هل بدأت موجة الانكماش العالمي؟ نظرة على تداعيات رسوم ترامب
تقرير: باسل محمود
في الثاني من أبريل 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفه بـ”يوم التحرير” الاقتصادي، حيث فرض موجة جديدة من الرسوم الجمركية الواسعة على السلع المستوردة من الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة.
لكن هذا “التحرير” الأمريكي -حسب وصفه- لم يُقابل بحماسة على الضفة الأخرى من العالم، بل أثار موجة واسعة من القلق لدى المصدرين الدوليين الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام تهديد مباشر لعائداتهم.
مسح دولي أجرته شركة التأمين الائتماني “أليانز تريد”، كشف أن 42% من الشركات المُصدّرة في كبرى اقتصادات العالم، تتوقع تراجعًا ملحوظًا في عائداتها خلال 2025، نتيجة مباشرة للرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة، بحسب رويترز.
الانعكاسات المباشرة لقرارات ترامب
المسح، الذي أُجري على عيّنة شملت 4500 شركة في تسع دول صناعية كبرى، من بينها ألمانيا وفرنسا والصين وسنغافورة والولايات المتحدة، كان على مرحلتين: الأولى قبل إعلان ترامب عن الرسوم الجديدة، والثانية بعد دخولها حيّز التنفيذ.
في المرحلة الأولى، لم تتوقع أكثر من 5% من الشركات تراجعًا في صادراتها خلال 2025، أما بعد القرارات ارتفعت النسبة إلى 42%، وهو تحول حاد يعكس حجم الصدمة التي سببتها الإجراءات الجمركية في الأوساط الصناعية والمالية.
أيلين سومرسان كوكي، الرئيسة التنفيذية لشركة “أليانز تريد”، وصفت التحوّل بـ”الدراماتيكي”، قائلة: “في تناقض صارخ مع التفاؤل الذي سبق يوم التحرير، تُظهر بياناتنا بوضوح أن الضبابية والتشظي سيكونان السمتين الأبرز للتجارة العالمية خلال الفترة المقبلة”.
305 مليارات دولار مهددة بالفقد
أشارت “أليانز تريد” في تقريرها إلى أنَّ الخسائر المتوقعة في عائدات التصدير العالمي قد تصل إلى 305 مليارات دولار خلال عام 2025 وحده، إذا استمرت السياسة الحمائية الأمريكية دون مراجعة.
هذا الرقم يعادل تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل البرتغال، ويعني عمليًا ضغوطًا إضافية على نمو الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلًا من تباطؤ في التصنيع، وتراجع في ثقة المستهلكين، واضطرابات في سلاسل الإمداد.
القطاع الأكثر تعرضًا للخطر -بحسب الدراسة- هو قطاع التصنيع العالي القيمة، لا سيما السيارات، والمكونات الإلكترونية، والمعدات الصناعية، وهي القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على التصدير إلى السوق الأمريكية.
اقرأ أيضًا: ترامب يخفف الرسوم الجمركية لإنقاذ صناعة السيارات
ألمانيا.. أكبر الخاسرين المحتملين
تصدرت ألمانيا قائمة الدول الأكثر قلقًا من الرسوم الجمركية، حيث أظهرت نتائج المسح أن 39% من الشركات الألمانية تتوقع انخفاضًا في صادراتها نتيجة للقرارات الأمريكية.
هذا التوقع مفهوم بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد الألماني، الذي يعتمد على التصدير بنسبة تفوق 47% من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة في قطاعات السيارات والآلات والمعدات الكهربائية، والتي تواجه الآن تعريفات قد تصل إلى 20% على بعض المنتجات المتجهة إلى أمريكا.
وتُشير الدراسة إلى أنَّ القلق الألماني لا يتعلق فقط بالأثر المالي المباشر، بل أيضًا بتنامي “المخاطر الجيوسياسية والتوجهات الحمائية”، حيث أبدت 35% من الشركات الألمانية مخاوف متزايدة من هذه الاتجاهات، مقابل 29% فقط في بقية الدول المشمولة بالمسح.
آسيا ليست بعيدة عن التأثر
ورغم أنَّ الصين وسنغافورة لم تكن الأكثر تضررًا في المسح، إلا أنَّ المصدرين فيهما يراقبون التطورات بقلق بالغ؛فالصين، التي تُعد أكبر مصدر في العالم، تواجه بالفعل تعريفات أمريكية قائمة منذ سنوات، لكن الإجراءات الأخيرة توسّعت لتشمل سلعًا إضافية، بما في ذلك المواد الخام والمنتجات نصف المصنعة.
كما عبّر المصدرون في سنغافورة عن خشيتهم من أن تؤدي هذه الرسوم إلى تعقيد سلاسل الإمداد العابرة للحدود، لا سيما تلك المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات الدقيقة، وهي من أبرز صادرات البلاد.
اقرأ أيضًا: انكماش الاقتصاد الأمريكي في عهد ترامب الثاني 2025
صدمة داخلية في صفوف المصدرين الأمريكيين
المفاجأة الأكبر في نتائج المسح ربما كانت في الداخل الأمريكي نفسه، حيث عبّرت نسبة غير قليلة من الشركات الأمريكية المصدّرة عن مخاوف مشابهة، وكان السبب هو الإجراءات الانتقامية المتوقعة من قبل الشركاء التجاريين، والتي قد تُصيب صادرات أميركية في مجالات الزراعة، والتكنولوجيا، والكيماويات.
أكثر من 20% من الشركات الأمريكية التي شملها المسح قالت إنها تُعيد الآن النظر في استراتيجيات التسويق الخارجي، وبعضها بدأ يبحث عن أسواق بديلة أقل تعقيدًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
تفكك سلاسل الإمداد
نتائج المسح تُسلط الضوء على خطر متزايد يتمثل في تفكك سلاسل الإمداد العالمية، وهي الظاهرة التي بدأت تتسارع منذ أزمة كوفيد-19، وتفاقمت بفعل الحرب الروسية الأوكرانية.
الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن تضيف الآن طبقة جديدة من التعقيد، وتجبر الشركات على إعادة هيكلة مسارات الشحن، وإعادة التفكير في مواقع الإنتاج.
وتشير البيانات إلى أنَّ عدد الشركات التي تدرس نقل الإنتاج من مناطق خاضعة لتعريفات إلى مواقع جديدة ارتفع بنسبة 18% بعد قرار ترامب الأخير، ما يُنذر بتكلفة انتقال عالية، قد تُرهق الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديدًا.
تبعات غير مباشرة
حتى الدول غير المشمولة مباشرة بالتعريفات الجمركية الجديدة قد تتأثر؛ حيث إنّ التراجع في حجم التجارة العالمية، وانخفاض الاستثمارات العابرة للحدود، يهددان بنمو أبطأ وتراجع في الإنتاج الصناعي العالمي.
ويرى محللون أنَّ الأسواق الناشئة ستكون الأكثر هشاشة في مواجهة هذا المناخ، نظرًا لاعتمادها الكبير على التصدير، وافتقارها إلى أدوات التحفيز النقدي والمالي الكافية لمواجهة تراجع الطلب الخارجي.
كما أن تقلب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن، يُشكلان عبئًا إضافيًا على الشركات التي تواجه هامش ربح ضيقًا أصلًا.
هل تتراجع إدارة ترامب عن التصعيد؟
حتى الآن، لا تُظهر إدارة ترامب أي إشارات على التراجع عن نهجها الحمائي، بل على العكس، ألمح الرئيس الأمريكي في تصريحات أخيرة إلى أن المزيد من الإجراءات قيد الدراسة، خاصة ضد الدول التي تُحقق فوائض تجارية كبيرة مع واشنطن.
لكن الضغوط من الداخل الأمريكي، سواء من الصناعات التصديرية أو من القطاع المالي، قد تدفع البيت الأبيض إلى مراجعة استراتيجيته، أو على الأقل استثناء بعض القطاعات الحساسة من التعريفات الجديدة.
في الوقت ذاته، تتزايد الدعوات من قبل مؤسسات دولية مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، لتغليب الحوار التجاري على التصعيد الأحادي، محذّرة من أن استمرار هذه الديناميكية سيُضعف التعافي العالمي في مرحلة ما بعد الجائحة.
اقرأ أيضًا: ترامب يصعّد ضد باول.. الفائدة والسلطة على المحك
