مورغان ستانلي يتوقع دورة خفض جديدة للفائدة الأمريكية حتى 2026

تشهد الساحة الاقتصادية العالمية حالة من الترقب الحذر بعد أن رجّح بنك الاستثمار الأمريكي مورغان ستانلي أن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة الأمريكية تمتد حتى يناير 2026، ويأتي هذا التوقع في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي مزيجًا معقدًا من التحديات، أبرزها تباطؤ التضخم وتراجع مؤشرات سوق العمل، ما يفتح الباب أمام سياسة نقدية أكثر مرونة بعد سنوات من التشديد.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن التطورات الأخيرة تعكس تحولًا جوهريًا في توجهات السياسة النقدية الأمريكية، معتبرًا أن ما سيقرره الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة سيؤثر على الداخل الأمريكي، وسيمتد صداه إلى الأسواق الناشئة والدول المرتبطة بالدولار في مختلف أنحاء العالم.

بداية مسار خفض الفائدة الأمريكية

قال شوقي إن بنك مورغان ستانلي يتوقع أن يبدأ الفيدرالي أولى خطواته بخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر الجاري، على أن تتبعه خطوات إضافية في أكتوبر وديسمبر ثم يناير 2026، ليصل معدل الفائدة إلى حدود 3.5%، واعتبر أن هذا المسار يمثل نقطة تحول استراتيجية، إذ يهدف الفيدرالي إلى التخفيف من آثار التشديد النقدي الذي استمر لفترة طويلة.

وأشار إلى أن التقرير الصادر عن مورغان ستانلي يعكس قناعة متزايدة بأن الفيدرالي بات يمتلك مساحة واسعة للتحرك، مدعومًا بتراجع تكاليف المنتجين وبروز إشارات ضعف في سوق العمل، وهو ما يمنحه فرصة لتخفيف الضغوط على الاقتصاد دون تهديد مباشر لاستقرار الأسعار.

بيانات التضخم وسوق العمل

أوضح الخبير الاقتصادي أن بيانات التضخم السنوي في الولايات المتحدة سجلت ارتفاعًا إلى 2.9% خلال أغسطس، مقارنة بـ2.7% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الشهري بنسبة 0.4% متجاوزًا التوقعات التي لم تتعد 0.3%، أما التضخم الأساسي –الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة– فقد استقر عند 3.1% سنويًا، وهو ما يشير إلى استمرار بعض الضغوط السعرية، لكنه لا يهدد الاستقرار الكلي.

وقد أكد شوقي أن بقاء المعدلات قرب 3% يمنح الفيدرالي القدرة على المضي في سياسة التيسير النقدي بشكل متدرج، لافتًا إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في إعادة التضخم إلى مستوى 2% على المدى المتوسط، وأضاف أن أي ارتفاع شهري طفيف لا يغير من الصورة العامة التي ترجح الحاجة إلى خفض تدريجي للفائدة، مع متابعة دقيقة للتطورات حتى لا تؤدي السياسة التيسيرية إلى إشعال موجة تضخمية جديدة.

ولفت شوقي إلى أن سوق العمل الأمريكي أرسل مؤشرات أكثر وضوحًا على التباطؤ، حيث سجلت وزارة العمل ارتفاعًا غير متوقع في طلبات إعانة البطالة الأسبوعية لتصل إلى 263 ألف طلب، بزيادة قدرها 27 ألف طلب عن الأسبوع السابق، وهو رقم أعلى بكثير من التقديرات التي لم تتجاوز 235 ألفًا.

وبين أن هذه البيانات تعكس بداية تراجع في قدرة السوق على استيعاب وظائف جديدة، ما يضع الفيدرالي أمام خيار صعب: إما الإبقاء على الفائدة المرتفعة وما يعنيه ذلك من ضغط إضافي على التوظيف، أو الإسراع بخفضها لدعم النمو والحفاظ على استقرار سوق العمل.

اقرأ أيضًا:  انعكاسات محتملة لخفض الفائدة على الأسواق والعملات

الأسواق العالمية تترقب خطوات الفيدرالي وتتحرك مبكرًا

أكَّد الخبير الاقتصادي أن رد فعل الأسواق العالمية يعكس قناعة متزايدة بأن الفيدرالي سيمضي قدمًا في هذا المسار، حيث تسعّر الأسواق بالفعل خفضًا تدريجيًا للفائدة قد يصل إلى 150 نقطة أساس حتى سبتمبر 2026، ليستقر المعدل النهائي عند حدود 3%.

وأشار شوقي إلى أن هذا الاتجاه سيؤدي إلى تراجع متوقع في عوائد سندات الخزانة الأمريكية، خاصة لآجال 6 أشهر وعام واحد، من مستوياتها الحالية التي تراوحت بين 3.6% و3.8%. وقال: “انخفاض عوائد السندات سيضغط على الدولار الأمريكي ويمنح دفعة للعملات الأخرى، فضلًا عن تعزيز جاذبية الأصول المالية مثل الأسهم والذهب، وهو ما شهدناه بالفعل مع تسجيل الذهب مستويات قياسية جديدة”.

وأضاف أن هذه التطورات لم تقتصر على السوق الأمريكية، بل امتدت إلى أوروبا أيضًا، حيث ساعد ضعف الدولار على تعزيز شهية المخاطرة، خاصة بعد أن رفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للنمو هذا العام من 0.9% إلى 1.2%.

اقرأ أيضًا: الذهب يتفوق على سندات الخزانة في احتياطيات البنوك المركزية

كيف ينعكس خفض الفائدة الأمريكية على الاقتصادات الناشئة؟

نوّه شوقي إلى أن انعكاسات السياسة النقدية الأمريكية لا تقتصر على الداخل الأمريكي أو أوروبا، بل تمتد إلى الأسواق الناشئة، بما فيها المنطقة العربية، وقال: “تراجع الفائدة الأمريكية يعني عادة تدفقات أكبر لرؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى، وهو ما قد تستفيد منه دول مثل مصر التي تحتاج إلى تعزيز الاستثمارات الأجنبية لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف الضغوط على العملة”.

وأوضح أن انخفاض الدولار قد يقلل أيضًا من تكلفة خدمة الديون المقومة بالعملة الأمريكية، وهي مسألة حيوية لكثير من الاقتصادات النامية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تقلبات الأسواق العالمية قد تشكل تحديًا، إذا ما تزامن خفض الفائدة مع استمرار الاضطرابات الجيوسياسية أو تقلبات أسعار الطاقة.

سيناريوهات بديلة لسياسة الفيدرالي في خفض الفائدة

أوضح شوقي أن الفيدرالي قد يلجأ إلى خفض أكبر يصل إلى 50 نقطة أساس في أحد الاجتماعات المقبلة إذا استمرت مؤشرات سوق العمل في التراجع بشكل حاد أو ظهرت بيانات سلبية عن الاستهلاك المحلي، لكنه استدرك قائلاً: “رغم ذلك، سيظل الحذر السمة الأبرز لسياسة الفيدرالي، إذ يهدف إلى الموازنة بين دعم النمو والحد من مخاطر التضخم”.

وأضاف أن الاتجاه العام يبقى في إطار خفض تدريجي ومدروس للفائدة خلال اجتماعات أكتوبر وديسمبر، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تعديلات أكبر إذا فرضت التطورات الاقتصادية ذلك.

واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الولايات المتحدة اليوم أمام موازنة دقيقة بين ضغوط تباطؤ النمو وضرورة السيطرة على التضخم، وأوضح أن نجاح الفيدرالي في إدارة هذه المعادلة سيحدد ملامح الاقتصاد الأمريكي خلال العامين المقبلين، كما ستكون له انعكاسات واسعة على الأسواق العالمية، من حركة رؤوس الأموال وتوجهات المستثمرين، إلى أسعار الذهب والعملات.

وقال: “السياسة النقدية الأمريكية لا تظل حبيسة واشنطن، بل تنتقل آثارها إلى جميع دول العالم، ولهذا فإن قرارات الفيدرالي المقبلة لن تعني فقط مستقبل الاقتصاد الأمريكي، بل ستؤثر في مسارات اقتصادات ناشئة وكبرى على حد سواء”.

قد يهمّك أيضًا: هل يملك ترامب حق إقالة رئيس الفيدرالي؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة