الأمريكيون يهاجرون إلى أوروبا رغم قيود الهجرة المتزايدة
تقرير: باسل محمود
يتسارع الإقبال من الأمريكيين على طلب الإقامة أو المواطنة في دول الاتحاد الأوروبي، في محاولة للهروب من الاضطرابات السياسية والاجتماعية المتفاقمة في الولايات المتحدة، خاصة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بحسب بلومبرج.
في المقابل، تواجه أوروبا هذه الطلبات بتشديد غير مسبوق في قوانين الهجرة، ما يعقّد الطريق أمام الحالمين بجواز سفر بديل؛ فقد بدأت العديد من الدول الأوروبية في تقليص مسارات الإقامة القانونية عبر قيود صارمة على تأشيرات العمالة الماهرة، وتشديد برامج “المواطنة بالنسب”، ووقف أو تقليص برامج “التأشيرة الذهبية” التي كانت تمثّل الخيار الأول للأثرياء الأمريكيين الباحثين عن الإقامة مقابل استثمارات عقارية أو مالية.
تحول في المزاج السياسي الأوروبي
لم يأتِ التضييق الأوروبي من فراغ، بل يعكس مزاجًا سياسيًا متغيّرًا، فقد اتجهت الحكومات الأوروبية -مدفوعة بضغوط شعبوية واقتصادية- نحو إعادة ضبط سياساتها الخاصة بالهجرة، لتقليص عدد الوافدين وتقييد أطر الجنسية والإقامة.
في إيطاليا مثلًا، كانت برامج “المواطنة بالنسب” تُتيح لأي شخص إثبات أصول تعود إلى تأسيس الدولة عام 1861 التقدّم للحصول على الجنسية، لكن مرسومًا حكوميًا جديدًا صدر في مارس 2025 قلّص هذه الفترة إلى جيلين فقط، أي أبناء وأحفاد المواطنين الإيطاليين فحسب.
أما المملكة المتحدة، فزادت من تعقيد قوانينها، ورفعت الحد الأدنى للأجور المطلوبة لتأشيرات الأزواج، وقلّصت قدرة الطلاب الأجانب على جلب عائلاتهم، بل واقترحت حزمة جديدة من القيود تشمل تأشيرات العمل والإقامة الدائمة.
التأشيرة الذهبية
منذ أكثر من عقد، كانت برامج التأشيرة الذهبية “Golden Visa” تُعد من أكثر مسارات الإقامة شعبية بين الأمريكيين الراغبين في الانتقال إلى أوروبا، خاصة في إسبانيا والبرتغال واليونان.
لكن تغيّر المناخ السياسي داخل الاتحاد الأوروبي دفع العديد من الحكومات إلى إعادة النظر، فقد ألغت إسبانيا البرنامج بالكامل، في حين علّقته المملكة المتحدة منذ 2022، وفرضت البرتغال واليونان شروطًا أكثر صرامة.
وفي تطوّر لافت، اعتبرت محكمة العدل الأوروبية في أبريل الماضي أن الجواز المالطي الذي يُمنح بموجب هذا البرنامج “غير قانوني”، معتبرة أن المواطنة لا يمكن أن تُباع باعتبارها “حقًا سياديًا للدولة وامتيازًا مشروطًا”.
اقرأ أيضًا: ترامب يطرح “البطاقة الذهبية” لجذب المستثمرين الأثرياء
ارتفاع ملحوظ في الطلب الأمريكي على الهجرة
رغم القيود، لا تزال الطلبات الأمريكية تشهد ازديادًا حادً، وفي هذا السياق تقول كيلي كورديز، مؤسسة شركة “مستشارو الجنسية الأيرلندية”، إنَّ الطلب تضاعف تقريبًا خلال العام الحالي، موضحة أنها تتلقى الآن ما بين 20 إلى 25 طلبًا أسبوعيًا، مقارنة بـ10 طلبات فقط في العام الماضي.
كما كشفت بيانات شركة Deel المتخصصة في الموارد البشرية عن ارتفاع بنسبة 16% في عدد الأمريكيين الذين تم توظيفهم من قبل شركات أوروبية بين يناير وأبريل. وتشير منصات مثل Glassdoor إلى تزايد عمليات البحث عن وظائف في دول مثل إيرلندا والبرتغال، ما يُعزز فرضية “الهجرة النشطة”.
اقرأ أيضًا: انخفاض مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي يثير مخاوف اقتصادية جديدة
خطة بديلة لم تعد مؤجلة
لم يعد جواز السفر الأوروبي بالنسبة للأمريكيين مجرد “خطة طوارئ” للمستقبل، فبالنسبة للكثيرين أصبحت الهجرة قرارًا فوريًا. تقول كورديز إن الغالبية لم تعد تكتفي بتحضير الأوراق، بل انتقلت فعليًا إلى تنفيذ الخطط، وشراء عقارات، وتسجيل أطفالهم في مدارس أوروبية.
كما تُشير سامانثا ويلسون، مؤسسة شركة “سمارت موف إيطاليا” في فلورنسا، إلى أن الطلب على تأشيرات التقاعد، والاستثمار، وتأشيرات “الرحّل الرقميين”، تضاعف ثلاث مرات منذ نهاية عام 2024، حيث تُعد هذه الفئات البديل الجديد أمام الأمريكيين الباحثين عن الاستقرار خارج بلادهم.
تأشيرات الرحّل الرقميين والتقاعد في الواجهة
مع تراجع خيارات التأشيرات الكلاسيكية، يتجه الأمريكيون إلى نماذج أكثر مرونة، أبرزها تأشيرات “الرحّل الرقميين” التي تتيح الإقامة لمن يعملون عن بعد، حيث تمنح هذه الفئة مزايا ضريبية وتُفضَّل من قبل الشباب في قطاع التكنولوجيا.
أما المتقاعدون فيُقبلون على التأشيرات المخصصة لمن يملكون دخلاً شهريًا ثابتًا، يتيح لهم العيش دون الحاجة إلى العمل في الدولة المضيفة، وتقول ويلسون إنَّ هذه التأشيرات شهدت طفرة هائلة، خاصة من الأمريكيين فوق سن الخمسين.
أوروبا تُغلق الأبواب ببطء
لا تقتصر دوافع الهجرة الأمريكية إلى أوروبا على الأبعاد الاقتصادية فقط، فالمخاوف المجتمعية والأمنية تحتل حيزًا متزايدًا في قرارات كثير من الأفراد.
ورغم أن أوروبا لا تزال تستقبل عشرات الآلاف من الأمريكيين سنويًا إلا أن الاتجاه العام يُشير إلى تضييق مستمر، وتحوّل تدريجي من السياسات المفتوحة إلى سياسات “الهجرة الانتقائية”.
التسهيلات السابقة القائمة على الروابط العائلية أو الاستثمار أصبحت اليوم مشروطة أو محدودة بزمن أو جغرافيا، والقرارات الأخيرة من محكمة العدل الأوروبية والحكومات الوطنية تُؤكّد هذا المنحى.
ويرى محللون أن هذه البيئة القانونية ستدفع الأمريكيين إلى البحث عن منافذ بديلة أقل وضوحًا، أو الانتقال نحو بلدان مثل صربيا وجورجيا وكرواتيا، التي تُقدّم تسهيلات مؤقتة دون التزامات طويلة الأمد.
اطّلع أيضًا على تقريرنا المصور: 100 مليون شاب عربي يرغبون بالهجرة
