مونديال 2026.. أكبر عائد اقتصادي في تاريخ كرة القدم
لم تعد بطولات كأس العالم مجرد منافسات رياضية تلهم الجماهير وتشعل الاحتفالات الشعبية، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أهم الفعاليات الاقتصادية العالمية، بما تحمله من إنفاق سياحي مباشر، واستثمارات بنية تحتية، وفرص تشغيل واسعة، وعوائد مالية هائلة تتدفق عبر قطاعات الضيافة والمواصلات والتسويق والإنتاج التلفزيوني.
ومع اقتراب مونديال 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تشير المؤشرات الاقتصادية الأولية إلى أن العالم على موعد مع النسخة الأكبر والأغلى والأكثر تأثيرًا على الإطلاق، مع تقدير أثر اقتصادي مباشر وغير مباشر، يبلغ 80.1 مليار دولار، وهو أكبر أثر تسجله بطولة رياضية واحدة في التاريخ.
وتأتي هذه التقديرات ضمن دراسة مشتركة أعدها الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” ومنظمة التجارة العالمية، تشمل توزيع الإنفاق، والوظائف المتوقعة، والنتائج الاقتصادية بعيدة المدى، بما في ذلك العوائد الحكومية، والناتج المحلي، والفوائد الاجتماعية، ويكتسب هذا التقرير مزيدًا من الزخم في ظل عددٍ قياسي من المنتخبات المشاركة لأول مرة (48 منتخبًا)، منها أكبر حضور عربي في تاريخ البطولة.
اقتصاد السياسة ودبلوماسية كرة القدم
شهد مركز كينيدي في واشنطن حفل قرعة كأس العالم وسط حضور سياسي غير مسبوق، فقد شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تلقّى جائزة فيفا للسلام في نسختها الأولى، إلى جانب رئيس وزراء كندا مارك كارني ورئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، في مشهد يجمع بين الرياضة والأجندات السياسية والاقتصادية.
ويمثّل اختيار مركز كينيدي مكانًا لحدث القرعة رسالة اقتصادية بحد ذاته، فالحدث منح المركز 7.4 مليون دولار من فيفا مقابل الاستضافة، إضافة إلى فرص رعاية تقدر بنحو 5 ملايين دولار، فيما تبرع المركز بنحو 2.4 مليون دولار من هذا المقابل لصالح برامجه الثقافية، وجميعها أمثلة واضحة على كيف تحول فعاليات كرة القدم إلى رافعة مالية لمؤسسات ثقافية وفنية بعيدة تمامًا عن عالم الرياضة.
أثر اقتصادي قياسي: 80 مليار دولار في مونديال 2026
تظهر الدراسة أن مونديال 2026 سيولد 80.1 مليار دولار من المخرجات الاقتصادية، تتوزع بين استهلاك سياحي هائل، وإنفاق من فيفا، واستثمارات رأسمالية، وتشغيل مدن الاستضافة، إضافة إلى تأثيرات طويلة الأمد على الناتج المحلي.
وتأتي هذه المكاسب موزعة كالتالي: 30.5 مليار دولار في الولايات المتحدة، و49.6 مليار دولار في بقية دول العالم، ويعكس هذا التفاوت حجم السوق الأمريكية وقدرتها على امتصاص الاستثمارات وإنفاق السياح، إضافة إلى قوة قطاعات الضيافة والطيران والتسويق الرياضي، ومع ذلك فإن اقتصادات المكسيك وكندا ستستفيد من جزء كبير من الإنفاق غير المباشر، سواء عبر حقوق البث أو الإنفاق السياحي العابر أو استثمارات التجهيزات.
وتشمل مكونات الأثر الاقتصادي تعزيز الناتج المحلي العالمي بنحو 40.9 مليار دولار، من بينها 17.2 مليار دولار للولايات المتحدة وحدها، إضافة إلى 9.4 مليار دولار في صورة عوائد حكومية مباشرة وغير مباشرة، و8.28 مليار دولار من الفوائد الاجتماعية التي تشمل تطوير مراكز المدن وتحسين شبكات النقل وإحياء قطاعات الخدمات.
اقرأ أيضًا: أندية السعودية تضخ ملايين الدولارات لاستقطاب نجوم كرة القدم
الوظائف.. كرة القدم كأكبر مولد للعمالة المؤقتة
تقدر الدراسة أنّ البطولة ستسهم في توفير نحو 824 ألف وظيفة بدوام كامل حول العالم، وهو رقم يعكس ضخامتها الاستثنائية، وتأتي نسبة كبيرة من هذه الوظائف في الولايات المتحدة، حيث يتدفق ملايين الزوار نحو المدن المستضيفة، ما يدفع قطاعات الفنادق والمطاعم والطيران والإنتاج الإعلامي إلى توظيف مئات الآلاف خلال فترة الحدث وما قبلها، كما سيصل صافي الأجور إلى 20.8 مليار دولار.
وتتوقع فيفا حضور 6.5 مليون مشجع للمباريات، وهو رقم قياسي يتناسب مع زيادة عدد المنتخبات، وارتفاع الطاقة الاستيعابية للملاعب، وتوزّع مباريات البطولة عبر ثلاث دول تمتلك قدرات سياحية وتحتية هائلة.
كيف يُنفق العالم على تنظيم كأس العالم 2026؟
تصل كلفة تنظيم البطولة وفق تقديرات فيفا ومنظمة التجارة العالمية إلى 13.9 مليار دولار، تشمل الاستثمارات الرأسمالية، والنفقات التشغيلية للمدن المستضيفة، وإنفاق فيفا، ونفقات السياح. وتتوزع النفقات المتوقعة على النحو الآتي:
- 7.5 مليار دولار نفقات سياحية تمثل 54% من إجمالي الإنفاق.
- 3.8 مليار دولار نفقات فيفا (27%).
- 1.8 مليار دولار نفقات تشغيلية للمدن المستضيفة (13%).
- 900 مليون دولار استثمارات رأسمالية (6%).
وتستحوذ الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من إجمالي النفقات بنحو 11.1 مليار دولار، منها 6.4 مليار دولار من إنفاق الزوار و2.9 مليار دولار من نفقات فيفا، ما يعكس حجم الإنفاق السياحي المتوقع في مدن كبرى مثل لوس أنجلوس ونيويورك ودالاس وميامي، التي تشهد عادة ارتفاعًا حادًا في أسعار الفنادق والطيران في مثل هذه الأحداث.
أما الاستثمارات الرأسمالية -ورغم محدوديتها مقارنة بالبطولات السابقة- فإنها تركز على تحديث البنية التحتية للملاعب وشبكات النقل والاتصالات، دون الحاجة إلى بناء ملاعب جديدة بالكامل، وهو ما يقلل التكلفة على الحكومات ويوجه الإنفاق نحو المستهلك والسياحة.
النسخة الأكبر.. 48 منتخبًا وتنافس عربي استثنائي
تشهد نسخة 2026 أكبر عدد من المنتخبات في تاريخ كأس العالم، مع 48 منتخبًا، بينها 7 منتخبات عربية لأول مرة، مع إمكانية انضمام منتخب العراق في حال تأهّله عبر الملحق العالمي، وتتضمن المنتخبات العربية المشاركة:
- قطر في المجموعة الثانية مع كندا وسويسرا وفريق أوروبي متأهل عبر الملحق.
- المغرب في المجموعة الثالثة مع البرازيل وهايتي وإسكتلندا.
- تونس في المجموعة السادسة مع هولندا واليابان وفريق أوروبي متأهل.
- مصر في المجموعة السابعة مع بلجيكا وإيران ونيوزيلندا.
- السعودية في المجموعة الثامنة مع إسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر.
- الجزائر والأردن في المجموعة العاشرة مع الأرجنتين والنمسا.
وتُبرز هذه المشاركة العربية الواسعة بعدا اقتصاديًا مهمًا، تتمثل في تدفق الجماهير العربية إلى المدن المستضيفة، وارتفاع الطلب على التذاكر والإقامة، وتنامي حقوق البث في الشرق الأوسط، وهو ما يضيف أثرًا اقتصاديًا جديدًا لم تُفصح عنه الدراسة بعد، لكنه قد يصل إلى مئات الملايين من الدولارات.
اقرأ أيضًا: السعودية تستضيف كأس العالم 2034
أميركا الشمالية.. استفادة اقتصادية غير متوازنة لكن رابحة للجميع
رغم أن الولايات المتحدة تستحوذ على الحصة الأكبر من المكاسب المالية، فإن المكسيك وكندا ستستفيدان من موجات متتالية من الزوار، خاصة في المدن الحدودية مثل مونتيري وتيخوانا، إلى جانب تورنتو وفانكوفر في كندا. وسيحصل اقتصاد المدينتين الكنديتين المستضيفتين على دفعات مالية من السياحة، وحقوق البث، وتطوير البنية التحتية، بينما ستحقق المكسيك مكاسب كبيرة من أسعار الفنادق وقطاعات النقل الجوي.
أما في الولايات المتحدة، فستتحول البطولة إلى رافعة اقتصادية لقطاعات السياحة والنقل والخدمات، وربما تؤدي إلى تعزيز حركة الاستثمار العقاري في المدن الرئيسية بفضل ارتفاع الطلب على الإقامة قصيرة الأجل.
فوائد طويلة الأمد تتجاوز حدود الملاعب
بعيدًا عن الأرقام المباشرة، تظهر الدراسة أنّ كأس العالم يخلق فوائد اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد، منها تحسين صورة المدن المستضيفة عالميًا، ورفع كفاءة المرافق العامة، وتوسع برامج التطوع، وتحفيز الصناعات الإبداعية والإعلامية، ورفع مؤشرات الثقة الاقتصادية والتدفقات السياحية المستقبلية. وفي حالة أمريكا الشمالية، فإن أثر البطولة يتجاوز الاقتصاد إلى الدبلوماسية الناعمة، إذ تمثل النسخة المشتركة رمزا للتعاون الإقليمي بين ثلاث دول تربطها مصالح اقتصادية معقدة.
قد يهمّك أيضًا: في المغرب.. أضخم ملعب بالعالم لكرة القدم
