نمو الاقتصاد المصري 4% في 2025 وسط تباطؤ الإصلاح

في تقريره الصادر في شهر يوليو 2025 “آفاق الاقتصاد العالمي”، توقَّع صندوق النقد الدولي أن يصل النمو الحقيقي للاقتصاد المصري إلى 4% خلال العام المالي 2024/2025، على أن يرتفع تدريجيًا إلى 4.1% في 2026، مشددًا على أنَّ هذا التحسن يرتبط بتقدم الإصلاحات الاقتصادية المقررة وتحسّن المؤشرات الكلية.

ووفقًا للتقرير، بدا الاقتصاد المصري أكثر مرونة مما كان متوقعًا، رغم التحديات الداخلية والخارجية، مدفوعًا بأداء ملحوظ للقطاعات غير النفطية، وعلى رأسها السياحة والاتصالات، حيث سجّل قطاع السياحة أداءً استثنائيًا في النصف الأول من العام 2025، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 22% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى 8 مليارات دولار، فيما زاد عدد السائحين بنسبة تقارب 25%، ليبلغ عددهم 8.7 مليون سائح، ورأى الصندوق أن هذا الأداء من أحد أهم محفزات النمو في تلك الفترة.

وخلال مؤتمر صحفي عُقد بالتزامن مع إطلاق تقرير يوليو، أوضحت بيتيا بروكس، نائبة مدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي، أن “البيانات الاقتصادية الأخيرة جاءت أقوى من التقديرات السابقة”، مشيرة إلى أن قطاع السياحة شكّل أحد أبرز الركائز التي أسهمت في دعم النمو الاقتصادي خلال تلك المرحلة.

تباطؤ الإصلاحات يضغط على التوقعات المستقبلية

في المقابل، خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل النمو في العام المالي 2024/2025 إلى 4% فقط، بعدما كانت التقديرات السابقة تُشير إلى إمكانية بلوغه 4.3%، وأرجع الصندوق هذا التراجع إلى تباطؤ وتيرة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، لا سيما ما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية، الذي يُعد محورًا أساسيًا في استراتيجية تعزيز دور القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

وفي وقت سابق، أوضحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، أن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج القرض، والبالغ قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، ستُدمجان ويتم تنفيذهما خلال خريف 2025، لكن التأخير في تنفيذ عملية الطروحات الحكومية بقي علامة بارزة على بطء الإصلاح في هذا الملف الحيوي.

بالرغم من هذه التحديات، أكد صندوق النقد في بيان سابق أن مصر أحرزت “تقدمًا ملموسًا” نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، مع تحسن نسب التضخم والوضع المالي، لكن ذلك لا يغني عن ضرورة مواصلة الإصلاحات الهيكلية لضمان نمو طويل الأجل وخلق وظائف نوعية.

من جانبها، حافظت الحكومة المصرية على توقعاتها الرسمية لنمو الاقتصاد خلال العام المالي 2025/2026 عند 4.5%، دون تعديل، رغم التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها الحرب بين إسرائيل وإيران التي استمرت 12 يوماً وأكدت أن تأثير هذه الأحداث على الاقتصاد المحلي كان محدودًا، ولم تؤثر على مسار تنفيذ خطة الإصلاح.

على صعيد آخر، أشار التقرير إلى أن مصر باتت في السنوات الأخيرة مستوردًا صافيًا للطاقة، بعد سنوات من كونها مصدّرة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز، ويزيد من هشاشة المالية العامة أمام التغيرات المفاجئة في الطاقة.

اقرأ أيضًا: صندوق النقد.. على مصر تسريع الخصخصة وتحقيق 3 مليارات دولار خلال عام

قراءة تحليلية: نمو محدود وإصلاحات مؤجلة

قال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إنَّ رفع توقعات صندوق النقد لنمو الناتج المحلي إلى 4% يُعد إشارة إيجابية، لكنه لا يمثل تعافيًا اقتصاديًا شاملاً، بل إنجازًا جزئيًا مبنيًا على أداء محدود في بعض القطاعات، مشيرًا إلى أن الاقتصاد لا يزال يعتمد إلى حد كبير على السياحة والخدمات.

وأشار إلى أنَّ الاقتصاد المصري أظهر مرونة مؤقتة، لكنه لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية تبطئ النمو المستدام، فقطاع السياحة ممتاز، لكنه غير كافٍ بمفرده لتحقيق طفرة اقتصادية حقيقة.

وفي تأكيده على ضرورة التسارع في تنفيذ الإصلاحات، تابع سلامة: “برنامج الطروحات الحكومية متباطئ، والقطاع الخاص لا يزال يترقب إشارات واضحة بشأن تقليص تدخل الدولة، وهذا يراكم فجوة بين الخطط والإنتاج على أرض الواقع”.

ويرى الخبير أنه رغم إشادة صندوق النقد بـ”التقدم نحو استقرار كلي”، فإن تلك المكاسب مجرد خطوة أولى، قائلاً: “الاستقرار النقدي والمالي مهم، لكنه لا يكفي، فنحن بحاجة إلى إصلاحات إنتاجية حقيقية كتطوير الحوكمة، وتعزيز سهولة الوصول إلى التمويل، وتحسين بيئة الأعمال تدريجيًا”.

وفيما يتعلق بالتوترات الإقليمية والتعرض المستجد لأسواق الطاقة، أكد سلامة أن “تحول مصر إلى مستورد صافٍ للطاقة زاد من هشاشة الاقتصاد”، وقد دعا في هذا السياق إلى توجيه الموارد نحو تنمية الصناعات المحلية، وتقوية شبكة الإنتاج والاستثمار.

وأكد أن هدف النمو الحكومي عند 4.5% في 2025/2026 قد يكون طموحًا لكنه ليس بعيد المنال، بشرط أن يصاحب تطبيقه إصلاحات فعلية في أسواق العمل والضرائب والتعليم والتصدير، وأضاف: “النمو عند 4% اليوم هو نمو دفاعي، وأن الوصول إلى مستويات تفوق 5% هو ما نحتاجه فعلًا لتحويل هذا الاقتصاد إلى قوة إنتاجية حقيقية.

قد يهمّك أيضًا: تحويلات المصريين بالخارج.. درع الاقتصاد وقت الأزمات

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة