مونديال 2026 يفضح عجز قطارات أمريكا
حين يستضيف ملعب “نيويورك نيوجيرسي” نهائي كأس العالم هذا الصيف، لن تكون المشكلة الكبرى داخل الملعب بقدر ما ستكون خارجه، فالملعب الواقع في مستنقعات نيوجيرسي، على بعد نحو تسعة أميال من وسط مانهاتن، سيستقبل قرابة 80 ألف مشجع في يوم النهائي، إضافة إلى 7 مباريات أخرى خلال البطولة.
لكن الوصول إليه يكشف منذ البداية خللًا أعمق في بنية النقل الأمريكية، حيث المواقف محدودة وبأسعار تصل إلى 225 دولارًا، وحافلات نقل ترددي خُفضت أسعار تذاكرها من 80 إلى 20 دولارًا بعد تحرك في اللحظة الأخيرة من حاكمة نيويورك كاثي هوكول، واعتماد كبير على فرع نادر الاستخدام من شبكة “نيوجيرسي ترانزيت” سبق أن تعثر في التعامل مع الحشود الكبرى، بحسب “theatlantic”.
نيوجيرسي كشفت المأزق بأوضح صورة عندما أعلنت “نيوجيرسي ترانزيت” الشهر الماضي سعرًا قدره 150 دولارًا لرحلة الذهاب والعودة على خط لا تتجاوز كلفته المعتادة 13 دولاراً، ثم جرى خفض السعر إلى 105 دولارات بفضل تبرعات من شركات لم يذكر اسمها، قبل أن يتراجع مرة أخرى إلى 98 دولاراً قبيل طرح التذاكر للبيع، لكن المشكلة لم تكن في الرقم النهائي فقط بل في دلالته، فمجرد التفكير في فرض هذه الأسعار يعكس شبكة باتت عاجزة عن استيعاب حدث بهذا الحجم، دون تحميل الركاب كلفة عقود من التآكل ونقص الاستثمار.
6 ملايين دولار لنقل الجماهير للمباراة الواحدة
رئيس “نيوجيرسي ترانزيت” ومديرها التنفيذي كريس كولوري، شرح الحسابات التي قادت إلى هذا التسعير، مشيرًا إلى أن نقل الجماهير إلى الملعب يتطلب إنفاق نحو 6 ملايين دولار في كل مباراة، معظمها على العمالة والأمن وأعمال الصيانة اللازمة لـ50 عربة قطار، بما في ذلك شراء عجلات ومحاور ووحدات تكييف جديدة لتجنب الأعطال المعتادة.
ومن هذا المنطلق، جرى توزيع الكلفة على نحو 40 ألف راكب، لتخرج الحصيلة عند 150 دولارًا للفرد، وأشار كولوري إلى أن تحميل دافعي الضرائب في نيوجيرسي هذه الفاتورة ليس خياراً يراه من تحدث إليهم بشكل عادل أو معقول.
ومنذ اللحظة الأولى، تحولت القضية إلى اشتباك سياسي، فعندما اعترض الاتحاد الدولي لكرة القدم على ارتفاع الأجرة قالت حاكمة نيوجيرسي ميكي شيريل إن “فيفا”، التي يُنتظر أن تحقق 11 مليار دولار من إيرادات البطولة، ينبغي أن تدعم هذه الرحلات أو تتحملها بالكامل، لكن مسؤول في الاتحاد رد بأن هذه الرسوم المرتفعة ستقوض الفائدة الاقتصادية والإرث الذي يُفترض أن تتركه استضافة كأس العالم للمنطقة.
في موازاة ذلك، انتقدت صحيفة نيويورك بوست خطط “نيوجيرسي ترانزيت” لإغلاق جزء من محطة “بنسلفانيا” في مانهاتن لفترات طويلة أيام المباريات، بدعوى أن ذلك يأتي على حساب الركاب المنتظمين، وفي المقابل سارع حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو إلى إبراز الفارق، متباهيًا بإمكانية انتقال الجماهير إلى مباريات فيلادلفيا عبر شبكة “سيبتا” مقابل 2.90 دولار فقط.
ويرى كولوري أن خصوصية ملعب “ميتلايف” تفسر هذا الفارق الكبير في الكلفة، فملاعب فيلادلفيا -على سبيل المثال- تقع داخل المدينة وتخدمها القطارات يوميًا، بينما لا يتمتع ملعب نيوجيرسي بخدمة قطار منتظمة، وبحسب وصفه فهو “ملعب ضاحية”، وهذا فرق جوهري، غير أن هذا التفسير يفتح الباب على سؤال أكبر: لماذا شُيّد أحد أهم الملاعب الأمريكية في موقع معزول محاط بالطرق السريعة ومواقف السيارات والمستنقعات، بعيدًا عن النسيج الحضري الطبيعي؟
هذا السؤال نفسه بات يطرحه أوروبيون على وسائل التواصل الاجتماعي، في دهشة من اختيار موقع يبدو مصممًا للسيارات أكثر مما هو مهيأ للجماهير.
اقرأ أيضًا: صدمة مبكرة.. فنادق أمريكا تخفض أسعارها قبل مونديال 2026
إخفاقات الماضي تلاحق خطط الطوارئ الحالية
المخاوف الحالية لا تنطلق من فراغ، فعندما استضاف الموقع نفسه مباراة “السوبر بول” عام 2014 بحضور مماثل يقارب 80 ألف شخص، شهدت شبكة النقل حالة فوضى واسعة: طوابير طويلة، وتأخيرات كبيرة، وطلب من بعض الجماهير البقاء داخل الملعب إلى أن تخف حدة الزحام على الرصيف.
وقد كان الأداء سيئاً إلى درجة أن الوكالة كلفت لاحقًا شركة تحقيق مستقلة لتقييم الإخفاقات، كما وصف كولوري ما حدث بأنه ترك “صدمة” مستمرة، معتبراً أن ذلك يفسر الإصرار على إدارة البطولة هذا العام بطريقة مختلفة، ولكن حتى هذا التبرير يصطدم بحقيقة أخرى، فالأمر تكرر في 2019 حين تُرك آلاف المشجعين ينتظرون ساعات في الظلام بعد فعالية “ريسلمانيا” للحصول على رحلة من “نيوجيرسي ترانزيت”.
هشاشة شبكات النقل في المدن المستضيفة لمونديال 2026
صحيح أن نيوجيرسي استأثرت بأكبر قدر من الجدل، لكنها ليست استثناءً بقدر ما هي مرآة مكبرة لمشكلة أمريكية أوسع، ففي دالاس سيضطر معظم المتجهين إلى الملعب إما لدفع رسوم مواقف مرتفعة أو استخدام قطار ضواحي يتصل بحافلة مستأجرة.
وفي كانساس سيتي، سيجري الاعتماد كليًا على الحافلات المستأجرة، وحتى عندما تتوفر خدمة قطار مباشرة، فإنها غالبًا لا تكون مريحة، وقد تكون باهظة بصورة لافتة، والمثال نفسه يتكرر في بوسطن، حيث يمكن أن تبلغ تذكرة القطار إلى مباراة في ملعب “جيليت” 80 دولارًا.
المفارقة أن الضجة الأكبر تدور حتى الآن في منطقة تملك خيارات نقل عام أفضل من أي منطقة أخرى تقريبًا في الولايات المتحدة، فالبنية الحديدية في الشمال الشرقي -على تهالكها- ما زالت قائمة على الأقل، لكن هذا الحضور لا يخفي هشاشتها؛ إذ تم تعليق خدمة “أمتراك” بين نيويورك وبوسطن، بعد سقوط أجزاء من منحدر طريق سريع على القضبان.
وفي عموم المدن الأمريكية المستضيفة للمونديال لا يبدو المشهد أفضل كثيراً، حيث إنّ مدينتان فقط من أصل 11 مدينة مضيفة، هما سياتل وسان فرانسيسكو، تمتلكان محطة “أمتراك” قريبة من الملعب، وفي هيوستن يعمل اثنان فقط من خطوط القطار الخفيف كل 12 دقيقة، أما لوس أنجلوس فستعتمد على حافلات نقل من نقاط إنزال محددة تابعة لشبكة المترو.
حتى في فيلادلفيا -التي تبدو أكثر جاهزية من غيرها بفضل خط مباشر إلى الملعب- فإن الطاقة الاستيعابية ليست مضمونة، والمتحدث باسم “سيبتا” قدّر قدرة الخط بنحو 15 ألف شخص في الساعة، بينما يُتوقع أن يستخدم القطار في كل مباراة ضعف هذا الرقم تقريباً، وهذا يعني أن المدينة التي تبدو الأفضل نظريًا، ستواجه هي الأخرى اختبارًا فعليًا عندما تبدأ الجماهير في التدفق.
اقرأ أيضًا: مونديال 2026.. أكبر عائد اقتصادي في تاريخ كرة القدم
كلفة عقود من نقص الاستثمار
جيم ماثيوز، رئيس “رابطة ركاب السكك الحديدية”، لخص المعضلة بوضوح عندما قال إن تسعير رحلات “نيوجيرسي ترانزيت” بمئات الدولارات، وكذلك أجرة 80 دولاراً من بوسطن إلى “جيليت”، يجعل البلاد تبدو وكأنها تستغل لحظة تسلط فيها أنظار العالم عليها لتقدم تجربة “باهظة على نحو سخيف”.
وبرأيه، فإن ما يحدث هو النتيجة المباشرة لعقود من نقص الاستثمار في السعة والبنية الأساسية، وهذا الحكم لا يقتصر على التكلفة فقط، بل يمتد إلى ندرة الخيارات نفسها، وإلى الاعتماد المستمر على حلول مؤقتة بدلًا من شبكات مصممة أصلًا لنقل جماهيري واسع.
الزوار القادمون من الخارج لن يروا فقط الملاعب والبطولة، بل سيعاينون أيضاً من الطريقة التي تتحرك بها المدن الأمريكية وتستقبل الجماهير، وهنا تحديداً تكمن الحساسية، فالصورة التي قد تخرج بها الجماهير العالمية ليست عن بلد يستضيف أكبر بطولة رياضية بكفاءة، بل عن دولة ما زالت تعتمد على السيارات ومواقفها والطرق المحيطة بها أكثر من اعتمادها على قطارات قادرة على حمل الحدث.
وإذا كان كأس العالم مناسبة لعرض القوة التنظيمية والبنية الحديثة، فإن النقل في الولايات المتحدة يبدو مرشحًا لأن يقدم الرواية المعاكسة تماماً: بلد غني، لكنه يدخل البطولة بشبكات قطارات قديمة، وتسعير استثنائي، وحلول اضطرارية تكشف الفشل أكثر مما تخفيه.
قد يهمّك أيضًا: في المغرب.. أكبر ملعب في العالم لكرة القدم