ختام منتدى دافوس 2026 وسط تصاعد منطق القوة وانقسام النظام الدولي

اختتمت الاجتماعات السنوية الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي أمس، الجمعة، في مدينة دافوس السويسرية، في ظل أجواء مشحونة وتحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل موازين القوى الدولية. وقد انعقدت أعمال المنتدى خلال الفترة من 20 إلى 23 يناير 2026 تحت شعار “روح الحوار”، في محاولة لإحياء النقاش الدولي وسط تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية عالميًا.

وقد شهد منتدى دافوس 2026 أكثر من 250 جلسة نقاشية، شارك فيها نحو 3 آلاف شخصية من رجال الأعمال، والسياسيين، والأكاديميين، وممثلي منظمات المجتمع المدني، قدموا من أكثر من 130 دولة، إلى جانب مشاركة 64 رئيس دولة وحكومة ونخبة من صناع القرار، ما جعل هذه الدورة من بين الأكثر توترًا في تاريخ المنتدى خلال السنوات الأخيرة.

أجندة دافوس 2026

ناقشت جلسات دافوس عددًا واسعًا من القضايا، شمل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومستقبل النمو العالمي، والتحول التكنولوجي المتسارع، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب قضايا الاستدامة والتغير المناخي.

وفي هذا السياق، هيمنت تصريحات غير مسبوقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المشهد في دافوس، إلى جانب كلمات لقادة أوروبيين وكنديين، بعدما طغى الجدل حول مستقبل النظام الدولي.

وبينما جدد ترامب تبني منطق القوة وتقديم المصالح القومية في المقام الأول، حذّر مسؤولون أوروبيون من أن هذا النهج يهدد بإضعاف نظام القواعد الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار، حيث يرى هؤلاء أن تقويض أسس القانون الدولي لا يحمل كلفة سياسية فحسب، بل قد ينسف أيضًا البنية الاقتصادية التي مكّنت الدول الغربية من تحقيق مكاسب ضخمة على مدى عقود.

السياسات الحمائية تضع النظام التجاري في مهب الريح

من جانبه، أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن المنتدى الاقتصادي العالمي لا يزال يحتفظ بأهميته ودوره المحوري في مناقشة القضايا الاقتصادية العالمية، رغم الانتقادات المتزايدة التي تطاله منذ سنوات، مشيرًا إلى أن دافوس يظل واحدة من أبرز المنصات الدولية التي تجمع صناع القرار الاقتصادي والسياسي، ورؤساء الحكومات والدول، وقادة الشركات العالمية، وأصحاب الرؤى المؤثرة في الاقتصاد العالمي.

وأوضح بدرة أن المنتدى ينعقد هذا العام في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وعودة السياسات الحمائية، وفرض الرسوم الجمركية، بما لها من تأثيرات مباشرة على معدلات النمو والتنمية العالمية. وأشار إلى أن هذه السياسات أدت إلى اضطراب الأسواق العالمية، وتراجع الثقة في النظام التجاري الدولي، ودفعت المستثمرين إلى التحوط عبر الذهب والمعادن النفيسة، في ظل مخاوف متزايدة من هيمنة الدولار وتراجع قيمته أمام العملات الأخرى.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الذهب عالميًا وتراجع الدولار يعكسان قلقًا دوليًا متناميًا من تداعيات السياسات النقدية التوسعية، وتضخم الكتلة النقدية العالمية، موضحًا أن استمرار معدلات التضخم المرتفعة يمثل تحديًا حقيقيًا أمام الحكومات، التي لم تنجح حتى الآن في تحقيق توازن بين كبح التضخم وتحقيق معدلات نمو توفر رفاهية حقيقية للمواطنين.

دور المنتدى في ظل غياب الحوار الدولي

أكد بدرة أن منتدى دافوس لا يتبنى مواقف سياسية أو اقتصادية بعينها، لكنه يقوم على “روح الحوار”، باعتباره مساحة دولية مفتوحة للنقاش بين صناع القرار، في وقت تراجع فيه دور منصات دولية تقليدية، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عن القيام بدور فاعل في إدارة الأزمات العالمية، واعتبر أن غياب الحوار الدولي الحقيقي أسهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والصراعات الجيوسياسية الحالية.

وحذر الخبير الاقتصادي من أن تصاعد النزاعات في مناطق مثل الشرق الأوسط، وإيران، وأوكرانيا، إضافة إلى التوترات المتعلقة بالطاقة والممرات البحرية، يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق البترول والتجارة الدولية، وقد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار، وأشار إلى أن السياسات الانفرادية لبعض القوى الكبرى تفرض أعباء اقتصادية واجتماعية وسياسية على العالم، وليس فقط على الدول المتضررة مباشرة.

وفيما يتعلق بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمنتدى دافوس، أوضح بدرة أن هذا الحضور يحمل في طياته ملفات سياسية واقتصادية معقدة، تتعلق بفرض الرسوم الجمركية، والصراعات الجيوسياسية، وقضايا مثل غرينلاند وفنزويلا وإيران، محذرًا من أن تبني منطق الهيمنة والانفراد بالقرار الاقتصادي يفاقم حالة القلق في الأسواق العالمية، ويزيد من هشاشة النظام الاقتصادي الدولي.

اقرأ أيضًا: خلاف غرينلاند.. أوروبا تلوح بسلاح بيع أصولها في أمريكا

تحفظات على إنشاء مجلس سلام

تطرق الخبير بدرة إلى ما يُثار حول فكرة إنشاء “مجلس سلام” خارج إطار الأمم المتحدة، معتبرًا أن هذه الطروحات تثير تحفظات واسعة داخل المجتمع الدولي، لغياب الأطر القانونية والمؤسسية الواضحة، وما قد تمثله من تجاوز للنظام الدولي القائم، بما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي العالمي.

مصر في دافوس

عن المشاركة المصرية في المنتدى، أكد بدرة أن مصر تحظى باهتمام ملحوظ في دافوس، خاصة في ملفات التحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، وبناء اقتصاد إنتاجي قائم على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن عرض القيادة المصرية لرؤية واضحة في هذه الملفات يعزز ثقة المستثمرين ويؤكد جدية الدولة في التحول نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة.

وشدد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للاقتصادات الناشئة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات أخلاقية وتنظيمية، تستلزم وضع ضوابط ومعايير واضحة تضمن استخدامه في خدمة التنمية، وليس في تعميق الفجوات أو الانحرافات المجتمعية. واختتم بدرة تصريحاته بالتأكيد على أن الاستثمار في العنصر البشري، وبناء كوادر قادرة على مواكبة التطور التكنولوجي العالمي، يمثلان حجر الأساس لأي استراتيجية تنموية ناجحة في المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: مجلس السلام في غزة.. تفاصيل الخطة الأمريكية لإدارة القطاع

لماذا تحول دافوس من “روح الحوار” إلى “منصة للتناقضات”؟

الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، قال إنّ المنتدى عُقد هذا العام تحت شعار “روح الحوار”، إلا أن الواقع العملي كشف عن تراجع هذه الروح لصالح منطق القوة والمصالح القومية الضيقة، وهو ما ألقى بظلاله على أغلب الجلسات.

وأشار الشوربجي إلى أن دافوس 2026 يمكن اعتباره “منتدى التناقضات”؛ حيث اجتمع صناع القرار للحديث عن التعاون والاستقرار، في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تصاعدًا في السياسات الحمائية والرسوم الجمركية والانفراد بالقرار الاقتصادي. وأضاف أن الجلسة الختامية للمنتدى عكست تركيزًا واضحًا على المرحلة المقبلة، من خلال اجتماعات موسعة لقادة البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسهم رئيسة البنك المركزي الأوروبي، لمناقشة مسارات السياسة النقدية والتعامل مع تباطؤ النمو والتضخم.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن نسخة هذا العام حملت تحولًا نسبيًا من الطابع البيروقراطي الذي ميز دورات سابقة، إلى التركيز على آليات التنفيذ العملي للسياسات والقوانين، وهو ما يعكس إدراكًا عالميًا بأن مرحلة التنظير لم تعد كافية في ظل الأزمات المتراكمة.

ولفت إلى أن ملف التغير المناخي، الذي تصدر أجندات دافوس لسنوات، تراجع حضوره هذا العام، مقابل صعود ملف الذكاء الاصطناعي، خاصة الذكاء الاصطناعي الفيزيائي وفرص الاستثمار المرتبطة به، باعتباره محركًا رئيسيًا للنمو خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف الشوربجي أن طرح فكرة “مجلس السلام” خلال المنتدى، بمشاركة عدد من دول الشرق الأوسط من بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن والمغرب والبحرين، يعكس محاولة لإعادة صياغة أطر التعامل مع النزاعات الإقليمية، مؤكدًا أن هذه المبادرات، رغم ما تحمله من فرص، تظل مرهونة بوجود قواعد واضحة تحكم عملها وتضمن عدم تحولها إلى أدوات ضغط سياسي أو اقتصادي.

واختتم الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن منتدى دافوس يظل منصة مؤثرة في قراءة اتجاهات الاقتصاد العالمي، لكنه يعكس في الوقت نفسه حجم التحديات والانقسامات التي يواجهها النظام الدولي، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستتطلب توازنًا دقيقًا بين التكنولوجيا، والاستقرار السياسي، والعدالة الاقتصادية لضمان نمو مستدام.

اقرأ أيضًا: أوروبا تلوّح بسلاح الرسوم أمام ترامب بسبب غرينلاند

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة