مليونيرات العملات المشفرة.. مواطنة بلا حدود

تقرير: باسل محمود

يختلف مشهد العملات المشفرة في عام 2024 بشكل كبير عن السنوات السابقة، فقد وصل سعر “بتكوين” في مارس إلى أكثر من 73 ألف دولار، مسجلاً أعلى مستوى جديد على الإطلاق، كما أن الموافقة المنتظرة منذ فترة طويلة على صناديق الاستثمار المتداولة (ETF – Exchange-Traded Funds) في بتكوين وإيثريوم في الولايات المتحدة، أطلقت موجة من رأس المال المؤسسي.

فضلًا عن ذلك، تتجه الأنظار الآن نحو احتمالية انضمام صناديق استثمار متداولة لعملة سولانا “Solana” إلى الساحة المالية في وول ستريت. هذه التطورات شكلت حقبة جديدة من تبني العملات المشفرة، حيث أصبحت هذه الأصول تتداخل بشكل متزايد مع التمويل التقليدي والتنقل العالمي.

ليس حدثاً عابراً

يقول الرئيس التنفيذي لمجموعه AMS للاستثمار، محمود شكري، إنَّ تجاوز بتكوين لمستويات 70 ألف دولار لم يكن حدثاً عابراً، فقد جذب المزيد من رؤوس الأموال، وتَأَلَّق كبريق الماس في أعين كل من انخرط في سوق العملات المشفرة، التي صنعت ثروات غيرت مفهوم وترتيب الثروات في العالم.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنَّ هذا الحدث لم يكن مقتصراً على الأفراد والمستثمرين فحسب، بل شمل أيضاً الحكومات والبنوك المركزية والشركات العالمية، فقد أصبح البتكوين واحداً من أكثر أدوات الأسواق المالية إثارة، بعد أن شهد تقلبات حادة نتيجة تعاملات الصناديق والمؤسسات بأحجام ورؤوس أموال ضخمة، كما وصل إلى أكثر من 73 ألف دولار في مارس الماضي، ثم شهد حالة من التباين والتذبذب الشديد، مما يحمل مخاطر كبيرة”… قال شكري.

أضاف: “رغم ذلك، كانت هذه التقلبات كفيلة بفتح الطريق أمام بتكوين لتكوين قمة تاريخية جديدة، وتجاوز هذه المستويات منذ بداية عام مليء بالأزمات الاقتصادية على معظم الدول”.

أشار شكري، إلى أن ما دفع العملة المشفرة إلى هذا الارتفاع الجنوني، هو أن كبار المستثمرين والمغامرين، اعتبروها ملاذًا لتحقيق مكاسب سريعة، بعدما نجحت في تحقيق مكاسب كبيرة، وزيادة فئات القبول للعملة عالمياً، مما جعلها مصدراً آخر للادخار والتحوط النسبي.

تابع: “مع توسع مدى قبول العملة في العديد من الدول والبنوك المركزية، لم تعد هناك دولة أو بنك مركزي قادر على إيقاف مكاسبها، والأغلب أن الدول تتجه نحو محاولة تقنينها بدلاً من منعها”.

اقرأ أيضًا: كنز مفقود في القمامة

نخبة جديدة من الأثرياء الرقميين

مع ترسيخ العملات المشفرة لمكانتها في العصر المالي، ظهرت فئة جديدة من الأفراد ذوي الثروات العالية. تظهر بيانات “New World Wealth” أن عدد المليونيرات في العملات المشفرة ارتفع بنسبة 95% في عام واحد فقط، ليصل إلى 172.3 ألف شخص، يملكون أصولاً رقمية تزيد عن مليون دولار.

توسعت صفوف الأثرياء في هذا المجال بشكل ملحوظ، حيث زاد عدد الأفراد الذين يملكون أكثر من 100 مليون دولار بنسبة 79% ليصل إلى 325، بينما شهدت فئة المليارديرات في العملات المشفرة زيادة بنسبة 27% لتصل إلى 28 فرداً.

لم يغب هذا النمو السريعة عن صناعة الهجرة الاستثمارية.

تقرير “Henley & Partners”، اشار إلى ارتفاع كبير في عدد العملاء الأثرياء في العملات المشفرة، الذين يبحثون عن خيارات إقامة وجنسية بديلة.

هؤلاء الرحالة الرقميون، لا يسعون فقط إلى تحسين الضرائب، بل يتطلعون إلى الوجود في ولايات تحتضن الابتكار، وتوفر بيئات تنظيمية، تتوافق مع تطلعاتهم اللامركزية.

جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي

يقول استراتيجي الأسواق المالية في “First Financial Markets” جاد حريري، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، إن هذه الشركات يمكن أن تفتح الباب أمام هذه العملات، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي.

أضاف: “نرى الآن العديد من الشركات تستخدم العملات المشفرة في تعاملاتها، سواءً من خلال نظام الدفع بالبتكوين أو الإيثريوم أو العملات الأخرى”.

“بالإضافة إلى ذلك، بدأنا نلاحظ أيضاً أن الصناديق والشركات الكبيرة مثل بلاك روك وفيدلتي، قد أصدرت صناديق استثمارية عبارة عن صناديق تداول متداولة (ETF) تتيح للمستثمرين الاستثمار في العملات المشفرة، وهذا يعكس مدى قبولها في الأسواق المالية”… بحسب جاد.

أوضح أنه على الجانب الآخر، هناك شركات تتبع نهجاً لا مركزياً بشكل متزايد، حيث بدأت الدول والحكومات في وضع أطر تنظيمية ورقابية أكثر صرامة لمراقبة هذه التحركات، خصوصاً وأن العملات المشفرة تُستَخدم أحياناً في عمليات غسيل الأموال، بسبب صعوبة تتبعها.

قد يهمّك أيضًا: جي بي مورغان يحذر من العملات المشفرة في 2024

ظهور أنماط استثمارية جديدة

لفهم هذا المشهد المتغير للعملات المشفرة، كشفت “هينلي آند بارتنرز” عن مؤشرها السنوي الثاني لاعتماد العملات المشفرة. يُعد هذا المؤشر أداة شاملة لتقييم برامج الهجرة الاستثمارية من منظور المستثمر في هذه العملات، حيث يأخذ في الاعتبار عوامل مثل التبني العام، والبنية التحتية، والابتكار والتكنولوجيا، والبيئة التنظيمية، والعوامل الاقتصادية، والصداقة الضريبية.

تم تحسين مؤشر 2024 ليقدم تقييماً أكثر دقةً، يركز على هذه العملات للمناطق العالمية. تتيح هذه التحسينات أداة أكثر دقة تخدم احتياجات المستثمرين المميزين في مجال الأصول المشفرة سريع التطور.

بروز مراكز جديدة للعملات المشفرة

تتبلور منطقة آسيا والمحيط الهادئ كقوة دافعة لهجرة الاستثمار الصديقة لهذه العملات.

تتصدر سنغافورة القائمة بفضل ترتيبها الأول في تبني البنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا والبيئة التنظيمية.

تأتي هونغ كونغ في المرتبة الثانية، مدعومة بعوامل اقتصادية قوية وسياسات ضريبية صديقة، وتحتل الإمارات المرتبة الثالثة، بفضل مزاياها الضريبية الفريدة واقتصادها المتنامي.

يستمر الشرق الأوسط، لا سيما الإمارات، في جذب الثروات الرقمية بفضل غياب ضريبة الأرباح الرأسمالية ولوائحها التقدمية.

تاريخ دبي الطويل من الصداقة مع العملات المشفرة، بما في ذلك الموافقة على أول صندوق عملات رقمية في الشرق الأوسط عام 2021، يظهر أن الإمارة وجهة رائدة للمستثمرين في العملات الرقمية.

في الآونة الأخيرة، تم السماح لسكان دبي بتداول العملات الرقمية مباشرةً من حساباتهم المصرفية، مما يعد خطوة كبيرة نحو التبني الشامل.

العملات المشفرة وعاء استثماري

يقول الرئيس التنفيذي لمجموعه AMS للاستثمار، محمود شكري، إن تذبذب أسواق المال، وضبابية المشهد في الذهب، بالإضافة إلى مخاوف التضخم العالمي المتوحش في معظم الدول الكبرى، كل هذا سيدفع المستثمرين إلى البحث عن وعاء استثماري يحقق مكاسب مرتفعة، وإن زادت مخاطره.

أضاف: “لكن لا يمكن الاعتماد على العملات المشفرة كملاذ آمن كالذهب، حتى وإن حققت مكاسب كبيرة، لأن الذهب يتمتع بقبول واسع في جميع أنحاء العالم، بينما العملات المشفرة، وإن كانت سهلة النقل بين الدول على عكس الذهب، إلا أنها لا تحظى بالقبول الدولي بنفس الحجم، على الرغم من أن قبولها يزداد بوتيرة سريعة”.

أشار شكري إلى أن أحد أهم العوامل الداعمة لصعود بتكوين هو انخفاض الذهب من مستويات 2,100 دولار، إلى أقل من 1,850 دولار، وفشله في تلبية توقعات المستثمرين كأفضل ملاذ آمن في عام كوفيد-19.

“مع ذلك، يبقى التباين حول مواقف البنوك المركزية حول العالم في التعامل مع ارتفاعات العملة المشفرة، سواء من البنوك المركزية الأوروبية أو الفيدرالي الأمريكي أو البنوك في الصين واليابان، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ”… قال شكري.

أوضح أنه وسط هذه الحالة الضبابية، تجري بعض البنوك المركزية بحوثًا مكثفة حول كيفية التعامل مع ارتفاعات العملات المشفرة، خاصة مع تزايد الطلب ومحدودية المعروض القابل للنفاد.

“البنك المركزي الألماني يرى أن بتكوين مجرد أداة للمضاربة وليس أكثر، في حين أن لها قبولًا واسعًا في الصين، حيث أقرت الحكومة الصينية بضرورة إحكام السيطرة على التعاملات بها ومراقبتها”… بحسب الرئيس التنفيذي لمجموعه AMS للاستثمار.

أضاف: “أما الدول العربية، فهي في حالة مراقبة للوضع العالمي للعملات المشفرة، مع الانتباه إلى الارتفاع القوي وآليات التنظيم وإخضاعها للرقابة”.

التقاء العملات المشفرة والمواطنة

مع استمرار تداخل الحدود بين التمويل التقليدي والرقمي، تزداد قوة التآزر بين الهجرة الاستثمارية والعملات الرقمية.

مؤشر “هينلي” لاعتماد العملات الرقمية لعام 2024 يعد أداة مهمة

حيث يوفر رؤى حول الولايات التي لا ترحب فقط بالثروات الرقمية، بل توفر أيضاً الأطر التنظيمية والبنية التحتية لدعم نموها.

“هناك شركات تحاول خلق منتجات جديدة مثل برامج الإقامة أو التأشيرات الخاصة في بعض الدول من خلال اتفاقيات مع تلك الدول، وذلك مقابل الاستثمار في بتكوين أو عبر إطلاق مشاريع جديدة داخل البلد باستخدام العملات الرقمية كنظام للدفع”… قال جاد حريري.

أضاف: “هذه المبادرات تعتمد على استخدام العملات الرقمية والكريبتو كوسيلة للتعاملات المالية، ما يوفر طرقاً جديدة ومبتكرة لجذب الاستثمارات وتعزيز الاقتصاد الرقمي في تلك الدول.

لا يكتفي مليونيرات العملات الرقمية في عام 2024 بالثروات الرقمية وحدها؛ فهم يسعون للحصول على حرية التنقل العالمي لتتماشى مع أصولهم العابرة للحدود.

أكبر المستفيدين من العملات المشفرة

في المقابل يقول شكري: “يبقى المغامر هو الوحيد الذي تذوق لذة بتكوين، وهو أكبر المستفيدين”.

أضاف: “لا يمكن الاستثمار في هذه العملة عالية المخاطر إلا من قبل ذوي الملاءة المالية العالية، الذين يقبلون تقلبات الأسواق وتأثرها بالأحداث العالمية مع إمكانية تعويض أي خسائر بفضل السيولة المتاحة لديهم”.

“من بين هؤلاء المغامرين، يُعتبر إيلون ماسك أحد أبرز الأسماء، إذ دعم استخدام تسلا للعملات المشفرة وقبولها لشراء سيارات الشركة، مما كان له انعكاسات إيجابية على بتكوين، وإن رآها البعض سلبية بسبب ربط سعر السيارة بعملة شديدة التذبذب، مما يؤثر على استقرار سعرها في الأسواق وحركة المبيعات”… بحسب شكري.

العملات المشفرة ليست بديلا

يقول حريري: “إذا كنت تدير شركة كبيرة، وتشجع على تداول العملات الرقمية ضمن إطار الشركة، فمن المهم أن نذكر أن العملات الرقمية لن تحل محل سوق العملات الأجنبية التقليدية، ولن تحل محل الدولار أو اليورو أو الذهب، ولكنها قد تكون جزءاً من القيمة المتداولة، ويمكن استخدامها من قبل الأفراد والشركات في المستقبل”.

تابع: “حاليًا تُستخدم العملات التقليدية مثل اليورو والدولار والذهب من قبل البنوك والشركات، ولكن العملات الرقمية تُضاف تدريجياً إلى هذا النظام المالي، وتخضع لرقابة أكثر من قبل هيئة الأوراق المالية، ومن الممكن أن يزيد سعرها مع تشجيع المزيد من الناس على الاستثمار فيها، خاصةً من قبل الشركات الكبرى”.

اختتم شكري حديثه، بأن بتكوين سيظل مستقبل التعاملات في المستقبل القريب، إذا تم تقنينه بالشكل الأمثل، نظراً لسهولة استخدامه وتكنولوجيا الدفع المتطورة، وتوافقه مع العديد من مواقع الدفع الإلكتروني والشراء من الإنترنت.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة