ترحيل السوريين في أوروبا وتعليق طلبات اللجوء: خطوة مفاجئة وجدل واسع

في خطوة مفاجئة أثارت جدلًا واسعًا، أعلنت عدد من الدول الأوروبية تعليق إجراءات اللجوء وربما ترحيل السوريين من أوروبا مع تطورات الأوضاع السياسية في سوريا، وذلك بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد وسيطرة المعارضة على دمشق، فكيف ستؤثر إعادة تقييم الأوضاع في سوريا على مصير الآلاف ممن اضطروا للفرار بحثًا عن الأمان والاستقرار؟ وهل قرارات تعليق اللجوء وإجراءات الترحيل تأخذ بعين الاعتبار الظروف الإنسانية والاقتصادية المعقدة التي ما تزال تواجه سوريا؟

ترحيل السوريين من أوروبا: إعادة تقييم السياسات والخيارات

أعلنت إيطاليا تعليق جميع إجراءات اللجوء للسوريين بعد اجتماع عقدته رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني مع وزرائها في العاصمة روما يوم الاثنين، حيث تمّت مناقشة تطورات المشهد السوري وأثره على سياسات الهجرة واللجوء.

وبدورها، أفادت الحكومة السويسرية أنها علقت فورًا معالجة طلبات اللجوء للسوريين بانتظار “إعادة تقييم الوضع”، وأكدت السلطات أن التعليق يشمل جميع الطلبات قيد الدراسة وقرارات اللجوء السابقة، حتى تتضح الرؤية بشأن الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا.

كما قرَّرت ألمانيا، من خلال المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، تعليق جميع القرارات المتعلقة بطلبات اللجوء المقدمة من السوريين، وأشار المتحدث باسم المكتب إلى أنَّ هناك 47 ألف طلب لجوء معلق حاليًا، منها 46 ألفًا و81 طلبًا أوليًا.

وأكَّدت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر أن تقييم الطلبات المستقبلية سيعتمد على التطورات في سوريا بعد سقوط الأسد، علمًا أنّ ألمانيا تستضيف أكثر من مليون سوري، وهو العدد الأكبر بين دول الاتحاد الأوروبي. وقد دخل معظمهم خلال موجة اللجوء الكبرى عامي 2015 و2016 في عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل.

ومن جانبها أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية العمل على تعليق طلبات اللجوء السورية، بينما أكَّدت وزارة الداخلية النمساوية أنها أصدرت تعليمات بتجميد جميع الطلبات الحالية ومراجعة ما تمَّ من قرارات بمنح اللجوء. كما قال مصدر حكومي كبير في اليونان لوكالة “رويترز” إن “أثينا علقت معالجة طلبات اللجوء المقدمة من نحو 9 آلاف سوري عقب سقوط الأسد”.

أما في السويد، فقد طالب زعيم حزب “ديمقراطيو السويد” (اليمين المتطرف) بمراجعة تصاريح الإقامة التي منحت للاجئين السوريين، مع العلم أنّ السويد هي الدولة الثانية في الاتحاد الأوروبي من حيث استقبال السوريين، حيث استقبلت حوالي 51 ألفًا و338 سوريًا من أصل 162 ألف طالب لجوء خلال عام 2015.

تنظيم العودة الطوعية للاجئين السوريين

في ظل هذه التحولات، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، الدول الأوروبية إلى التحلي بـ”الصبر واليقظة”، مؤكّدًا أنَّ المفوضية مستعدة لدعم الدول في تنظيم العودة الطوعية للاجئين السوريين الذين فروا من الحرب التي استمرت لأكثر من 13 عامًا، كما شدَّد على أهمية ضمان سلامة العائدين وتوفير الظروف الملائمة لإعادة اندماجهم.

وتعكس هذه الإجراءات تحولًا جذريًا في سياسات الهجرة الأوروبية تجاه السوريين، مع اعتماد الدول على إعادة تقييم الأوضاع في سوريا لتحديد مستقبل طالبي اللجوء. ومع ذلك، فإن هذا النهج يثير مخاوف بشأن مصير الآلاف من اللاجئين، خاصة في ظل استمرار التحديات الأمنية والإنسانية في سوريا.

قرار مدفوع بالسياسة أكثر من الأمن

صرَّح الدكتور مهند سعيد، خبير العلاقات الدولية واللاجئين، لـ “Econ-Pedia بأنَّ قرار العديد من الدول الأوروبية تعليق طلبات اللجوء المقدمة من السوريين يعكس تحولات سياسية حادة تجاه قضايا الهجرة واللجوء، وذلك بالتزامن مع التطورات الأخيرة في سوريا، وأوضح أن هذه القرارات تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية، فضلًا عن تأثيراتها الإنسانية المباشرة.

وأشار إلى أنَّ تعليق طلبات اللجوء في دول مثل ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا يأتي في سياق رغبة الحكومات في إعادة تقييم مواقفها السياسية تجاه الأزمة السورية بعد الإطاحة بالنظام السوري. وأضاف:”هذه الدول تسعى إلى التمهيد لسياسات جديدة تتعلق بإعادة اللاجئين، وهو ما يرتبط بالتغيرات السياسية في سوريا أكثر من كونه ضرورة أمنية أو اقتصادية حقيقية”.

هل العودة الطوعية للاجئين السوريين آمنة حقًا؟

أكَّد سعيد أنَّ الوضع في سوريا ما زال بعيدًا عن الاستقرار رغم من التغيرات الأخيرة. مؤكدًا أن العودة الطوعية للاجئين قد تكون محفوفة بالمخاطر إذا لم يتم ضمان سلامتهم وكرامتهم؛ إذ إنّ الأوضاع الاقتصادية والأمنية في سوريا ما تزال غير مواتية لعودة آمنة ومستدامة.

كما حذَّر من أنَّ هذه القرارات قد تدفع بعض الدول إلى اللجوء لسياسات إعادة اللاجئين قسرًا، وهو ما قد يشكل انتهاكًا للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

تحديات قانونية وإنسانية

أوضح سعيد أنَّ تعليق طلبات اللجوء يثير تحديات قانونية، حيث يترك آلاف اللاجئين في حالة غموض قانوني، مما يزيد من شعورهم بعدم الأمان والاستقرار، وأضاف: “هؤلاء الأشخاص يعيشون في حالة انتظار طويلة قد تؤثر على صحتهم النفسية والاجتماعية”.

تداعيات سياسية داخل أوروبا

أكد سعيد أنَّ هذه القرارات قد تكون مدفوعة أيضًا بالضغوط السياسية الداخلية التي تواجهها الحكومات الأوروبية من التيارات اليمينية المناهضة للهجرة، مشيرًا إلى أنّ تصاعد أصوات اليمين المتطرف في السويد وألمانيا وبريطانيا يؤثر بشكل كبير على سياسات اللجوء، حيث تسعى الحكومات إلى استرضاء هذه الفئات على حساب التزاماتها الإنسانية.

توصيات للتعامل مع الأزمة

قدم سعيد عدد من التوصيات للحكومات الأوروبية والمجتمع الدولي، منها التريث قبل اتخاذ قرارات متسرعة، حيث يجب أن تكون السياسات مبنية على تقييم دقيق للأوضاع الأمنية والإنسانية في سوريا، علاوة على ضمان حقوق اللاجئين، فمن الضروري احترام المواثيق الدولية وضمان عدم إعادة اللاجئين قسرًا إلى مناطق غير آمنة، مشيرًا إلى ضرورة التنسيق مع الأمم المتحدة لتنظيم العودة الطوعية بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لضمان توفير بيئة آمنة للعائدين.

وفي هذا السياق، اقترح الخبير تعزيز سياسات الإدماج بدلاً من تعليق الطلبات، حيث يمكن تحسين برامج الإدماج للاجئين الموجودين بالفعل في الدول الأوروبية، بما يحقق توازنًا بين مصلحة الدول وحقوق الأفراد. كما أشار إلى أنّ تعليق طلبات اللجوء للسوريين يعكس أزمة ثقة بين الحكومات الأوروبية ومواطنيها بشأن إدارة ملف اللاجئين، مٌشددًا على ضرورة بقاء حقوق الإنسان محور أيّ قرارات مستقبلية، لضمان معالجة القضية بشكل إنساني وسياسي متوازن.

توجه أوروبي موحّد

صرّح الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، بأن التطورات الأخيرة في سياسة اللجوء التي تبنتها العديد من دول الاتحاد الأوروبي تمثل منعطفًا هامًا في ملف اللاجئين السوريين، مُشيرًا إلى أنَّ هذه السياسات تأتي في إطار تغييرات جذرية تشهدها المنطقة، ما يثير تساؤلات ومخاوف واسعة النطاق بين اللاجئين والمهاجرين في أوروبا.

وأوضح في تصريحات لـ “Econ-Pedia” أنَّ عددًا من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا وهولندا والسويد والنمسا، علقت إجراءات لمِّ الشمل في بعض الحالات، إلى جانب تعليق استقبال طلبات اللجوء الجديدة. وأضاف أن تعليق لم الشمل في دول مثل النمسا قد يكون مؤقتًا، لكن لا يمكن استبعاد أن يصبح قرارًا دائمًا.

وأشار إلى أنَّ هذه السياسات قد تكون جزءًا من استراتيجية أوروبية مشتركة لإعادة تقييم الأوضاع في سوريا، مع الأخذ في الاعتبار التحسُّن النسبي في الظروف الأمنية من وجهة نظر هذه الدول.

ومن ناحية أخرى، أوضح الدكتور أحمد عناني أنَّ هناك تخوفًا مشروعًا لدى اللاجئين من احتمالية ترحيلهم، خاصةً الذين لم يحصلوا على إقامات دائمة أو جنسية، وبيّن أنَّ تعليق طلبات اللجوء في بعض الدول يعني عمليًا إيقاف منح الإقامات الجديدة، ما قد يشكل تحديًا إضافيًا للوافدين الجدد، مٌشيرًا إلى احتمالية سحب إقامات الحماية المؤقتة، خاصة مع تصنيف بعض الدول الأوروبية سوريا كبلد آمن.

كيف تُحرك الضغوط الداخلية سياسات الهجرة الأوروبية؟

أكَّد الدكتور عناني أنَّ الدول الأوروبية تستند في قراراتها إلى تقييمها للوضع الأمني والسياسي في سوريا، ومع إعلان بعض الدول عن تحسن نسبي في الأوضاع هناك، فإنَّها ترى أنَّ خطر الحرب لم يعد يهدد الجميع بشكل عام، لكن هذا لا ينفي وجود مخاطر فردية لبعض اللاجئين، وهو ما سيؤخذ بعين الاعتبار في التقييمات الفردية.

وأضاف أنَّ بعض الحكومات الأوروبية تتبنى هذه السياسات استجابةً لضغوط داخلية من الأحزاب اليمينية التي تسعى لتشديد إجراءات الهجرة واللجوء.

وحذّر الدكتور عناني اللاجئين السوريين من التسرع في اتخاذ قرار العودة الطوعية إلى سوريا، مشيرًا إلى أنَّ هذا القرار قد يؤدي إلى فقدان الإقامة أو الحماية القانونية في الدول الأوروبية. وقال: “السفر إلى سوريا يُعد خرقًا لحق اللجوء، وقد يكون مبررًا لسحب الإقامة المؤقتة، ما يضع اللاجئ أمام مخاطر قانونية كبيرة”.

ودعا الدكتور عناني اللاجئين المؤهلين للتقديم على الجنسية للإسراع في ذلك، مستفيدين من القوانين الحالية قبل أن يتم تعديلها وتشديدها كما تقترح بعض الأحزاب.

هل الأوضاع في سوريا باتت آمنة كما تدّعي الدول الأوروبية؟

أشار عناني إلى أنَّ اللاجئين قد يواجهون تحديات أكبر في المستقبل القريب مع تغيّر الحكومات الأوروبية وازدياد تأثير التيارات السياسية المناهضة للهجرة والتي تطلب تهجير السوريين من أوروبا، قائلاً : “بعض الأحزاب تسعى إلى إعادة قوانين الهجرة والجنسية إلى شروطها السابقة، ما يعني صعوبة أكبر في الحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة”.

واختتم الدكتور عناني تصريحاته قائلاً: “الوضع الحالي للاجئين في أوروبا يتطلب الحذر والتخطيط الدقيق، ويجب على اللاجئين التركيز على العمل والتعلم والحصول على وضع قانوني مستقر لضمان مستقبلهم في الدول المستضيفة.

وأضاف أنّ سوريا ما تزال تمر بفترة من عدم الاستقرار، ولا يمكن اتخاذ قرارات عشوائية قد تُعرض حياة اللاجئين أو استقرارهم القانوني للخطر، وقال مُعلقًا: “المستقبل يظل غامضًا بالنسبة لسياسات اللجوء في أوروبا، ولكن اللاجئ الذي يستثمر في نفسه هو الأقدر على مواجهة التحديات”.

موضوع ذو صلة: سوريا بعد الأسد.. احتفالات التحرير ومخاوف من فراغ سياسي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة