شهدت سوق الفضة خلال شهر نوفمبر حالة من النشاط الاستثنائي، وسط موجة صعود قوية في الأسواق العالمية، في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين وتصاعد مخاوف التباطؤ، إلى جانب زيادة ملحوظة في توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة والمعادن الصناعية ذات الاستخدامات الاستراتيجية.
وكشف تقرير صادر عن مركز الملاذ الآمن أنَّ الفضة واصلت مكاسبها للشهر السابع على التوالي، مستفيدة من تراجع مستويات الثقة في الأصول عالية المخاطر، وتنامي التوقعات بشأن نهج أكثر حذرًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى الارتفاع الكبير في الطلب الصناعي، خاصة من قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات والتقنيات المرتبطة بالتحول الطاقي.
ارتفاع تاريخي في سعر أوقية الفضة بنسبة 17.4%
شهد السوق العالمي للفضة خلال نوفمبر واحدة من أعلى موجات الارتفاع في تاريخه الحديث، بحسب التقرير، مع قفزة قوية في سعر الأوقية بنسبة 17.4٪، لتغلق عند مستوى قياسي بلغ 56.33 دولارًا في 28 نوفمبر، وهو أعلى مستوى تصل إليه الفضة منذ بدء التسعير الحديث في الأسواق العالمية. ويرتبط هذا الصعود غير المسبوق بجملة من العوامل؛ أبرزها الزيادة المضطردة في الطلب الصناعي، وارتفاع شهية الاستثمار العالمي نتيجة التوترات الاقتصادية، إضافة إلى أن الفضة باتت تُعامل كمعدن مزدوج يجمع بين قيمة التحوّط وقيمة الاستخدام الصناعي.
وأشار مركز الملاذ الآمن إلى أن عام 2025 يمثّل نقطة تحوّل مهمة في مسار الفضة؛ إذ سجّل المعدن الأبيض منذ بداية العام ارتفاعًا بلغ 94%، مقارنة بارتفاع 61% للذهب في الفترة نفسها، ما يدل على تحوّل واضح في تفضيلات المستثمرين، خصوصًا مع الانخفاض النسبي في الفجوة السعرية بين المعدنين.
وأرجع التقرير هذا الأداء الاستثنائي إلى مجموعة من العوامل العالمية المتشابكة، على رأسها الرهانات المتزايدة بإمكانية فرض رسوم جمركية على واردات الفضة، ضمن السياسات التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتدفّق كميات ضخمة من المعدن إلى السوق الأمريكية، بالتزامن مع نقص تاريخي في المعروض داخل سوق لندن وارتفاع متسارع في الطلب الهندي.
اقرأ أيضًا: الفضة والبلاتين يكسران سطوة الذهب
ما دلالات التخلف السعري بين الفضة الفورية والعقود الآجلة؟
تزامنت هذه التحولات مع أزمة واسعة في المعروض العالمي للفضة، إذ تعاني السوق للعام الخامس على التوالي من عجز هيكلي واضح بين العرض والطلب؛ فقد أصبح الإنتاج العالمي، سواء من التعدين أو إعادة التدوير، عاجزًا عن تلبية الارتفاع الكبير في الطلب الصناعي، وانعكس هذا العجز في تراجع المخزونات في بورصة شنجهاي للعقود الآجلة إلى أدنى مستوى منذ 2015، وهبوط أحجام التداول إلى مستويات لم تحدث منذ تسع سنوات.
ونتيجة لهذا النقص الحاد، ظهرت حالة “التخلف” بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة، وهي حالة نادرة تشير إلى ضغط شديد على الإمدادات قصيرة الأجل واستعداد المستثمرين لدفع علاوة سعرية مقابل الحصول على المعدن بشكل فوري، وهو ما يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة الوضع الراهن في أسواق المعادن.
وامتدت الاضطرابات إلى البنية التحتية للأسواق العالمية، بعد أن تعطل مركز بيانات “CME” في شيكاغو لساعات بسبب خلل فني في نظام التبريد، ما تسبب في وقف تداول العقود الآجلة والخيارات، ما دفع المستثمرين إلى الاتجاه نحو الذهب والفضة باعتبارهما أكثر الأدوات قدرة على امتصاص الصدمات، الأمر الذي عزّز التدفقات نحو المعادن النفيسة وساهم في زيادة زخم الفضة بصورة خاصة.
تغيرات هيكلية تعيد تشكيل معادلة العرض والطلب
قالت الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، إن الفضة تمر الآن بمرحلة تتجاوز مجرد الارتفاعات السعرية التقليدية، لتدخل في “دورة صعود هيكلية” تعكس تغيرات عميقة في العرض والطلب العالميين، مؤكدة أن ارتفاع الأوقية عالميًا إلى مستوى 56.33 دولارًا للمرة الأولى في التاريخ يعكس حالة طلب استثنائية ارتبطت بتوقعات الاحتياطي الفيدرالي الحذرة، وفرص خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وهو ما يعزز عادةً من جاذبية المعادن النفيسة.
وأشارت إلى أن انخفاض نسبة الذهب إلى الفضة من مستوى 100 في أبريل إلى 74 حاليًا يوضح بجلاء تحوّل المستثمرين نحو المعدن الأبيض، وأضافت أن استمرار الاتجاه الحالي قد يعيد تلك النسبة إلى مستوى 50، وهو مستوى تاريخي يتماشى مع سيناريوهات تتوقع وصول الذهب إلى 5000 دولار للأوقية بحلول 2026، ما يفتح الباب أمام صعود محتمل للفضة قد يصل إلى 100 دولار للأوقية إذا استمرت العوامل المحفزة على حالها.
اقرأ المزيد: الذهب يواصل الصعود وتوقعات خفض الفائدة تفتح الباب لمستويات تاريخية
صعود قياسي في صادرات الصين من الفضة
كشفت رمسيس عن بيانات رسمية حديثة تشير إلى أن صادرات الصين من الفضة قفزت إلى أكثر من 660 طنًا في أكتوبر، وهو أعلى مستوى شهري مسجل على الإطلاق، وهذا يشير إلى النقص الشديد في المخزونات الصينية، ما دفع بمزيد من الإمدادات إلى لندن لمحاولة سد الفجوة بين العرض والطلب.
وقد أوضحت الخبيرة أن هذا التحوّل الجغرافي في تدفقات الفضة العالمية يعكس “عطشًا عالميًا” للمعدن، وأن السوق لم تعد تمتلك أدوات سريعة للتعامل مع هذا النقص المتراكم.
تحول عالمي في اتجاهات الاستثمار يعزز دور
أشارت رمسيس إلى أن صعود الفضة بنسبة 94% منذ بداية 2025، مقارنة بصعود الذهب بنسبة 61%، يعكس بوضوح تحوّلًا في منطق الاستثمار العالمي، حيث باتت الفضة تتميز بقدرتها المزدوجة كملاذ آمن وكعنصر صناعي رئيسي.
وأضافت أن هذه الازدواجية تجعل الفضة أكثر حساسية للتحولات الاقتصادية وأكثر قابلية لتسجيل مكاسب أكبر في دورات الانتعاش المقبلة، خصوصًا في ظل تنامي الطلب من قطاعات الطاقة الشمسية التي تعتمد على الفضة في تصنيع الخلايا ذات الكفاءة العالية.
واختتمت رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن قوة الفضة الحالية ليست مجرد موجة مؤقتة، بل تأتي ضمن دورة اقتصادية معمّقة قد تعيد تشكيل سوق المعادن خلال السنوات المقبلة، وأكدت أن استمرار أزمة المعروض وتوسع الطلب الصناعي وتوقعات خفض الفائدة الأمريكية تضع الفضة على مسار صعودي طويل الأجل، مع احتمالات قوية لمزيد من المكاسب إذا تصاعدت التوترات الاقتصادية أو شهدت الأسواق اضطرابات إضافية في البنية التحتية للتداول.
وقد شدَّدت بدورها على أنَّ العامين المقبلين قد يشهدان إعادة رسم خريطة سوق المعادن النفيسة والصناعية، مع بقاء الفضة في صدارة المشهد بوصفها أحد أهم أصول التحوط والاستثمار الصناعي في آن واحد.
اقرأ أيضًا: الذهب بين مفترق طرق عالمي وضغوط بيانات أمريكية