هل تتراجع البورصة المصرية لسوق مبتدئة؟ الأبعاد والتداعيات
أثار المقترح الذي طرحته مؤسسة “إس آند بي داو جونز” بشأن إمكانية خفض تصنيف البورصة المصرية من فئة الأسواق الناشئة إلى الأسواق المبتدئة ضمن مراجعتها السنوية لعام 2026 حالة من الجدل داخل الأوساط الاستثمارية، وسط تساؤلات بشأن تأثير هذه الخطوة المحتملة على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ومستقبل سوق المال المصري.
وبينما ترى المؤسسة أن هناك بعض التحديات المتعلقة بسهولة الوصول إلى السوق واستيفاء بعض المعايير الفنية، يؤكد خبراء الاقتصاد وأسواق المال أن البورصة المصرية لا تزال تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها للحفاظ على مكانتها ضمن الأسواق الناشئة، خاصة في ظل تحسن مؤشرات السيولة والتداول، واستقرار سوق الصرف، واستمرار جهود التطوير المؤسسي والتكنولوجي.
تأثير خفض تصنيف البورصة المصرية على المستثمرين
أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن ما يتردد بشأن احتمالية إعادة تصنيف البورصة المصرية من سوق ناشئ إلى سوق محدود يستحق المتابعة من جانب صناع القرار والمؤسسات المالية، نظرًا لما قد يترتب عليه من انعكاسات تتعلق بجاذبية السوق أمام المستثمرين الأجانب وحركة تدفقات رؤوس الأموال خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن هذه المخاوف لا تعني بالضرورة وجود ضعف هيكلي في الاقتصاد المصري أو في أداء البورصة، وإنما ترتبط بالمعايير الفنية والتنظيمية التي تعتمد عليها المؤسسات الدولية ومزودو المؤشرات العالمية عند مراجعة أوضاع الأسواق المالية، وأشار إلى أن مؤسسات دولية مثل MSCI وFTSE تقوم بصورة دورية بتقييم الأسواق الناشئة استنادًا إلى مجموعة من المؤشرات تشمل السيولة، وسهولة التداول، وكفاءة البنية التحتية، ومدى قدرة المستثمرين الأجانب على الدخول والخروج من السوق بسهولة.
وأضاف أن الحديث عن احتمالية خفض التصنيف أثار قلقًا لدى بعض المستثمرين الأجانب، لا سيما أن العديد من الصناديق الاستثمارية العالمية تلتزم بقواعد صارمة تحدد نسب استثماراتها وفقًا لتصنيف كل سوق، وهو ما دفع بعض المؤسسات إلى تقليص مراكزها الاستثمارية بصورة استباقية تحسبًا لأي تغييرات مستقبلية.
وأشار إلى أن خروج بعض الاستثمارات الأجنبية خلال الأشهر الأخيرة فرض ضغوطًا على مستويات السيولة داخل السوق، إلا أن المؤسسات المصرية نجحت في احتواء جزء من هذه التداعيات من خلال استيعاب الحصص التي تم التخارج منها، ما ساهم في الحد من التقلبات وتحسين أوضاع السوق بصورة ملحوظة.
وفي هذا السياق، أوضح العسيلي أن الفارق بين السوق الناشئ والسوق المحدود لا يقتصر على التصنيف فقط، بل يمتد إلى طبيعة الفرص الاستثمارية والتدفقات الرأسمالية المتوقعة. فالسوق الناشئ يتمتع عادة بسيولة أكبر وانفتاح أوسع على المستثمرين الأجانب، كما يحظى بفرص الإدراج في المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة، وهو ما يجذب صناديق استثمارية دولية ضخمة. أما السوق المحدود فيعاني عادة من ضعف السيولة وتراجع أحجام التداول، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض اهتمام المستثمرين الدوليين.
وأكد أن التأثيرات المحتملة تختلف بين المدى القصير والطويل، فخلال المدى القصير قد تتعرض البورصة لبعض الضغوط نتيجة خروج استثمارات مرتبطة بالمؤشرات الدولية، بينما يتطلب المدى الطويل تسريع جهود تطوير السوق وتعزيز تنافسيته إقليميًا ودوليًا.
اقرأ أيضًا: التمويل الخارجي لمصر.. ماذا يعني العودة لسندات الساموراي؟
تجارب ناجحة للأسواق الناشئة في المنطقة
قال العسيلي إنّ التجارب الناجحة في المنطقة، وعلى رأسها السعودية والإمارات، أثبتت أن الاستثمار في البنية التكنولوجية للأسواق المالية والتحول الرقمي وتبسيط إجراءات التداول تمثل عوامل رئيسة في جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز ثقة المستثمرين، وهو ما يجعل الإسراع في تنفيذ خطط التطوير التكنولوجي للبورصة المصرية ضرورة للحفاظ على تنافسيتها.
كما شدد على أهمية زيادة عمق السوق من خلال التوسع في برنامج الطروحات الحكومية، وإدراج شركات جديدة من قطاعات متنوعة، بما يعزز مستويات السيولة ويرفع من جاذبية السوق للمستثمرين المحليين والأجانب، وأكد أن تحسين مستويات الشفافية والتداول وتوسيع قاعدة الشركات المقيدة سيعزز من فرص استمرار البورصة المصرية ضمن فئة الأسواق الناشئة.
وأشار العسيلي إلى أن دولًا أخرى واجهت تحديات مماثلة، من بينها تركيا التي تعرضت لضغوط ناجمة عن تقلبات العملة والأوضاع الجيوسياسية، إلا أنها نجحت في الحفاظ على تصنيفها كسوق ناشئ بفضل قوة السيولة المحلية وارتفاع أحجام التداول وقدرتها على جذب مستثمرين جدد.
وأكد أن البورصة المصرية تواجه بالفعل تحديًا مهمًا للحفاظ على مكانتها ضمن الأسواق الناشئة، مشيرًا إلى أن أي خفض محتمل للتصنيف لن يكون مجرد تعديل فني، بل قد يؤثر على الصورة الاستثمارية لمصر وقدرتها التنافسية مقارنة بأسواق المنطقة التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في جذب تدفقات أجنبية كبيرة.
الأوراق الفنية والشفافية تدعم الموقف المصري
من جانبه، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن ما يتم تداوله حاليًا بشأن احتمالية إعادة تصنيف البورصة المصرية ليس أمرًا جديدًا، موضحًا أن هذا الملف تم طرحه بالفعل خلال شهر أبريل الماضي ضمن المشاورات التي تجريها المؤسسة، وأنه لا يمثل قرارًا نهائيًا أو حكمًا قاطعًا على وضع السوق المصرية.
وأوضح عبد الهادي أن عملية المراجعة تعتمد في الأساس على استطلاع آراء المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية المدرجة ضمن هذه المؤشرات، مشيرًا إلى أن القرار النهائي لن يتم حسمه قبل سبتمبر 2027، ما يعني أن السوق المصرية لا تزال تمتلك الوقت الكافي لإثبات قدرتها على الحفاظ على تصنيفها الحالي.
وأضاف أن ما يجري حاليًا يدخل ضمن إطار المراجعات الدورية المعتادة التي تقوم بها مؤسسات التصنيف الدولية لتقييم أوضاع الأسواق ومدى التزامها بالمعايير المطلوبة، ولا يرتبط بأي تعديل رسمي أو نهائي في قواعد التصنيف.
وأشار إلى أن البورصة المصرية لا تزال تستوفي المعايير الفنية الأساسية المطلوبة للحفاظ على تصنيفها كسوق ناشئ، خاصة مع التحسن الملحوظ في أحجام التداول والسيولة خلال الفترة الأخيرة، وهي من المؤشرات الرئيسة التي تعتمد عليها المؤسسات الدولية عند تقييم الأسواق.
وأكد أن السوق المصرية نجحت في تعزيز مستويات الشفافية والإفصاح، كما أن الأسهم المصرية لا تزال تتمتع بمضاعفات ربحية جاذبة مقارنة بالعديد من الأسواق المنافسة، وهو ما يعزز من جاذبيتها الاستثمارية أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وأضاف أن الدولة المصرية نفذت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة لتطوير البنية التحتية لسوق المال، بما في ذلك تحديث الأنظمة التشغيلية والتكنولوجية، والتوسع في الأدوات المالية المتاحة للتداول، مثل السندات والمشتقات المالية، بما يساهم في زيادة عمق السوق وتوفير بدائل استثمارية متنوعة.
وأشار إلى أن حرية دخول وخروج المستثمرين الأجانب تمثل أحد أهم معايير تقييم الأسواق الناشئة، مؤكدًا أن السوق المصرية لا تواجه حاليًا معوقات جوهرية في هذا الملف، خاصة في ظل استقرار سوق الصرف وتحسن توافر النقد الأجنبي، وهو ما يدعم ثقة المستثمرين الأجانب ويعزز موقف مصر في أي مراجعات مستقبلية.
واختتم عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن القراءة الموضوعية لمعايير التصنيف تشير إلى أن البورصة المصرية ما زالت تمتلك المقومات اللازمة للاستمرار ضمن فئة الأسواق الناشئة، خاصة مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتطوير سوق المال وزيادة التنوع في الأدوات الاستثمارية، مشددًا على أن ما يثار حاليًا ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من المراجعات الفنية الدورية، وليس مؤشرًا على صدور قرار نهائي، مؤكدًا أن استمرار تطوير البنية التكنولوجية وتعزيز السيولة وعمق السوق سيزيد من فرص الحفاظ على التصنيف الحالي خلال السنوات المقبلة.
إقرأ أيضًا: هل ينجح النمو الاقتصادي بمصر في استيعاب مستحقات صندوق النقد؟