في الاقتصاد العالمي، لا تحتاج الحرب دائمًا إلى أن تدمر المصانع أو تحرق المخازن كي تترك أثرها الكامل، فأحيانًا يكفي أن تضرب الممر، وهذا بالضبط ما فعلته الهجمات الصاروخية والمسيرات الإيرانية حين امتدت نتائجها إلى أحد أكثر الممرات حساسية في حركة التجارة الدولية، فقد تحول هرمز إلى نقطة اختناق أصابت الملاحة البحرية والجوية في قلبها، وأربكت التدفقات التي تربط آسيا بأوروبا، ودفعت المستثمرين في أسواق بعيدة إلى دفع فاتورة حرب لم تبدأ على شواطئهم.
المشهد هنا يتجاوز النفط والغاز، رغم مركزيتهما؛ فالحرب مع دخولها أسبوعها الثاني بدأت تلامس الطبقات الأعمق في الاقتصاد العالمي، وتتمثل بالشحن والتأمين والتسعير وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى توزيع الأعباء بين الاقتصادات الكبرى.
هرمز يحمل أكثر من السفن
تكمن خطورة ما يحدث في أن الاقتصاد العالمي بنى جانبًا مهمًا من كفاءته على افتراض استمرار المرور السلس عبر عدد محدود من العقد اللوجستية الكبرى، ويُعد مضيق هرمز أحد أبرز هذه العقد في شبكة التجارة الدولية؛ إذ إنه يمثل نقطة ارتكاز تؤثر في تكلفة التشغيل عبر الاقتصاد بأكمله، وبالتالي فإنّ أيّ اضطراب في هذا الممر يمتد أثره إلى كل حلقة في سلسلة إنتاج ونقل الغاز والنفط، من حركة السفن والشحن الجوي إلى تكاليف تشغيل المصانع في آسيا وأوروبا.
وحين تتعرض منطقة بهذا الوزن لهجمات صاروخية ومسيرات، فإن الرسالة التي تصل إلى السوق تعني أنّ البنية الأساسية للعولمة نفسها أصبحت أكثر هشاشة، لذلك لم يكن مستغربًا أن تمتد الخسائر بسرعة إلى الملاحة الجوية والبحرية معًا.
الشحن الجوي.. الضحية الأسرع والأغلى
إغلاق عدة مطارات دولية في منطقة الصراع، من بينها مطار دبي الدولي، أدى إلى تعطيل نحو خُمس القدرة العالمية للشحن الجوي، الأمر الذي يكشف طبيعة الصدمة التي تضرب قلب التجارة عالية القيمة؛ فالشحن الجوي يُستخدم أساسًا لنقل السلع الأعلى قيمة والأشد حساسية للوقت، مثل الإلكترونيات الاستهلاكية والأدوية والمعادن الثمينة ومكونات الصناعات الدقيقة.
وعندما تتعطل هذه القناة اللوجستية الحيوية، لا يتوقف الأمر عند تأخر الشحنات، بل يمتد إلى خطوط الإنتاج نفسها، حيث تعتمد العديد من المصانع على وصول هذه المكونات بسرعة للحفاظ على استمرارية التشغيل وتفادي توقف سلاسل الإمداد.
ويُذكر أنّ تكلفة الشحن الجوي من آسيا إلى أوروبا ارتفعت بنسبة 45% منذ بدء الحرب، وهي زيادة تفوق بأكثر من الضعف الزيادة المسجلة في المسار من آسيا إلى الولايات المتحدة، وهذا يشير إلى أنّ القرب من بؤرة الصراع يظل عاملًا حاسمًا في توزيع الأعباء، كما أنّ أوروبا وآسيا تعتمدان بدرجات مرتفعة على واردات الطاقة، وجزء مهم من تدفقاتهما التجارية يمر عبر مسارات أصبحت الآن مهددة أو مغلقة أو مرتفعة التكلفة، لذلك بدت دول مثل إيطاليا وبلجيكا والصين والهند وكوريا الجنوبية في مقدمة المتضررين.
أمريكا تتأذى أيضًا.. ولكن من مسافة أبعد
الولايات المتحدة ليست خارج المشهد، لكنها ليست في قلبه أيضاً؛ فقد ارتفع متوسط سعر البنزين إلى 3.41 دولار للجالون مقارنة بـ2.98 دولار قبل أسبوع واحد فقط؛ الأمر الذي يعكس انتقال أثر الحرب إلى السوق الأمريكية عبر قناة الأسعار المحلية، لا عبر تعطّل مباشر في سلاسل الواردات كما يحدث في أوروبا وآسيا.
الحاصل أنّ الاقتصاد الأمريكي يتلقى الصدمة بشكل غير مباشر، وهو ما يظهر سريعاً على تكاليف النقل والاستهلاك، ويضيف ضغوطاً جديدة على التضخم الداخلي، وفي الوقت نفسه يواجه المزارعون ارتفاعًا في تكاليف الأسمدة، ما يعني أن أثر الحرب يمتد إلى الزراعة والغذاء.
الفارق في المعادلة أنّ الاقتصاد الأمريكي يمتلك هامشًا أكبر لامتصاص الصدمة مقارنة بأوروبا وآسيا، لأن موقعه الجغرافي وبنية إمداداته يمنحانه وقتًا أطول للتكيف.
اقرأ أيضًا: حرب الشرق الأوسط تشعل الضغوط الاقتصادية في أمريكا
التضخم يعود من بوابة الحرب
تتجلى خطورة الأزمة في الطريقة التي تتسلل بها سريعاً إلى معدلات التضخم؛ فقد سجل التضخم في منطقة اليورو خلال فبراير مستوى أعلى من التوقعات، وجاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من الضغوط عبر قناتي الطاقة والشحن اللتين يمتد أثرهما إلى تكلفة تشغيل المصانع وسلاسل الإنتاج، وصولاً إلى الأسعار التي يدفعها المستهلك في الأسواق النهائية.
الاقتصاد لا يتعامل مع الحرب على أنها حدث منفصل، بل يعيد تسعير المخاطر عبر كل حلقة؛ فإذا ارتفعت الطاقة ارتفعت كلفة التشغيل، وإذا ارتفع الشحن ارتفعت كلفة الوصول، وإذا دخل المشترون في حرب مزايدة على الإمدادات المتاحة من الغاز بعد توقف إنتاج قطر للطاقة ارتفعت الفاتورة أكثر، وهكذا تتحول الأزمة من اضطراب إقليمي إلى موجة تضخمية عابرة للحدود.
الأسواق المالية تقرأ الخطر بشكل غير متساو
في الأسواق المالية جاءت الاستجابة متفاوتة، لكنها لم تكن عشوائية؛ فقد تراجع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 2% الأسبوع الماضي، وهو تراجع يعكس القلق لكنه لا يوحي بذعر شامل. في المقابل، هبطت سوق الأسهم الكورية الجنوبية بنسبة 20% قبل تعاف محدود، بينما انخفضت الروبية الهندية إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار منذ أكثر من نصف قرن.
هذه الأرقام تكشف مجددًا أنّ المستثمرين يميزون بين الاقتصادات بحسب درجة انكشافها؛ فكوريا الجنوبية، باعتمادها على الطاقة والتجارة العالمية، تبدو أكثر عرضة، أما الهند فتواجه ضغوطًا مضاعفة لأن فاتورة دعم الطاقة لديها تتجاوز 32 مليار دولار سنويًا، وهذا يعني أنّ أي ارتفاع إضافي في الأسعار يضغط على المستهلك الهندي وعلى المالية العامة في الوقت نفسه، وهنا تتحول الحرب من أزمة جيوسياسية إلى اختبار مباشر لقدرة الحكومات على تمويل الاستقرار الداخلي.
اقرأ أيضًا: الحرب على إيران تثير قلق الأسواق العالمية
مضيق هرمز.. عندما يختفي 90% من الحركة
إذا كان هناك رقم يختصر حجم الشلل البحري فهو تراجع حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بنسبة 90% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفي المقابل تبقى 57 سفينة حاويات عالقة داخل المضيق.
ورغم أنّ هذا الرقم يبدو محدوداً مقارنة بأرقام الطاقة، خاصة أنه يمثل أقل من 1% من القدرة العالمية للشحن بالحاويات، غير أن تأثير التجارة العالمية لا يُقاس بالحجم الكلي وحده، بل بموقع الاختناق وتوقيته ونوعية البضائع التي يحملها، فتراكم التأخيرات في نقطة عبور واحدة يمكن أن يخلق سلسلة من التداعيات عبر جداول التسليم ومواعيد الإنتاج وكلفة التخزين، ويضع المستوردين أمام ضغوط إضافية للوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، ومع امتداد التأخير تتحول هذه الاختناقات المحدودة ظاهرياً إلى موجات اضطراب تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد العالمية.
الأهم أن هذه السفن ليست وحدها في الصورة، فهناك سفن أخرى عالقة خارج الخليج أو محولة إلى موانئ بديلة، وهذا يعني أن الاختناق لا يظهر بالكامل في رقم واحد، بل في تشتت الحركة كلها. ومع إعلان شركات كبرى مثل ميرسك تعليق الحجوزات الجديدة لمعظم الشحنات من وإلى عدد من دول الخليج، وإعلان إم إس سي تحويل الحاويات إلى أقرب ميناء آمن، تتحول الأزمة من حالة انتظار مؤقت إلى إعادة رسم قسري للمسارات، وكل إعادة توجيه تعني زمنا أطول وميناء إضافيًا ورسوم تخزين أعلى واحتمال تأخير أكبر.
اقرأ أيضًا: من رأس لفان إلى هرمز.. هل يدخل الغاز العالمي منطقة الخطر؟
الشحن الجوي لا يتعطل فقط.. بل يعيد تسعير نفسه
إذا كان النقل البحري يواجه اختناقًا، فإن الشحن الجوي يواجه ما هو أكثر تعقيدا؛ فإغلاق المجالات الجوية في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق وإيران ينسف جزءًا من بنية الربط الجوي التي تعتمد عليها التجارة عالية القيمة. وعندما يقول رئيس شركة DHL Global Forwarding إن شركات الشحن الجوي تحتاج إلى نحو أسبوع ونصف لتعويض كل أسبوع من توقف الرحلات، فهذا يعني أن التعافي أبطأ من التعطل.
هذه المعادلة تفسر لماذا تتحول الأزمة الجوية بسرعة إلى أزمة سعرية؛ فارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة 72% في أحد المؤشرات الأوروبية منذ بدء الحرب يزيد الضغط على القطاع، بينما يدفع ارتفاع الطلب على المسارات البديلة إلى ما يشبه التسعير المرتفع عند الطلب؛ أي أن الطائرات نفسها تبدأ في التحول من خطوط أخرى نحو آسيا-أوروبا لأن الربحية هناك ترتفع مع القفزة في الأسعار.
الزراعة تدخل دائرة التأثير
تمتد تداعيات الحرب إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة والنقل لتصل إلى القطاع الزراعي؛ فثلاثة من أكبر عشرة منتجين عالميين للأسمدة القائمة على اليوريا والأمونيا اللامائية تقع داخل منطقة الصراع، وهم السعودية وقطر وإيران، ومع ارتفاع أسعار اليوريا بنحو 25% خلال أسبوع واحد فقط يتضح أن أثر الاضطرابات ينتقل سريعاً إلى مدخلات الإنتاج الزراعي، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على تكاليف الزراعة وأسعار الغذاء في الأسواق العالمية.
التوقيت هنا شديد الحساسية، لأن المزارعين يستعدون لتقديم أكبر طلباتهم السنوية من الأسمدة، وإذا أضيف إلى ذلك أن الصين، وهي أحد كبار المنتجين، تقيد صادراتها حتى أغسطس فإن السوق تدخل مرحلة هشاشة مضاعفة، وهذا يعني أن الحرب في الممرات البحرية قد تنتهي إلى رفع كلفة الزراعة عالميًا، ومن ثم أسعار الغذاء.
باختصار، كل رقم في هذه الأزمة يقول الشيء نفسه بعبارة مختلفة؛ فالاقتصاد العالمي لم يعد يملك رفاهية النظر إلى الممرات الاستراتيجية باعتبارها مجرد جغرافيا بعيدة، فهي الآن جزء من تسعير السلع، ومن استقرار العملات، ومن هوامش أرباح الشركات، ومن تكلفة الغذاء والطاقة والنقل، ولهذا فإن الحرب الحالية قد تبقى في الذاكرة الاقتصادية باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة التجارة العالمية على العمل في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية أسرع من قدرة سلاسل الإمداد على التكيف.
اقرأ أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط