في مفارقة تربك حتى أكثر المحللين خبرة، تواصل أسواق الأسهم العالمية تسجيل مستويات قياسية، متجاهلة الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية التي تخيم على الاقتصاد العالمي؛ فمنذ بداية عام 2025 أضافت الأسواق ما يزيد على 17 تريليون دولار إلى قيمتها السوقية، في موجة صعود توصف بأنها “الأكثر اتساعًا وشمولًا” منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.
اللافت أن هذا الصعود لا يقتصر على أسواق بعينها، بل يشمل البورصات الكبرى من وول ستريت إلى طوكيو، ومن فرانكفورت إلى شنغهاي، حيث ارتفعت مؤشرات الأسهم الرئيسة رغم استمرار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، ورغم الحديث المتكرر عن احتمالات الركود فإن المستثمرين يتصرفون وكأنهم يعيشون في عالم موازٍ، حيث تتعايش الأرباح القياسية مع القلق العميق، والأسواق الصاعدة مع التضخم المرتفع.
موجة صعود غير مسبوقة
الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح المشهد، فنحو 17 تريليون دولار مكاسب إجمالية لأسواق الأسهم العالمية منذ مطلع العام، 4 تريليونات دولار منها جاءت من أسهم 8 شركات تكنولوجيا كبرى فقط، في مقدمتها “مايكروسوفت”، و”إنفيديا”، و”أبل”، و”أمازون”.
الأمريكيون باتوا يستثمرون اليوم 58 تريليون دولار في الأسهم، أي نحو 45% من إجمالي ثرواتهم الشخصية، في أعلى نسبة مسجلة منذ عام 2000، علمًا أنّ سوق الأسهم الأمريكية وحدها تنتج 1600 مليونير جديد يومياً في المتوسط، وذلك بفضل المكاسب الرأسمالية وأرباح الأسهم.
هذا الزخم غير المسبوق يأتي في وقت يشهد فيه العالم تباطؤًا في نمو التجارة الدولية، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاعًا في كلفة التمويل، ومع ذلك تواصل الأسواق التحليق وكأنَّها “مضادة للجاذبية الاقتصادية”.
الذكاء الاصطناعي يقود القافلة
الوقود الأساسي وراء هذه الارتفاعات هو الذكاء الاصطناعي الذي تحول من مفهوم تقني إلى محرك مالي ضخم، يعيد تشكيل ثروات الشركات والمستثمرين، فمنذ مطلع 2025 ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسب تتجاوز 80%، وقد صنعت هذه الطفرة 19 مليارديرًا جديدًا حول العالم.
المستثمرون يرَون في الذكاء الاصطناعي ما كان يمثله الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، أو الهواتف الذكية في العقد الأول من الألفية الجديدة، ووفقا لتقديرات غولدمان ساكس فإن الاستثمار العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي سيصل إلى 400 مليار دولار هذا العام، ما يجعل القطاع أكبر مستقطب لرؤوس الأموال منذ ثورة التكنولوجيا الأولى.
هذا التوسع يخلق توقعات مستقبلية هائلة بشأن أرباح الشركات، ويدفع المستثمرين إلى تجاهل التوترات السياسية والاقتصادية، طالما أنَّ “الذكاء الاصطناعي” يعِد بعوائد تفوق المخاطر.
تفاؤل الأسواق بخفض الفائدة الأمريكية
العامل الثاني وراء موجة الصعود هو التفاؤل المتزايد بخفض أسعار الفائدة الأمريكية في النصف الثاني من العام، فبعد عامين من تشديد نقدي متواصل لمحاربة التضخم باتت الأسواق تراهن على أن الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى خفض تدريجي للفائدة، ما ينعش الإقراض ويزيد شهية المخاطرة في الأسواق المالية.
التوقعات بانخفاض كلفة التمويل، تعني أن الشركات ستتمكن من التوسع بسهولة أكبر، وأن المستثمرين سيجدون في الأسهم بديلًا مغريًا عن السندات وأدوات الدخل الثابت، وبينما لا يزال التضخم الأمريكي يدور حول مستويات أعلى من المستهدف (2.9%) فإنَّ الأسواق تراهن على أن الفيدرالي سيغض الطرف مؤقتًا عن الأرقام لصالح دعم النمو الاقتصادي قُبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أرباح الشركات تفوق التوقعات
العامل الثالث، وربما الأكثر استقراراً، هو الأداء القوي لمعظم الشركات المدرجة، ففي الربع الثاني من 2025 حقَّقت الشركات الأمريكية المدرجة في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” نمواً في الأرباح بنسبة 11.8% على أساس سنوي، وهو أعلى معدل منذ عام 2021، وفقا لـ”FactSet Research Systems”.
حتى الشركات الصناعية التي تأثرت بارتفاع التكاليف وقيود التجارة استطاعت تحقيق أرباح تفوق التوقعات بفضل إعادة هيكلة سلاسل التوريد وتراجع أسعار الطاقة، وفي أوروبا سجَّلت الشركات الكبرى، خاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والسيارات، أرباحاً مفاجئة، مما ساعد مؤشر “ستوكس 600” على بلوغ أعلى مستوى في تاريخه.
هذا الأداء الإيجابي يغذي “حلقة ثقة متبادلة” بين المستثمرين والشركات، فكلما أعلنت الشركات نتائج قوية، تدفقت الاستثمارات الجديدة، ما يدفع الأسعار إلى مزيدٍ من الارتفاع.
الذهب يصعد مع الأسهم.. مفارقة غير مألوفة
المكاسب لم تقتصر على الأسهم وحدها، فقد ارتفع سعر الذهب بنسبة 56% منذ بداية العام، في أكبر زيادةٍ يشهدها المعدن النفيس منذ 46 عاماً، واللافت أنَّ الذهب والأسهم يسجلان ارتفاعاً متزامناً -وهو أمر نادر في الأسواق- إذ عادة ما يتحرك المعدن الأصفر في الاتجاه المعاكس للأسهم باعتباره ملاذاً آمناً وقت الأزمات، لكن هذه المرة مختلفة، فالمستثمرون يشترون الذهب ليس بدافع الخوف من الانهيار المالي، بل للتحوط من التضخم ومن تراجع الدولار الأمريكي، وهذا السلوك يعكس ما يسميه بعض المحللين “مزيج القلق والطمع”، فالأسواق ترتفع بدافع التفاؤل، لكنها تتجه في الوقت نفسه إلى التحوط من الأسوأ.
اقرأ أيضًا: مستقبل الدولار الأمريكي في ظل الأزمات المالية العالمية
58 تريليون دولار من الثروة الأمريكية في الأسهم
الولايات المتحدة تظل المحرك الأكبر لهذا الزخم العالمي، إذ بلغت القيمة الإجمالية لاستثمارات الأمريكيين في الأسهم 58 تريليون دولار، ما يمثل 45% من إجمالي ثرواتهم، وهي أعلى نسبة منذ عقدين، وهذا التحول يعكس “الثقة المتزايدة في وول ستريت” كمصدر رئيسي لبناء الثروات، خاصة في ظل ضعف العوائد البنكية وتراجع جاذبية السندات.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات شركات الوساطة إلى أن جيل الألفية أصبح أكثر إقبالاً على الاستثمار في البورصة، مستفيداً من منصات التداول الرقمية منخفضة التكلفة، وهو ما عزّز السيولة وزاد من سرعة تحركات الأسعار.
الأسواق تتجاهل السياسة.. ولكن إلى متى؟
رغم الارتفاعات القياسية، يبقى السؤال الجوهري، هل يمكن للأسواق أن تواصل الصعود متجاهلة السياسة؟ الجواب -وفق المحللين- يعتمد على مدى استمرار “الإيمان بالتكنولوجيا” وقدرة الشركات على الحفاظ على أرباحها المرتفعة، لكن التوترات الجيوسياسية من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط لا تزال تشكّل خطراً غير محسوب، وأي تصعيد كبير، قد يعيد تسعير المخاطر، ويؤدي إلى تصحيح عنيف في الأسواق التي بلغت تقييماتها مستويات مبالغاً فيها. ويحذر محللون في “مورغان ستانلي” من أنَّ “فائض التفاؤل الحالي قد يجعل الأسواق أكثر هشاشة أمام الصدمات السياسية أو النقدية المفاجئة”.
تاريخ الأسواق العالمية مليء بالدروس، من فقاعة الإنترنت في 2000 إلى فقاعة العقارات في 2008، ففي كل الحالات كانت اللحظة التي تتجاهل فيها الأسواق المخاطر هي نفسها بداية الانحدار، واليوم يرى بعض الخبراء تشابهاً مقلقاً، حيث تتركز الأرباح في عدد محدود من الشركات العملاقة، مع توسع مفرط في تقييمات التكنولوجيا، وتجاهل شبه تام للعوامل الجيوسياسية.
لكن في المقابل، يشير آخرون إلى أن الفارق الجوهري هذه المرة هو قوة الأرباح الفعلية، وليس مجرد التوقعات، إضافة إلى التحول الهيكلي نحو اقتصاد رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
الذهب والنفط والعملات.. إشارات متباينة
في خلفية المشهد، تتقاطع مؤشرات الأسواق الأخرى في إشارات متناقضة، فالذهب يرتفع كملاذ للتحوط، بينما يتراجع النفط نتيجة تباطؤ الطلب في آسيا، أمَّا الدولار الأمريكي فقد خسر جزءاً من بريقه مع توسع العجز المالي في الولايات المتحدة وتراجع العوائد الحقيقية على السندات، وهذا المزيج المعقد يجعل الأسواق تبدو في حالة “فصلٍ مؤقت عن الواقع” فهي تحتفل بالأرباح لكنَّها تتحوط للخطر في الوقت ذاته.
ولعلّ ما تشهده الأسواق حالياً ليس مجرد دورة صعود جديدة، بل مرحلة انتقالية في هيكل الاقتصاد العالمي، حيث تتنافس القوى الكبرى على التكنولوجيا والموارد، بينما يحاول المستثمرون اقتناص الفرص وسط الضباب، كما أن المكاسب الكبيرة منذ بداية العام تعكس مزيجاً من التفاؤل والرهان على المستقبل، لكنها لا تخفي حقيقة أن الأسواق تمشي على خيط رفيع بين الطفرة والفقاعة.
اقرأ أيضًا: تصعيد ترامب ضد الصين يضرب سوق الكريبتو .. تبخر 18 مليار دولار