موجة تفاؤل في سوق الأسهم الصينية مع دخول المستثمرين الصغار
تشهد سوق الأسهم الصينية واحدة من أكثر الموجات تفاؤلا منذ سنوات، فقد ارتفع مؤشر “CSI 300” الذي يضم أكبر 300 شركة مدرجة في بورصتي شنغهاي وشنتشن بنسبة 10% خلال أغسطس وحده، ليصبح من بين الأفضل أداء في العالم، بحسب بلومبرغ.
هذه القفزة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكم قوة مالية ضخمة متمثلة في مدخرات الأسر التي تُقدر بأكثر من 23 تريليون دولار، وهي كومة نقدية ضخمة يرجّح أن تتحول تدريجيًا إلى أسهم، ما قد يغير قواعد اللعبة في ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
صغار المستثمرين يدخلون على الخط
رغم نشاط صناديق التحوط في استغلال الموجة، إلا أن المحللين يرون أن المستثمرين الأفراد في المراحل الأولى فقط من التدفقات الكبيرة المتوقعة، والبيانات تشير إلى أن ودائع الأسر الصينية انخفضت بنسبة 0.7% في يوليو، من مستوى قياسي بلغ 160.9 تريليون يوان، وهو مؤشر على بدء تحرك الأموال نحو السوق.
تقديرات “JPMorgan Chase & Co”، تتحدث عن إمكانية دخول نحو 350 مليار دولار من المدخرات إلى السوق حتى نهاية 2026، وهو ما يكفي لدفع الأسهم إلى الصعود بأكثر من 20% إضافية.
يقول شو داوي، مدير صندوق في شركة “Jintong Private Fund Management” في بكين: “النقد هو ما يصنع الأسواق الصاعدة، وتحويل الودائع إلى أسهم سيكون المحرك الأبرز لهذه الموجة، ولقد بدأ بالفعل ولن يتوقف”.
هذا الرأي تدعمه تقارير “Goldman Sachs” و”HSBC” التي رفعت أهدافها السعرية للأسهم الصينية، مشيرة إلى أن فائض المدخرات لدى الأسر يمثل محركًا إيجابيًا أساسيا لتوقعات السوق.
قصص فردية تعبّر عن التحول
داروين ماو، شاب يعمل في قطاع التكنولوجيا ويبلغ 28 عامًا، روى تجربته قائلًا إنّه كان يراقب السوق منذ سبتمبر الماضي، عندما أطلق البنك المركزي حزمة تحفيزية رفعت الأسهم 25% في أسبوع واحد، لكنه لم يتمكن من الدخول في الوقت المناسب.
وأضاف: “هذه المرة، لم أرد أن أفوّت الفرصة، فاستثمرت جزءا من مدخراتي في يوليو وزدت حصصي لاحقًا، وأعتقد أن الموجة ستستمر حتى نهاية هذا العام”.
قصة ماو ليست استثناءً، بل نموذجًا لموجة جديدة من المستثمرين الأفراد الذين ينجذبون إلى الأسهم في ظل غياب بدائل استثمارية مغرية.
اقرأ أيضًا: فوائد الاحتفاظ بالأسهم على المدى الطويل
مكاسب السوق الصينية ومستويات الشراء المفرط
منذ أدنى مستوياته في أبريل، حقَّق مؤشر “CSI 300” مكاسب تقارب 25%، مرتفعًا في تسعة من أصل عشرة أسابيع متتالية، وقد جاءت هذه المكاسب مدعومة بحزم التحفيز النقدي والرسائل الحكومية الإيجابية، بالإضافة إلى استعداد السلطات لإظهار دعمها المعنوي للأسواق قبل مناسبات وطنية كبرى مثل العرض العسكري المقرر في 3 سبتمبر.
ورغم التفاؤل، يحذر محللو مورغان ستانلي من مؤشرات فنية تُظهر أنَّ السوق بات في حالة “شراء مفرط”، ومثال بارز هو شركة “Cambricon Technologies” المصممة لشرائح الذكاء الاصطناعي، التي تضاعف سهمها خلال أغسطس قبل أن تنهار أسعارها فجأة عقب تحذير الشركة من أن مستوياتها لم تعد تعكس الأساسيات المالية، ومثل هذه الحالات تذكر بفقاعات سابقة شهدتها السوق الصينية، حين قفزت الأسعار بسرعة مفرطة ثم تبعتها انهيارات حادة.
غياب البدائل الاستثمارية وتعزيز الأسهم كخيار أساسي
التحولات الحالية تحدث في سياق وصفه المحللون بـ”TINA – There Is No Alternative” أي (لا يوجد بديل)، والعوائد على السندات في الصين، عند مستويات تاريخية منخفضة، والقطاع العقاري ما زال يعاني من ركود اقتصادي طويل.
فيما تراجعت العوائد على الودائع الثابتة السنوية لدى أكبر البنوك إلى 0.95% فقط، وهو أدنى مستوى على الإطلاق، الأمر الذي يجعل الأسهم الوجهة شبه الوحيدة، لمن يبحث عن عائد أعلى، خاصة أن التدفقات إلى الحسابات الاستثمارية ارتفعت في يوليو بأكثر من 2.1 تريليون يوان، وهو أعلى مستوى منذ فبراير.
توضح ويني وو، كبيرة استراتيجيي الصين في “BofA Securities”: “هناك نقص في الأصول الاستثمارية القابلة للتوظيف في الصين، وإذا أثبت سوق الأسهم قدرته على تحقيق الأرباح، فإن الناس سيكونون أكثر استعدادًا لتخصيص مزيد من الأموال”، في إشارة واضحة إلى أنَّ الأسهم قد تصبح الخيار الرئيسي للأسر الصينية الباحثة عن فرص.
الدروس المستفادة من فقاعة الأسهم الصينية 2015
السلطات الصينية لا تنسى فقاعة 2015 التي محت أكثر من تريليوني دولار من القيمة السوقية في أسابيع قليلة، وهذا يجعل الجهات التنظيمية أكثر حرصًا على السيطرة على أي سخونة مفرطة.
شركات وساطة مثل “Sinolink Securities” رفعت متطلبات الهامش لمتعاملي الأسهم، فيما حدّت بعض الصناديق من حجم الأوامر الجديدة، ورغم أن هذه الخطوات لم يُعلن أنها بتعليمات رسمية إلا أن الممارسات السابقة تُظهر أن السلطات كثيرًا ما توجه رسائل غير معلنة لتقييد المضاربات عند الحاجة.
وعلى الجانب الآخر، بدأت وسائل الإعلام الصينية المملوكة للدولة تحذر من المضاربة المفرطة، لكنها في الوقت ذاته ترسل رسائل دعم للسوق باعتباره “انعكاسا لقوة الاقتصاد الصيني”، وهذه الازدواجية تعكس محاولة رسم توازن بين تشجيع التدفقات ومنع الانفلات.
ويقول وو شيانفنغ، مدير صندوق في شركة “Shenzhen Longteng Assets Management”: “الأهم هذه المرة أن يكون لدينا سوق صاعدة بطيئة، فهذا هو السبيل الوحيد لتحويل المدخرات إلى أسهم بشكل مستدام”.
اقرأ أيضًا: خطة استمرارية الأعمال للحماية من الأزمات
البعد العالمي.. الصين لاعب لا يمكن تجاهله
الصعود الحالي لا يهم المستثمرين المحليين فقط، بل له أبعاد عالمية، وإذا تحققت توقعات تدفق مئات المليارات من مدخرات الأسر إلى السوق، فإن ذلك سيعزز مكانة الصين كأكبر محرك للأسواق الناشئة.
بنوك استثمار عالمية، مثل جولدمان ساكس وإتش إس بي سي، رفعت أهدافها للأسهم الصينية، ليس فقط بناء على السيولة المحلية، بل أيضا بسبب اعتقادها بأن المستثمرين العالميين سيزيدون مخصصاتهم للصين إذا أثبتت السوق استقرارها.
ماذا بعد؟ السيناريوهات المحتملة
في هذا السياق تبرز عدة سيناريوهات محتملة؛ أوّلها سيناريو الصعود المستدام، وفيه تتحول المدخرات تدريجيًا إلى استثمارات طويلة الأجل، ما يخلق سوقًا صاعدة مستقرة لعدة سنوات، والثاني هو سيناريو الفقاعة الجديدة، وفيه تتسارع التدفقات بشكل مفرط، فتتكرر تجربة 2015 مع ارتفاعات سريعة يعقبها انهيار، وأخيرًا سيناريو التوازن الحذر الذي يوضح أن السلطات قد تتدخل في الوقت المناسب بكبح المضاربة، ما يضمن استمرار الصعود دون فوضى.
ما نعرفه اليوم هو أنّ مدخرات الأسر الصينية، التي تُمثل نحو 23 تريليون دولار، أصبحت المحرك الخفي وراء موجة الصعود في سوق الأسهم، ودخول صغار المستثمرين مع غياب بدائل استثمارية مغرية، والدعم الحكومي غير المباشر، كلها عوامل جعلت من السباق الحالي ظاهرة تستحق المتابعة من كثب، لكن هل تنجح السلطات الصينية في تحويل هذه الكومة من المدخرات إلى رافعة مستدامة لأسواق المال؟
قد يهمّك أيضًا: صراع اقتصادي جديد.. اليابان تنافس الصين في إفريقيا