدوية، واصفًا الأمر بأنه إنجاز غير مسبوق، حيث باتت 54 مصنعًا عراقيًا تُصدّر منتجاتها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

كما أكد أن الحكومة أطلقت أكبر مشروع سكني في المنطقة، إذ تم إحالة بناء أكثر من مليون وحدة سكنية موزعة على 7 مدن، فيما توجد 3 مدن أخرى قيد الإحالة، من أصل خطة تتضمن إنشاء 60 مدينة سكنية جديدة في عموم العراق، وهو ما يوفّر مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

مليون فرصة عمل جديدة

من جانبه، أوضح رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار حيدر مكية أن المشاريع الاستثمارية التي بلغ حجمها أكثر من 100 مليار دولار خلال العامين الماضيين أسهمت في توفير نحو مليون فرصة عمل للمواطنين، وأضاف أن الهيئة وضعت خططًا منذ عام 2023 لاستهداف قطاعات لم تُدرس سابقًا مثل الطاقة المتجددة، ومعالجة النفايات، وتوليد الطاقة، ومعالجة الغاز المصاحب الذي كان يُهدر بالحرق، إضافة إلى مشاريع المدن السكنية والسياحة والفندقة.

وأشار مكية إلى أن قيمة الاستثمارات بلغت أكثر من 102 مليار دولار، ووفّرت فرص عمل لما يزيد على 950 ألف مواطن ضمن برنامج حكومي يهدف إلى مكافحة البطالة وتحسين البيئة الاستثمارية، مؤكداً التوجه الجاد نحو الاقتصاد الأخضر.

أما رئيس المجلس الاقتصادي العراقي إبراهيم البغدادي، فأكد أن ملتقى العراق للاستثمار يستعرض أكثر من 160 فرصة استثمارية من خلال 20 ورشة عمل تنظمها الوزارات وهيئات الاستثمار، إضافة إلى 14 جلسة رسمية ولقاءات ثنائية بين رجال الأعمال العراقيين والأجانب. وأوضح أن الملتقى تأجل مرتين بسبب الظروف الإقليمية والدولية، لكنه انعقد في النهاية بدعم مباشر من الحكومة العراقية.

وأشار البغدادي إلى الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الثلاث الأخيرة على المستويات الاقتصادية والمالية والخدمية، مبينًا أن البلاد تشهد كل أسبوع وضع حجر أساس لمصنع أو مشروع جديد أو افتتاح مشاريع قائمة في مختلف القطاعات، بفضل التركيز والإرادة السياسية القوية التي يقودها السوداني.

رؤية استراتيجية لتنويع الاقتصاد

من جهته، قدّم الدكتور أحمد سليمان، الخبير الاقتصادي، قراءة تفصيلية لمخرجات ملتقى العراق للاستثمار الذي افتُتح في بغداد بمشاركة عربية ودولية واسعة، مؤكدًا أن إطلاق فرص استثمارية بحجم 450 مليار دولار يمثل محطة فارقة في مسار الاقتصاد العراقي ومحاولة جدية لتقليل الاعتماد المفرط على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.

وأوضح الدكتور سليمان أن الإعلان عن هذه الحزمة الضخمة يعكس إدراك الحكومة العراقية لحتمية تنويع الاقتصاد، مشيرًا إلى أن مشروع طريق التنمية المزمع طرحه بشكل موسع سيكون بمثابة “شريان استراتيجي” يعزز موقع العراق كممر تجاري ولوجستي يربط الخليج بالمتوسط، ويوفر استثمارات ضخمة في البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية. وأضاف أن تجاوز حجم الاستثمارات الفعلية حاجز 100 مليار دولار خلال العامين الماضيين دليل على أن البيئة الاستثمارية بدأت تتحول إلى واقع ملموس وليس مجرد وعود.

لفت سليمان إلى أن إعلان الحكومة عن توفير نحو مليون فرصة عمل عبر المشاريع الاستثمارية يعكس بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، خصوصًا في بلد يعاني من بطالة مرتفعة بين الشباب، وأكد أن مبادرة “ريادة” التي استهدفت تدريب أكثر من 92 ألف شاب وشابة وإطلاق 12 ألف مشروع صغير، تمثل خطوة إيجابية لكنها تحتاج إلى ربط مؤسسي أوضح مع المشاريع الكبرى لضمان استدامة فرص العمل وتوليد وظائف إنتاجية حقيقية.

الصناعات التحويلية والتصدير

أشار الخبير الاقتصادي إلى أن النجاح في تشغيل 54 مصنعًا عراقيًا في قطاع الأدوية وتصدير منتجاتها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية يمثل تحوّلًا نوعيًا في الصناعة الوطنية، معتبرًا أن هذه التجربة يجب أن تُعمّم على قطاعات أخرى مثل الصناعات الإنشائية، والحديد والصلب، والأسمدة، والغذاء. وبيّن أن العراق يمتلك ميزة نسبية في هذه الصناعات، وأن استمرار التصدير يساهم في تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويعزز مكانة الدينار العراقي.

وفيما يخص مشاريع الإسكان، أكد سليمان أن إحالة بناء أكثر من مليون وحدة سكنية ضمن خطة إنشاء 60 مدينة جديدة يعد من أكبر المشاريع في المنطقة، لكنه شدد على ضرورة معالجة ثلاثة تحديات أساسية: القدرة الشرائية للمواطنين، جاهزية البنية التحتية المساندة، والشفافية في تخصيص الأراضي، وأوضح أن نجاح هذا القطاع يتوقف على وضع سياسات تمويل عقاري مرنة وضمان جودة الحياة داخل المدن الجديدة.

وأشاد الدكتور سليمان بالتوجه نحو الطاقة المتجددة ومعالجة الغاز المصاحب الذي كان يُهدر لعقود عبر الحرق، معتبرًا أن هذا التحول ليس بيئيًا فقط بل ماليًا أيضًا، إذ يقلل من فاتورة استيراد الوقود ويعزز استقرار منظومة الكهرباء. وأوضح أن المضي نحو “الاقتصاد الأخضر” يجب أن يكون مدعومًا بإطار تنظيمي شفاف يضمن جذب شركات عالمية وتوقيع عقود شراء طويلة الأجل للطاقة المتجددة.

الحوكمة وثقة المستثمرين

فيما يخص بيئة الأعمال، أشار سليمان إلى أن توسيع الدفع الإلكتروني وحوكمة القطاع المالي إشارات إيجابية لكنها غير كافية، إذ يتعين استكمالها بإجراءات واضحة مثل نافذة استثمارية موحدة، وتسريع إجراءات الترخيص، ونشر تقارير دورية لشفافية التقدم في المشاريع، وأكد أن الثقة هي أرخص تمويل؛ فكلما زادت الثقة في النظام الاستثماري تراجعت كلفة رأس المال المطلوب للمشاريع.

واختتم الدكتور أحمد سليمان تصريحاته بالتأكيد على أن العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة اقتصاده إذا نجح في تحقيق ثلاثية متوازنة، تتمثل في تنويع القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتثبيت بيئة استثمارية شفافة، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن أي إخفاق في الحوكمة أو استمرار البيروقراطية قد يحوّل الأرقام الكبيرة إلى مجرد شعارات، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انضباط مؤسسي وإرادة سياسية صلبة لترجمة هذه الاستثمارات إلى واقع ملموس يخدم المواطن العراقي.

قد يهمّك أيضًا: صناعة الدواء في العراق تنهض من جديد

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة