هل يشهد الجنيه المصري تعويمًا جديدًا؟ قراءة في التطورات الاقتصادية

مع صرف الشريحة الثالثة من قرض صندوق النقد الدولي للحكومة المصرية، والبالغة 820 مليون دولار، أصبح الجنيه المصري على مشارف تعويم جديد قد يطيح بقيمته في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد. ويبرز سؤال حاسم حول مستقبل العملة المحلية، ومدى تأثير هذا الدعم المالي على استقرار الاقتصاد المصري ومدى استجابته لشروط الصندوق.

وبينما تستمر التكهنات حول إمكانية تخفيض جديد في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي، يبقى المواطن المصري في مواجهة مصيرية مع التداعيات المحتملة لهذه السياسات على حياته اليومية.

الشريحة الثالثة من قرض صندوق النقد الدولي

قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، بعد صرف الشريحة الثالثة من القرض المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، وقدرها 820 مليون دولار: “صدرت تصريحات عن الصندوق تشير إلى أن الحكومة المصرية نفذت العديد من شروط الصندوق بشأن حزمة الإصلاحات الاقتصادية والنقدية والمالية”.

مرونة سعر الصرف: هل ستلجأ مصر إلى تخفيض جديد؟

أوضح الجرم في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia“: “أشار المصدر نفسه إلى أنَّه يجب توفير الآليات التي تجعل سعر الصرف أكثر مرونة”، وهذا أثار قضية جديدة، وهي ما إذا كانت السلطات النقدية ستلجأ إلى إجراء تخفيض جديد في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى لتلبية شروط الصندوق.

هل يعود شبح السوق السوداء بعد تعويم الجنيه؟

“إجراء تخفيض للعملة المحلية أمام الدولار الأميركي يأتي على خلفية وجود سوق سوداء تدفع أسعار الدولار للارتفاع بشكل غير منطقي أمام العملة المحلية، مما يُجبر السلطات النقدية على ضرب السوق السوداء للصرف الأجنبي من خلال تخفيض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي، من أجل إجبار أصحاب السوق السوداء على الخروج من السوق”، وفقًا للجرم.

ويُتابع: “في ظل أنَّ هذا الأمر بعيد المنال إلى حد ما، فلن تشهد المرحلة القادمة أيَّ تعويم للعملة المحلية، فضلاً عن أنَّ الحكومة لن تسمح بعودة السوق السوداء للصرف الأجنبي مرة أخرى، لأنَّ حدوث ذلك سوف يكون له تداعيات سلبية وكارثية على الاقتصاد المصري، ويُقلل من أثر أيّ إصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية تمت خلال الفترة القليلة الماضية، حتى أنّ الأمور ستكون مرشحة للرجوع للمربع الأول”.

صفقات استثمار جديدة لدعم الاحتياطيات الدولية

تُشير التوقعات إلى أن هناك صفقات استثمار مباشر أخرى على غرار صفقة رأس الحكمة خلال الفترة القليلة القادمة، يدعم هذه التوقّعات ما تم الحديث عنه خلال الأيام الماضية عن نية الجانب السعودي تحويل الودائع السعودية لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات.

وهذا من شأنه أن يدعم قيمة الاحتياطيات الدولية لمصر لدى البنك المركزي المصري بشكل كبير، خصوصًا مع رصد العديد من التطورات الاقتصادية في الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة، مثل تجاوز قيمة الاحتياطيات الدولية لمصر لدى المركزي لأكثر من 46 مليار دولار، وانخفاض الدين العام الخارجي بمقدار 14 مليار دولار في سابقة هي الأولى من نوعها خلال سنوات عديدة مضت.

تأثير تعويم الجنيه المصري على المواطن

“الحقيقة أنَّ صانعي السياسة الاقتصادية والنقدية في البلاد يُدركون جيدًا أنَّ أيَّ إجراء بشأن تعويم العملة المحلية أمام الدولار الأميركي سيكون له تداعيات سلبية على المواطن المصري بشكل شديد للغاية، قد لا يتحمله، خصوصًا بعد رفع جزء من الدعم المُقدم للمنتجات البترولية، واحتمالية زيادة أسعار المرافق العامة من كهرباء ومياه، وكذلك رفع بعض الدعم المقدم لرغيف الخبز”، بحسب الجرم.

انخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار

يقول الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية: “من الطبيعي أنّه سيكون هناك انخفاض جديد في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار خلال الفترة المقبلة في حالة عودة السوق الموازي، ويؤكد على ذلك أنَّ كافة الموارد والتدفقات الدولارية خلال النصف الأول من العام الجاري خرجت في صورة سداد التزامات ومستحقات داخلية وخارجية، ولم يتم استغلال أيّ منها في صورة تدعم الاقتصاد والإنتاج بصورة صحيحة، بما يساهم في خلق موارد دولارية”.

“هذا الأمر سيترتب عليه انخفاض في العملة المحلية أمام سلة العملات الأجنبية الأخرى خلال الفترة القادمة، وازدهار للسوق الموازية كأمر طبيعي في ظل عدم وجود موارد دولارية مقابل وجود طلبات داخلية والتزامات خارجية، لا سيَّما أنَّ هُناك أقساط ديون سيادية مستحقة خلال النصف الثاني من هذا العام، بالإضافة إلى وجود حالة من تراجع المصادر الدولارية الأساسية للدولة المصرية المتمثلة في قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج”، بحسب عادل.

استقرار سعر الصرف

أوضح عادل في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia“: ما شهدناه من استقرار في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري منذ تحرير سعر الصرف في 6 مارس 2024، كان استقرار مؤقتًا مدعومًا بتدفقات دولارية من صفقة رأس الحكمة والأموال الساخنة التي تمَّ العودة للاعتماد عليها من جديد، وهي أمور مؤقتة ونسبية لا تضمن ولا تتسبب في استدامة استقرار سعر الصرف أو ارتفاع قيمة العملة المحلية”.

ويرى عادل أن صفقة رأس الحكمة والأموال الساخنة بمثابة مسكنات لسعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، والمزيد من الاعتماد على الأموال الساخنة يدعم عودة السوق الموازية مرةً أخرى؛ كون زيادة الطلب المفاجئ على الأموال الراغبة في الخروج من السوق المصري يضاعف الطلب على الدولار الأمريكي في السوق الرسمي، ومن ثم عدم قدرة البنوك المصرية على تلبية طلبات واحتياجات المستوردين والأفراد ومن ثم لجوئهم كنتيجة طبيعية ومباشرة لتدبير احتياجاتهم الدولارية من السوق الموازي.

إجراءات استباقية لحماية الاقتصاد المصري

“إذا أرادت الدولة المصرية حماية الاقتصاد المصري والوقاية من معاودة السوق الموازية للعمل وارتفاع سعر الصرف بها، فلا بد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الوقائية والتحوطات الاستباقية، على رأسها الإعلان عن مبادرات وتسهيلات حقيقية لخطوط الإنتاج والتصنيع والتصدير”، بحسب عادل.

كما أكَّد عادل بدوره أنَّ الاقتصاد المصري بحاجة إلى خطة طوارئ عاجلة تتضمن معالجة هيكلية لمشكلة السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والإنتاجية؛ فقد كانت جائحة كورونا وما ترتب عليها من تعطل سلاسل الإمداد والتوريد بمثابة جرس إنذار لكافة اقتصادات دول العالم، وعلى رأسها الاقتصاد المصري، بضرورة العمل على تحقيق الأمن الصناعي والغذائي، وخلق بيئة جاذبة مطمئنة للمستثمرين من الأفراد والشركات المحليين والأجانب.

ولعل أهم الحلول السريعة التي يُمكن اتخاذها في الوقت الحالي للحدِّ من معاودة الأزمة وامتداد تداعياتها بصورة يصعب تداركها أو التعافي منها تتمثل في:

حل أزمة سعر الصرف

من الضروري العمل على توفير مصادر مستدامة للحصول على حصيلة دولارية تلبي احتياجات الأفراد والشركات، بما يضمن الاستقرار الاقتصادي. يمكن تحقيق ذلك من خلال:

  • إصدار أوعية ادِّخارية بالدولار: تقديم شهادات ادخار بعائد مرتفع يتم صرفه بالدولار مباشرة، مع ضمان استرداد قيمة الشهادة بالدولار عند انتهاء مدتها، بدلاً من صرف العائد بما يعادل قيمته بالجنيه المصري.
  • إعادة مبادرة استيراد سيارات للمصريين العاملين بالخارج: تفعيل مبادرة تتيح استيراد العاملين بالخارج لسيارة واحدة أو سيارتين للأسرة وفقًا لعدد سنوات العمل بالخارج، على أن يتم ذلك بمبالغ محددة تُسدد مرة واحدة لخزانة الدولة. تُطبق المبادرة بنظام الشرائح، بحيث تختلف الرسوم حسب نوع السيارة وموديلها، مع مراعاة تأثيرها على النظام البيئي.
  • الدعوة لمؤتمر اقتصادي عربي ودولي: تنظيم مؤتمر يستعرض رؤى جديدة وسياسات مالية واستثمارية مبتكرة لتحفيز المستثمرين العرب والأجانب على العودة للسوق المصري، ويجب أن تتسم الحوافز والتسهيلات المقدمة بالجدية، وأن تكون قابلة للتطبيق العملي لتعزيز الثقة.
  • التركيز على استدامة الحصيلة الدولارية: ضمان استمرارية توفير الدولارات لتفادي حدوث فجوة بين السوق الرسمي والسوق الموازي، التي قد تؤدي إلى آثار سلبية على مستويات الأسعار ومعدلات الاستثمار.

اقرأ أيضًا: لماذا رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود ؟

الأمن الصناعي والغذائي: ضرورة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي

يُعد تحقيق الأمن الصناعي والغذائي خطوة أساسية لضمان استقرار الأسواق، حيث يؤدي إلى خفض الأسعار وتقليل الاعتماد على العملة الأجنبية، مما يعزز التوازن في الميزان التجاري، ولتحقيق هذا الهدف يجب تقديم تسهيلات لدخول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، بالإضافة إلى توفير حوافز مالية وضريبية.

ومن ناحية أخرى، من الضروري إلزام المستفيدين من هذه التسهيلات بحجم إنتاج يتناسب مع الدعم الذي حصلوا عليه، مع تخصيص ثلثي الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلي، والثلث الآخر للتصدير.

كما ينبغي تعزيز دور الملحقين التجاريين في سفارات الدول الأخرى لخلق تواصل فعال بين المصنعين والمنتجين والجهات المهتمة في تلك الدول، بما يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي الدولي.

خطة التقشف

تتطلب الأوضاع الراهنة إطلاق خطة تقشف عاجلة وفعالة تشمل جميع مؤسسات ووزارات الدولة، ومن المهم أن تكون هذه الخطة معلنة للرأي العام، كإشارة لتضامن الدولة مع ما يعيشه المواطن البسيط يوميًا، مما يعزز الثقة بين الشعب والحكومة.

دعم الصادرات ورفع رسوم الإقامة والتأشيرات

ينبغي مراجعة منظومة دعم الصادرات والدعم العيني بشكل شامل، بهدف تخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة، مع ضمان توجيه الدعم لمستحقيه ودعم القطاعات القادرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، بالإضافة إلى رفع رسوم الإقامة وتأشيرات الدخول للأجانب والمقيمين والتسديد بالعملة الأجنبية.

اقرأ أيضا: لجنة تصفية الأصول في مصر تثير مخاوف الخبراء

مخاطر وتحديات تعويم الجنيه المصري

يرى الدكتور محمد عبد الهادي، خبير أسواق المال، أن تحرير سعر صرف الجنيه المصري وخضوعه لقوى العرض والطلب قد يحمل فوائد اقتصادية، ولكنه يأتي مع مجموعة من التحديات والمخاطر. هذه المخاطر قد تؤثر سلبًا على الاقتصاد والمجتمع إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات الكافية لتقليل آثارها السلبية وضمان استقرار السوق، ومن هذه المخاطر ما يأتي:

  • التضخم

أحد أبرز المخاطر هو ارتفاع معدلات التضخم؛ فعندما يتم تعويم الجنيه المصري قد تنخفض قيمته بشكل كبير مقابل العملات الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات، مما يرفع أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، ويؤثر بشكل سلبي على القوة الشرائية للمواطنين، ويزيد من معاناة الفئات ذات الدخل المحدود.

  • زيادة عبء الديون

تعويم الجنيه المصري يمكن أن يزيد من عبء الديون الخارجية، حيث إنَّ انخفاض قيمة العملة المحلية يعني زيادة تكلفة سداد القروض الأجنبية المقومة بالعملات الأجنبية؛ مما يزيد الضغط على المالية العامة، ويجعل الحكومة تواجه تحديات أكبر في إدارة الدين العام.

  • انعدام الاستقرار الاقتصادي

تعويم الجنيه يُمكن أن يُحدث تقلُّبات شديدة في سوق الصرف الأجنبي، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، وهذا يجعل المستثمرين يترددون في الاستثمار في مصر، مما يعيق النمو الاقتصادي ويُقَلِّل من فرص العمل.

  • الفقر والبطالة

يُمكن أن يتسبب تعويم الجنيه المصري في زيادة معدلات الفقر والبطالة، إذ نّ الفئات الضعيفة في المجتمع ستكون الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار وانخفاض فرص العمل، مما يزيد من الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.

  • تأثيرات سلبية على القطاع الصناعي

الصناعات المحلية التي تعتمد على المواد الخام أو الآلات المستوردة قد تتأثر بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي وزيادة تكاليف المنتجات، ويضعف القدرة التنافسية للصناعات المصرية في الأسواق المحلية والعالمية.

  • الضغط على الاحتياطيات الأجنبية

تعويم الجنيه قد يؤدي إلى تزايد الطلب على العملات الأجنبية، مما يزيد الضغط على الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق لحماية العملة أو دعم الاقتصاد في أوقات الأزمات.

وفي الختام، أشار الخبراء إلى أن تعويم الجنيه المصري يحمل في طياته تحديات ومخاطر كبيرة قد تترك آثارًا سلبية على الاقتصاد والمجتمع، لهذا فإنّ من الضروري أن تتبنى الحكومة سياسات اقتصادية متوازنة ومدروسة تهدف إلى تقليل هذه المخاطر وضمان تحقيق فوائد تفوق تكاليف التعويم. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي توفير شبكة أمان اجتماعي فعّالة لحماية الفئات الأكثر تأثرًا، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

قد يهمّك أيضًا: لماذا رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة